رواية تستشرف كابوس الجهاد القادم من الشمال

الخميس 2014/07/03
سنيلمان تكتب روايتها بجرأة ودون تزييف للحقائق

هي مشكلة الاندماج بين المهاجرين من جنوب الكرة الأرضية إلى شمالها، قضية الصدام بين الثقافات، وتغلغل الإسلام في المجتمعات الاسكندنافية، هذا هو الشاغل الأساسي لرواية “أرباب الشرفة” للكاتبة الفنلندية “أنيا سنيلمان” الصادرة عن دار “الحوار”، والتي تهديها إلى “الأماكن التي لم توضع على الخارطة”، مثلما لو كانت نبوءة أو حلما لاستكشاف هذه المناطق وجعلها المكان الذي يمكن أن تعيش فيه البشرية بالشكل المنشود.

تبدأ رواية “أرباب الشرفة” للكاتبة الفنلندية “أنيا سنيلمان”، وهي من مواليد هلسنكي سنة 1954، من حيث تنتهي عندما كانت أنيسة تعاني سكرات الموت وتأخذها الغيبوبة في عالم ضبابي حيث تحلق روحها في الفضاء الذي حلمت به وعاشت من أجله لتكون النتيجة دفع ثمن الأعراف والتقاليد التي “تحترم بحذافيرها حتى آخر قطرة دم”. وقد طبق الأب والأخوة الذكور حدّ احترام هذه الأعراف بحق أنيسة عندما حاولوا قتلها في الشرفة التي تحمل رمزية الرواية، وذلك غسلا للعار.


قضية المرأة


أنيسة طالبة في الإعدادية، تداهمها المراهقة بكم كبير من الأحلام والأسئلة الوجودية، وتتفتق عن فتاة متمردة لا تقنع بالمسلمات مثلما هو والدها الذي “يعرف منذ نعومة أصابعه الحلال من الحرام. المهم هو الله ورسوله”، تضيق بجو البيت المغلق الذي تفرض فيه قواعد سلوكية صارمة، تبنى على التمسك المرضي بالموروث الثقافي الآتي من هناك، حيث البلاد التي جاؤوا منها، والتي مازال يحق فيها لكل فرد من تلك البلاد البعيدة أن يتدخل في شؤون أيّة عائلة هاجرت مهما بعدت المسافة، تطول لائحة الممنوعات الطعام غير الحلال والموسيقى والرسم وقص الشعر للبنات ممنوع، المشاركة في نشاطات مدرسية، قراءة الكتب، حضور السينما، الاهتمام بأمور البيئة، حتى إن الأم المستسلمة لقيادة رب البيت ليس لديها الفضول لتعلّم طبق أكل فنلندي ولا تجريب طعام آخر حتى لو كان حلالا.

كل شيء يخص المجتمع الفنلندي مشكوك في أمره، مثل أنيسة المتمردة التي يشك فيها والدها “يحسب على ابنته أنيسة أنفاسها ويراقب حتى ثيابها”، ويسلّط عليها أخوتها الذكور ويجعلهم يرافقونها إلى أي نشاط خارج البيت، فتشتري ضمائرهم بإرشائهم وهم الذين لا يفوتون وقت صلاة، كما أنهم يحق لهم العيش كما يهوون من دون تضييق الخناق عليهم.


هاجس الحرية


أصبح الخوف من الإسلام يسيطر على المناخ الفكري في فنلندا، مما ولد اهتماما به كدين وكأسلوب حياة

هاجس أنيسة هو “الحرية” بقدر ما تعاني من العنف الجسدي والمعنوي في البيت، فهي عندما تكلفها المدرسة بكتابة خطاب تلقيه في عيد الاستقلال، تبدأ الخطاب بهذا المفهوم “أسرتي تسكن في فنلندا لأن بلاد أجدادي ترزح تحت نير الحروب، لذلك أصبح من الصعب للإنسان أن يعيش فيها حرا”. وتتابع: “أنا هنا للحديث عن فتاة كانت تريد أن تكون حرة طليقة، وتريد أن تكبر بسلام، وأن تصبح امرأة، ولكنها لم تستطع”.

وفعلا لم تستطع، فأنيسة التي تعرفت إلى وردة وصارت صديقتها الحميمة بعد فانيليا التي بقيت مكانتها سرية وحميمة في قلب أنيسة، فتحت أمامها أبوابا واسعة للتعرف على الحياة، وكانت أم وردة الكاتبة المتحررة الوجودية هي الحضن الذي احتوى أنيسة واستمع إلى أسئلتها ونجواها وشجنها. في الوقت الذي كانت فيه أنيسة تكابد الألم المرير على مصير فانيليا المتخفية منذ أن عادت من الصومال مريضة بسبب إجبارها على الختان فتستهجن أنيسة موقف أم فانيليا: “تتمسك هي برأيها التافه ولا تسمح لابنتها بأن تتمسك بـ …؟” ختان البنات، إنه أم الكوابيس بالنسبة إلى كل البنات. وتقرر أنيسة بأن لا توافق أبدا على قطع عضوها بأي حال من الأحوال.

