رواية تمزج الخيال والواقع على سطح مركب بحري

تتداخل أحيانا أجناس الكتابة في عمل إبداعي واحد، حيث نرى البعض من الكتاب يستحضرون الماضي بطريقة تترجم صدق انتمائهم إلى أوطانهم، حتى تمتلئ الذاكرة بأصداء ملحّة لسيرة القبيلة، ويتردد المكان بقوة وتحضر أمجاد الأجداد وعاداتهم، فتتحول الرواية إلى أثر تسجيلي يقتنص الصور الصغيرة مستحضرا التفاصيل اليومية، في محاولة من الكاتب للإفلات من عقدة الماضي، إلا أن مصائر الأماكن والأشخاص تظل تطارده حتى تختطف منه حضوره، فينصهر الواقع بالخيال في لوحة فسيفسائية مفعمة بالدلالة.
السبت 2016/10/15
البحر والأساطير ورحلات الغوص (لوحة للفنان ويتسلو هومر)

أبوظبي - تتناول رواية “في فمي لؤلؤة”، للكاتبة والشاعرة الإماراتية ميسون صقر، عالم صيد اللؤلؤ وحياة الغواصين على مراكب الصيد، هذا بالإضافة إلى أن الرواية تسلط الضوء على المفارقة بين بريق اللؤلؤ الذي يشع من أعناق الأثرياء والمشاهير، وظلمة المغاصات وبؤس حياة جالبيه.

وكتبت صقر روايتها هذه بعد روايتها الأولى “ريحانة”، التي صدرت في سلسلة روايات الهلال، بمنطق أنه ليس على الشواطئ غير الزبد، ومن ثم عليها الغوص عميقا كي تصل إلى لؤلؤتها المكنونة، في إشارة أوردتها لجلال الدين الرومي “فإن تطلب اللؤلؤ عليك بالغوص في عمق البحر، فما على الشاطئ غير الزبد”.

والرواية، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، ذات نفس ملحمي، بل هي بالفعل ملحمة سردية كبرى، ليس فقط استنادا إلى عدد صفحاتها التي قاربت 600 صفحة، ولكن لأنها رواية أقدار ومصائر وأجيال وأزمنة، تعددت فيها البطولات وتغيرت المصائر مرات وحضرت الحياة والموت بأشكال متعددة، وامتزج فيها الخيال بالواقع وبالأسطوري، وتداخلت الأزمنة حدّ التماهي، وتنامى الخيال فصعدت دراما الأحداث وهبطت بالقارئ ليكتم الأنفاس انفعالا مع الأحداث حينا، ويسترخي مستسلما لعذوبة السرد حينا، فضلا عن البعد المعرفي والمعلوماتي المتواصل على طول الرواية في ما يخص تاريخ المنطقة (الإمارات) وجغرافيتها، وعالم اللآلئ بكل أسمائها وصفاتها ومعارفها.

الرواية تسلط الضوء على المفارقة بين بريق اللؤلؤ الذي يشع من أعناق الأثرياء، وظلمة المغاصات وبؤس حياة جالبيه

أهواء أنثى

تكاد ميسون صقر لا تترك شاردة ولا واردة حول اللؤلؤ إلا واصطادته، مؤمنة بما جاء في الكتاب المقدّس، العهد القديم، إصحاح أيوب “تحصيل الحكمة خير من اللآلئ”، وإذا كانت هذه الرواية هي رواية لؤلؤ، فهي في الوقت ذاته رواية حكمة، فالكاتبة في مغاصتها الرابعة المعنونة بـ”العنف والوَلَه” تعود إلى الآيتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين من سُورة الواقعة لتصل إلى ذروة الحكمة “وحورٌ عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون”.

بطلة الرواية هي شمسة، إماراتية الأصل، تعيش في القاهرة وتدرس في جامعتها الأم على يد أستاذ جامعي يدعى عز الدين، تشعر نحوه بشيء ما، رغم فشلها في تجربة سابقة مع زميلها سامح، ضيق الأفق أصولي النزعة، تختلف مع أستاذها حول موضوع بحثها في دراستها العليا، فتنصرف عن توجيهاته وتلبي نداء البحث والشغف بالكتابة ليدفعاها إلى تحدّي اختيارات الأستاذ، بالذهاب إلى منبتها في الخليج حيث الحنين إلى “تاريخ من الجمال والغبن والوجع”، وحكايات الجدة عن ظلمة البحر والجثث المدفونة فيه، وعن الغطس واللآلئ والمحار والمراكب والصيادين.

