رواية تفتح نوافذ حرب التحرير الجزائرية

اختار الروائي الجزائري الحبيب السائح صيغة المذكرات الشخصية لروايته الجديدة جاعلا الحدث التاريخي الذي تتناوله الرواية قابلا للمحاكمة، إذ نقرأ عن تاريخ الجزائر، وحرب التحرير وما تلاها من أحداث، من وجهة نظر شخص عايش هذه الفترة التاريخيّة وكان جزءا منها، “كولونيل الزبربر”، الصادرة عن “دار الساقي”، هذا العام، هي رحلة بحث في خبايا تاريخ الجزائر في محاولة للحديث عن المسكوت عنه والمخبأ في سبيل طرح التساؤلات لتبيان الأوجه المختلفة للحدث التاريخي.
الجمعة 2015/06/19
الروائي اختار صيغة المذكرات الشخصية، جاعلا الحدث التاريخي قابلا للمحاكمة

تبدأ رواية “كولونيل الزبربر”، للحبيب السائح باكتشاف الشابة طاوس الحضري بأن جدها بوزفرة الضابط السابق في جيش التحرير ترك مذكراته لابنه جلال الحضري (والد طاوس) المكنى بكولونيل الزبربر، الذي شكلت مذكرات والده حافزا له بعد اعتزاله السلك العسكري لكتابة مذكراته الشخصية وما شهده أثناء الحرب، حيث يحكي ما مرّ به أثناء طفولته وشبابه والمعارك التي شهدها وما مرّ به والده أيضا حتى هذه اللحظة.

نقرأ في الرواية تفاصيل الحرب الشخصية والحميمية، عن جبل الزبربر الذي كان مقرا للثوار، طاوس تقف مذهولة أمام ما تقرأه من أحداث، فهي تحكي بلسان جدها، ثم لسان أبيها، هي اختزال للجيل الذي لم يشهد الويلات التي شهدها من هم قبله.

الجبل مرجعية للسرد

منذ العنوان وعلى طول الرواية يلعب جبل الزبربر أهمية في تكوين الفضاء السردي وسير الأحداث فهو أحد الشخصيات من جهة، والفضاء الذي تتصرف ضمنه الشخصيات من جهة أخرى، ليشكل المرجعية التي أسست للشخوص عبر ارتباطهم به، لتبرز العلاقات بين الموجودين ضمنه مختلفة عن تلك المعتادة خارج الجبل، وكأنه يمتد ليتغلغل تاريخه وحضوره ضمن الشخصيات، كما نراه يتحول ضمن البنى السردية المختلفة لتظهر أثاره سواء في تصرفات الشخصيات أو لغتهم.

وكأن الزبربر رحم ومخاض لولادة ستأخذ شكلها خارجا، فالكولونيل يكتب مذكراته بعد أن فقد ابنه وزوجته، وبعد أن نال التكريم والجاه، لكن الآن، تقول ابنته أنها تراه جالسا بزيه المدني، غارقا في كتابة مذكراته، وكأن الجبل الذي كان معقلا لجيش التحرير ثم تحول إلى مقر للجماعات المسلحة، يتصدع أمام التجربة الإنسانية التي تعيد إنتاج نفسها عبر الكتابة.

السائح يصور الوحشية التي تعرض لها كل من شارك في حرب التحرير؛ فالتعذيب والاغتيال يطالان الجميع

نسمع عدة شخصيات تتحدث في الرواية، كولونيل الزبربر، طاوس وبوزفرة، بالإضافة إلى الضباط الجزائريين والفرنسيين، كذلك يحضر صوت شعري نراه في نهاية كل فصل جاعلا ما نقرأه يختلط بين الواقع والهذيان بسبب ما شهده كاتب المذكرات من ويلات.

وكأننا أمام أحداث من الماضي تتداخل في رأس من يكتب، لا نرى إلا ما يراه أو ما يفكر فيه، إلى جانب انطباعات طاوس التي تتراوح بين الدهشة والحزن وأحيانا الشلل من هول ما تقرأه، وكأن الثورة في سبيل الاستقلال تعتصر كل من يشارك فيها.

فالرواية ترسم التغيرات والآلام التي مرّ بها الشعب الجزائري منذ الاستقلال حتى الآن، والأصوات التي نسمعها في الرواية هي لأشخاص كانوا أحياء مرة، بعضهم قد يكون واقعيا وبعضهم لا، لكن الخسارات حاضرة ولو في خيال من يكتبها.

حضور القسوة

رحلة لاستكشاف تاريخ النضال

تتميز رواية “كولونيل الزبربر” بلغتها التي تتراوح بين الفصحى وبين اللهجة الجزائرية المحكية، وكأننا نعيش ضمن عالم جديد يعرفنا عليه الكاتب بكل ما يحويه من تناقضات، الموت المنتشر والسعي إلى الحرية، ضبابية الرؤية والقلق.

كل هذا نسمعه على ألسنة الشخصيات كما قالوه حرفيا، وكأنهم حاضرون بيننا، صفحات الرواية تنحت في الذاكرة وتستدعي الحدث التاريخي لتحاكمه وتعيد قراءته بتشكيك في النصوص التاريخية والرؤية العامة، وكأنها تكشف عن التاريخ المجهول، عبر سيرة جيلين من المناضلين بوزفرة والزبربر.

تحضر القسوة في الرواية إثر عمليات التعذيب التي يتعرض لها الأسرى والخونة من الطرفين، هذا التعذيب تراوح بين الصيغتين العلنية والسرية، والتي كانت تنفذ للانتقام أو لأخذ المعلومات، أو لمجرد التعذيب في حدّ ذاته، هذه القسوة تتغلغل في ذاكرة من يشهد عليها، إذ لا يمكن تجاهل الدماء وعمليات التعذيب التي تعرض لها الجزائريون وخصوصا على يد المحتل.

الرواية تصور الوحشية التي تعرض لها كل من شارك في حرب التحرير، التعذيب والاغتيال يطالان الجميع، وخصوصا أولئك الذين تغلغلوا ضمن صفوف المقاتلين الجزائريين من أجل تفتيتهم، الرواية ترسم ملامح الطريقة التي يتم فيها تفتيت بنية القوة التي تحارب لأجل الحرية واستقلال الشعب، حيث انتشر الخوف والشك في قلوب المشاركين لتنهار أسباب نضالهم.

إن فعل الكتابة عن الثورة أو الحرب محفوف بالمخاطر، إذ أن إعادة إنتاج خطاب الثورة سرديا هو في حدّ ذاته محاولة للتشكيك في حقيقة ما حدث، وخصوصا أن الرواية ترسم صورة دقيقة للخسارات والقسوة التي تحويها التغيرات التي مرّت بها الجزائر، حيث تخترق تابو المقدس، أي تابو التاريخ في سبيل تقديم منظور آخر لما حدث، يكشف الملابسات والتفاصيل التي تهملها الروايات التاريخية الرسمية، لتبرز الرواية ودورها في إحياء أصوات الهامش وتقديم خطاب مختلف عن ذلك المعترف به.

14