رواية تشيكية عن الحرب والحب في قرية صغيرة

تبقى الأدبيات التي تحدثت عن الحرب تجلب إليها أنظار القراء، لما فيها من حسّ فنيّ رفيع، وقدرة على نقل الأحداث إن كانت بطريقة واقعية، أي على شاكلة سير ذاتية وتواريخ صحيحة ومضبوطة، أو متخيلة أي فيها من الفانتازيا الشيء الكثير، ومهما اختلفت الأساليب، فإن فترة الحرب العالمية الثانية وما حصل فيها من مآس وأحزان تظل مصدر إلهام للعديد من الكتّاب الذين تفننوا في أعمالهم التي وثّقت لتلك الفترة الحالكة من تاريخ البشرية، وجعلتنا نتعرف عن قرب على مرارتها وقسوتها، ونعيش معها ما ذاقته الإنسانية آنذاك، عن طريق تلك الأعمال الأدبية التي وصلتنا.
السبت 2016/08/27
صراع بين الحرب ومأساتها والعشق وأحاسيسه (لوحة للفنان فرانشيسكو غويا)

تدور أحداث رواية “الموت يدعى إنجلخن” للكاتب التشيكي الراحل لادسلاف مناتشكو، حول مجزرة شنيعة يتذكرها فولادو الذي تبدأ الرواية بإصابته بطلق ناري في ظهره، في آخر أيام الحرب العالمية الثانية.

ينقل فولادو إلى المستشفى وهناك تحت رعاية الطبيب والممرضة، يتعافى ببطء جسديا، أما عن حالته النفسية، فهي تسوء باستمرار، تسأله الممرضة عن سبب صراخه في الليل وبكائه المستمر، وبينما تعود الحركة إلى أطرافه المشلولة شيئا فشيئا، يستعيد فولادو تفاصيل الحرب ويرويها للممرضة، التي تقع في حب هذا الجندي الشجاع.

الرواية، الصادرة عن دار الكتب خان، من ترجمة الباحث غياث الموصلي، الذي اعتبر لادسلاف مناتشكو من أكثر الكتاب التشيكوسلوفاكيين جرأة في نقد الأخطاء التي حدثت في ظل النظام الاشتراكي بتشيكوسلوفاكيا السابقة، بطريقة سلسة وبأسلوب مميز مزج فيه بين الواقع والمتخيل، كما وصف مآسي الحرب بطريقة فنية لافتة، يقول الموصلي “هو كاتب يتمتع ببراعة كبيرة في توصيف الأخطاء وإيجاد الحلول المناسبة لها، و«الموت يدعى إنجلخن» هو أحد أهم الكتب التي مارست النقد المباشر للأخطاء التي حدثت أثناء حرب الأنصار إبان الحرب الكونية الثانية، التي تسبب الثوار أنفسهم في حدوثها، وكانت بالطبع عن غير قصد منهم”.

الحرب والمقاومة

زمن الرواية هو آخر يوم في الحرب العالمية الثانية، تشيكوسلوفاكيا تتزين بأعلام حمراء وزرقاء وبيضاء، والبنات يحملن الزهور ويخترن عشاقا من بين الجنود. مقاتل واحد لن يمكنه أن يحبّ أحدا لوقت طويل، فهو مصاب بطلق ناريّ في عموده الفقري، وتسكن أشباح الحرب كوابيسه الليلية. صراخ هذا المقاتل المُقعَد وبكاؤه المخيف يدفعان ممرضة لتسأله “ما بك؟”…

"الموت يدعى إنجلخن" أحد أهم الكتب التي مارست النقد المباشر للأخطاء التي حدثت أثناء حرب الأنصار إبان الحرب الكونية الثانية

يروي فولادو زمن الحرب والمقاومة، كما يروي لها حكاية قرية صغيرة في الجبال، أوت شبابا أمسكوا السلاح وأحبوا القرويات، وقتلوا النازيين كلما سنحت لهم الفرصة. وفي مسار الحرب ربما يفقد المقاتل المنتصر أكثر مما يكسب، لأن الحرب لا تترك شيئا على حاله أبدا، وفولادو يعرف تماما أنه لم ينج أحد من الحرب، وأن كل ما تبقى هو أشباح تهاجمه ليلا في كوابيسه، وتزوره صباحا في موعد زيارة المرضى.