تبدأ شمسة مغامرتها هناك في حراسة صديقتها المصرية مروة التي ترافقها خوفا عليها، وبمساعدة سالم المخرج الإماراتي الذي يسعى إلى تكوين جماعة للفن البصري، حيث يزورها هناك في فندق إقامتها مرهون البطل ذو المسحة الأسطورية أو حفار القبور في مشهد تهيمن عليه الهلوسة، حاملا لها رسالة أو نصيحة بالإقدام بلا خوف أو شك على ما ترغب في إنجازه، قبل أن تراه مرة أخرى في رسائل وليم الرحالة/ الجاسوس بمركز المخطوطات والتي تفتح وعيها على عوالم سحرية فيها “مرهون وآمنة ومسعود وغانم وخلفان والنوخذة والسعيد والسيب والشحى والخيام والبحر والغطس والصيادين والمحار” فتلتقط أطراف الماضي البعيد، وتبدأ في نسج الحكاية وتكمل فراغاتها بوسائل مختلفة من وثائق وزيارات لمواقع أثرية كالحصن القديم “قصر الحاكم”.

رواية خليجية عن ماض بحري قريب

رؤية لحياة الإمارات

لا تكتفي الرواية بحياة البحر لتوثّق تواريخ الغوص وطقوسه فقط، بل تقدم رؤية لحياة الإمارات خلال زمن صيد اللؤلؤ في خيوط سرد متوازية، فتتنقل بين الحصون ومزارع الإبل ومناطق البدو ومدن الصيد وخيام الغواصين وجبال الشحوح، وتحتفي بخصوصية كل مجموعة، وتقدم بين ثنايا القصة المتخيلة شخصيات وأحداثا من الواقع تصل إلى حدّ التأريخ.

الرواية لا تتحرك فقط في المكان ولكـن بالتوازي تقدم عالما معاصرا في الزمن الراهن لفتاة مـن الإمارات تدرس وتعيش في القاهرة وتسافر إلى وطنها من أجل بحث يفتح لها آفاقا وعوالم يتداخل فيها الواقعي بالأسطوري والحقيقي بالخيالي، وتنفتح علـى رسائل ووثائق لرحالة ومستشرقين تضيء مرحلة مهمة مـن تاريخ الخليج وأطماع الدول الاستعمارية فيه.

وتسافر إحدى شخصيات الروائية في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى عوالم الهند الأسطورية، لتعرفنا بمدن يعيش فيها عرب وأبناء عرب تزوجوا من هنديات، وبين تمرد الشخصية النسائية المعاصرة على حياتها وتمرد نساء من زمن مضى، وتقف الرواية على محك الإرادة في صراعها مع الواقع الاجتماعي والسياسي، لترصد لنا ملامح تلك المدن وهي على عتبة الخروج من عصر اللؤلؤ إلى عصر الزيت، حيث لا تجد الأحلام الوادعة مكانا لها، وحيث تصبح أشياء كثيرة غير ذات قيمة في العالم الجديد.

تحدثت ميسون صقر عن البعض من التفاصيل الخاصة بالرواية، مشيرة إلى أنها استغرقت منها 7 سنوات من المغامرة اللغوية والقراءة، الغوص في الذات وتحولات المنطقة، والبحث المضني في أرشيفات البحر والأساطير والمواويل البحرية والشعر الشعبي المتعلق بجماليات اللؤلؤ، وكذلك ملاحقة مراحل صعود وانهيار تجارة اللؤلؤ على يد المخترع الياباني ميكوموتو، الذي ارتدت الممثلة المنتحرة مارلين مونرو إحدى قلائده الصناعية، وهي الممثلة التي تظهر على غلاف الرواية بالقلادة ذاتها، إمعانا ربما من ميسون صقر في تفكيك العلاقة المعقدة بين الأصيل (المنسي) وبين الزائف (الحاضر).

16