في المقابل كانت “ألاّ زهرة” قد اتخذت قرارها ومشت خلف خيارها، فهي طالبة جامعية في قسم العلوم السياسية، تجيد التصوير الضوئي، وإصلاح الحواسيب واختراقها، كانت تعيش حياة منفتحة بالكامل، تعاني من اضطراب نفسي منذ طفولتها، فهي تأخرت كثيرا حتى تكلمت ، و”كانت ترفض أن يلمسها أحد، وتكره أن يعانقها أحد”.

تبدأ أولى نشاطاتها بتصوير فتيات دار الفتيات التي دخلتها في ماضيها للعلاج النفسي بعد حالة الاغتصاب الجماعي التي تعرضت إليها، حيث أثارت القصة لدى أنيسة عندما سمعتها على لسان وردة سؤالا مؤلما لأن الاغتصاب في الصومال “عار على الفتاة المغتصبة، وعار لأمها، وعار لأختها، وعار لخالاتها وعماتها، وعار لقريتها كلها”. وإذن تبدأ ألاّ زهرة دعوتها فإنها تعرف الباب الذي عليها الدخول منه، ففتيات الدار هنّ “أعضاء جافلة على الدوام، عيون يسكنها الرعب” واعتقدت أن الأخطاء الجسدية في أشكالهن هي السبب، فقامت بتجربة تهميش الجسد وكبحه بتغطيته كاملا عندهن، فاستنتجت أن وجوههن صارت أكثر رضا، ليسهل عليها إقناعهن بالحجاب بعدها.

تتخلى “ألاّ زهرة” عن كل شيء، عن زينتها وأقراطها، وأثاثها وكاميراتها الدقيقة، ولا تحتفظ إلاّ بواحدة، وتنذر نفسها لرسالتها الجديدة بعد أن تقاطع الجامعة والكتب والتلفزيون، ولا يبقى لها إلاّ الحاسوب. في اجتماعاتها بالمنتسبين إلى المخيم تناقش أمور الحياة والدين والمحرمات، و ضرورة التخلي عن متاع الدنيا، بمباركة من ريما الحسيني التي تقول في رسائلها: “اصبروا أيها الأعزاء الشباب فإن الله سيجزيكم، وسيحبكم إخوتكم وأخواتكم في الإسلام كثيرا“.

إذن تتوب “ألاّ زهرة”، وتناجي ربها “أريد أن أخضع، إرادتي هي أن أسلم، أتوب إليك”. وتشعر بالحرية والانطلاق وهي ترتدي البرقع والثياب الطويلة، وتجيب على أسئلة مجلة الطلبة: “أصبح الخوف من الإسلام يسيطر على المناخ الفكري والثقافي في فنلندا، مما ولّد اهتماما بالإسلام كدين، وكثقافة، وكأسلوب حياة“.


عنف جسدي


أنيسة التي تعرفت إلى وردة وصارت صديقتها الحميمة بعد فانيليا التي بقيت مكانتها سرية وحميمة في قلب أنيسة، فتحت أمامها أبوابا واسعة للتعرف على الحياة

“ألاّ زهرة” تسكن في بناية الفنانين، في سكن جماعي، ويجاورها في السكن الشاب الذي كانت تجمعها به علاقة غرامية، وكانت تسميه “ل.ل.”، انقطعت علاقتهما بعد أن اتخذت مسارها الجديد، لكن هذا الشاب كان فتى أحلام أنيسة المهتمة بأمور البيئة، وقد التقت به أثناء محاضرة للباحث الأميركي آلكور حول إنقاذ البحر الميت، وعندما تحققت المصادفة واجتمعت به أنيسة لم يطل الوقت حتى لبت نداء الحب، ووافته إلى بيته، حيث رأتهما ألاّ زهرة وراحت تتجسس عليهما وتلتقط الصور لأول تجربة حب تعيشها أنيسة، ونشرت الصور على الأنترنت، لتكون نهاية لحظة حياة حقيقية بالنسبة إلى أنيسة في ممارسة الحب مع صديقها، حيث كان أبوها وإخوتها في انتظارها ليريقوا الدم على الشرفة غسلا للعار. وتدخل أنيسة المستشفى لتصبح مشلولة خرساء، لكنها تحلق في عوالمها قبل أن تنهي عذابها الأرضي والدة وردة.

لكن أنيسة تكتب نصها “نص الشرفة” بلا توقيع، بعد أن تكون “اللات والعزى ومناة، يوشوشن في الليل ورياح جيلاب: يأتي الخوف في الليل ويقول: اسمي ختان البنات… يريد أن يأخذ قطعة مني حتى يبقى كل شيء على ما هو عليه، هذه قطعة مهمة للغاية… تجعل الآخرين يحسون بالأمان، وبدونها تندلع الثورات والحروب، وتشب النار في العالم، ثم ينفجر الكون ويفنى تماما. كل هذا يحدث إذا لم يأخذوا هذه القطعة الضارة التي بين رجليّ“.

15