من أجواء الرواية نقرأ «اختبأت مارتا مع كارل في الغابة بالقرب من الجدول. لم يصدقا أنهما سينجوان من المذبحة. لقد ساعدهما الحظ، ولم يعثر عليهما الألمان، وبالرغم من أن الكلاب الألمانية كانت تدور حولهما إلا أنها لم تشتمّ رائحتهما.

هل كانا محظوظين؟ إنه حظ قاتل، الخوف والرعب كادا يقطعان أنفاسهما، وهما يشاهدان المذبحة التي تجري أمام عيونهما، وبالقرب منهما. قام كارل بعد هذا المشهد الفظيع بإطلاق النار في فمه، واستلقت مارتا نصف ميتة، لقد شاهدا المذبحة بكل تفاصيلها.

لقد شاهدا الكلاب الألمانية الأصيلة المدربة للقبض على البشر تدريبا دقيقا، شاهدا الكلاب وهي تنقض على الناس في بلوشتين، وتمزق أجسادهم وتقطعها إلى قطع صغيرة. شاهدا كيف أمسك أنديلين فورجيشك أحد الكلاب من رقبته ليقضي عليه حين انقض على صديقه ولكن أحد الجنود ساعد الكلب وأنقذ حياته بإطلاق النار».

صورة روائية عن مآسي الحرب

مآس وأحزان

يقول الكاتب لادسلاف مناتشكو إنه “انتظر طويلا حتى تمكن من إصدار هذا الكتاب، وكل ذلك بسبب عدم نضج المجتمع والدولة في تلك الحقبة ليقبلا هذه الانتقادات والاعتراف بها”.

ويضيف قائلا إن كتابه هذا “ما هو إلا تحذير للأجيال القادمة، ودعوة لها لبذل المزيد من الحذر كي لا تتكرر المأساة في بلادنا الجميلة التي أودت بحياة الملايين”.

وحول أسباب اختياره ترجمة هذه الرواية يقول المترجم غياث الموصلي “ربما كان اختياري لها في الوقت الحاضر مناسبا، وقد يكون غير مناسب نظرا إلى الملل الذي أصاب الناس من سماع أخبار الحروب،

ونتائجها الكارثية وما تجلبه من المآسي والأحزان، ومع ذلك فإن هذه الرواية بما تحويه من حوادث ودروس ومفاجآت -ألم تحدث أشياء مماثلة ومشابهة في بلادنا- ربما سنجد مكانا لها بين الأدب الأجنبي المترجم إلى العربية”.

يذكر أن المؤلف لادسلاف مناتشكو، هو كاتب وصحافي سلوفاكي، ولد في 1919، ولعب دورا في المقاومة الحزبية أثناء الحرب العالمية الثانية في تشيكسلوفاكيا، داهن الحكم الشيوعي بعد انتهاء الحرب، وكان من أبرز صحافييه، لكنه سرعان ما اتخذ موقفا مضادا، فتمّ التضييق عليه رقابيا، وبسبب ذلك سيهاجر إلى النمسا، ثم بعد تفكك تشيكسلوفاكيا هاجر إلى براغ التي توفي فيها عام 1994، هذه الرواية من أشهر أعماله، كما صدر له أيضا، “لذة السلطة” و”الليلة السابعة”.

أما مترجم الرواية غياث الموصلي، فهو طبيب ومترجم سوري من مواليد حمص 1945، يترجم عن التشيكية والسلوفاكية، صدرت له ترجمات عن التشيكية والسلوفاكية نذكر منها “مذبحة في بيروت” (شعر)، “سائق القطار الظالم” (قصص)، و”هانا” رواية.

16