رواية تصور مسارات العنف في المجتمع الجزائري

تنوعت الأعمال الأدبية التي تناولت مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر، لما شهده هذا البلد من فترات حرجة ومسارات متعرجة وأحداث هزته من الداخل، وظلت تأثيراتها إلى اليوم من خلال الكثير من الأحداث سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، والتي تركت بصماتها عميقة في الجزائر.
الثلاثاء 2016/08/16
محمد ساري: تاريخ الجزائر حافل بالأحداث

الجزائر- يسعى الكاتب والروائي الجزائري، محمد ساري، في آخر رواية له، والموسومة بـ”أمطار من ذهب” إلى تشخيص مسارات العنف في المجتمع الجزائري عبر مسح لواقعه خلال 55 سنة، هي زمن الرواية.

ويرصد الكاتب من خلال حكايات عديدة وقعت في فترات مختلفة الاضطرابات الكبرى داخل المجتمع. يقدم هذا العمل الذي صدر باللغة الفرنسية عن منشورات “الشهاب” عبر صفحاته الـ290 عدة شخصيات محورية في مواجهة لعدة آفات اجتماعية في رقعة زمنية تمتد لأكثر من خمسين سنة يميزها البؤس الاجتماعي والمعتقدات والأكاذيب والتطرف الديني والتي أدت كلها إلى تفشي العنف في مجتمع اليوم.

ينطلق الكاتب من خلال المهدي، الشخصية الرئيسية في الرواية، في البحث عن مصادر العنف عند هذا الشاب الذي نصب نفسه إماما وقام في أواخر الثمانينات بـ”تطهير ديني” في القرية صحبة أتباعه “رفاق الناقة”، في محاولة لفرض سيطرته.

وكان المهدي، المتنكر له من قبل والده الذي كان عنيفا مع زوجته، قد تعرض كثيرا للضرب في طفولته وعاش في شوارع وأضرحة القرية كما كان يعيش في دوامة من الشكوك حول هوية والده الحقيقي. وتحدى المهدي عقلاء وإمام القرية باحتلاله منبر المسجد لفرض “القوانين الإسلامية” حسب تأويله للدين.

وبدأ رفاقه، وكلهم ثقة بعدم تعرضهم للعقوبة، في حرق أجهزة التلفاز والمذياع والآلات الموسيقية، كما انتزعوا الهوائيات التلفزيونية زارعين بذلك الرعب والشك في نفوس أهل القرية، كل ذلك وسط محاولة تصد قوية من طرف البعض من مجاهدي حرب التحرير.

رواية فيها أكثر من حكاية
وتلتحم حول المسار المثير للمهدي قصص أخرى على غرار قصة الشيخ امبارك المشعوذ الذي يقوم “بتخصيب النساء العاقرات” وهو يعتقد في هذيانه أنه يملك القدرة على إحياء الموتى وأيضا حكاية المجاهد عمار كروش والتاجر جيلالي بولحبال الذين نزحوا إلى المدينة بعد الاستقلال لأخذ نصيبهم من “الغنيمة”.

كما يلاقي الكاتب هؤلاء بالجيل الجديد لإعطاء صورة عن مرحلة أصبح فيها الشباب إما متطرفا أو ضحية للتطرف أو يلجأ للهروب بحثا عن حياة أفضل. يستعرض المؤلف، مازجا الواقع بالخيال، حوادث عنف مروع بسرد “الحملات” التي قام بها رفاق الناقة في إحدى دور الدعارة وفي أحياء جامعية، وكذا جهل هؤلاء الباحثين عن “معجزة” أو “جسر سحري ينقلهم إلى مكة”.

وإذا كان الكاتب قد ابتعد عن الأدب الاستعجالي، الذي يحاول أن يكون شهادة فورية في زمن الأزمة، إلا أنه انساق إلى تعداد “المآثر” التي تغذي الجانب الدرامي دون خدمة السرد.

ويبالغ الكاتب في هذه الرواية، التي تقاطعت فيها أكثر من حكاية، في استعمال السخرية أحيانا لإظهار المواقف الكاريكاتيرية في مشاهد درامية، مبرزا “الجهل الجماعي أمام معجزات مفبركة والرفض المطلق لمناقشة المسائل الدينية”، وأيضا مشهد “تكالب مجموعة من المتطرفين على عاهرة رغم طمعهم المشترك فيها”.

يشار إلى أن المؤلف محمد ساري، من مواليد سنة 1958 بشرشال، وهو أستاذ جامعي ومترجم لكبار الأدباء الجزائريين، على غرار الراحلة آسيا جبار وياسمينة خضرة ومحمد ديب وملكة مقدم وأنور بن مالك.

وسبق للكاتب أن أصدر عدة أعمال روائية باللغتين العربية والفرنسية من بينها “الورم” و”البطاقة السحرية” و”الغيث”، إلى جانب إسهاماته في الحياة الثقافية والنقد الأدبي سواء في داخل الجزائر أو في خارجها.

15