رواية تنبش في ذاكرة التقمص عند الطائفة العلوية

السبت 2014/01/11
الكاتبة لم تغادر فضاء الرواية الواقعية والأيديولوجية

بعد روايتها “الشرنقة”عن تجربتها مع السجن السياسي تعود حسيبة عبدالرحمن في مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد من تاريخ سوريا إلى الماضي مقتفية في روايتها “تجليات جدّي الشيخ المهاجر” أثر السحري أو الغرائبي في هذه الرواية من خلال شخصية بطل الرواية الذي حملت الرواية اسمه في حياته الجديدة التي عاشها بعد عدد من التقمّصات التي حدثت له فيما مضى من تاريخه البعيد.

“تجليات جدّي الشيخ المهاجر” عمل روائي مثير للجدل، وقبل الخوض فيه لا بدّ من إشارات ضرورية إلى أن الرواية السورية خضعت في الربع الأخير من القرن العشرين لمؤثرين أساسيين تركا أثرا عميقا على صيرورة هذه التجربة ومساراتها وجمالياتها السردية، وهما رواية التخيل التاريخي ورواية الواقعية السحرية التي دشنتها رواية “مئة عام من العزلة” وأخواتها من روايات أميركا اللاتينية منذ ثمانينات القرن الماضي.


رواية التاريخ


على الرغم من محاولات بعض التجارب لتوسيع حدود هذا الفضاء السردي بعض الشيء إلا أنها بقيت تراوح في هذا الحيز الإبداعي دون أن تغادر فضاء الرواية الواقعية واشتراطاتها الفنية والسردية والأيديولوجية. وفيما كان يؤمّل من الأصوات الجديدة في هذا المشهد الروائي الخروج على هذه التقاليد السردية من خلال مغامرة البحث والتخييل إلا أن بعضها لم يستطع الفكاك من أسر هذه التجاذبات أو هيمنتها الكلية عليها لأنها ظلت مأخوذة بسحر المرجعيات الأمّ التي تولدت عنها تلك المساهمة الروائية السورية.

هذه العودة إلى النبش في التاريخ والذاكرة الجمعية من جهة، واستدعاء الموروث والمعتقدات الدينية الخاصة بالطائفة من السرِّ إلى العلن من جهة ثانية، يطرح أكثر من سؤال حول موجبات ودواعي هذا الاستدعاء والعودة إلى التاريخ، ولا سيما بعد أن أصبح ظاهرة لافتة في عدد من الأعمال الروائية التي قدّمتها مجموعة من الروائيات المتحدّرات من هذه الطائفة على غرار كروزا ياسين حسن في روايتيها “أبنوس" و”حراس الهواء” وسمر يزبك في روايتها “لها مرايا” وسوسن جميل حسن في روايتها “ألف ليلة في ليلة”، على ما في هذه الأعمال من تباين واختلاف من حيث الرؤية والاشتغال السردي والفكري على هذه الموضوعات داخل بنية العمل الروائي.

هذه الاستعادة وهذا الانشغال بموضوعات عقديّة كانت حتى وقت قريب محاطة بالسرية، يضعنا أمام قضية تتطلب البحث في دوافعها السوسيولوجية والنفسية والفكرية دون أن نغفل بداية أن إغراءات الكشف والدخول في مناطق مغلقة على جماعتها قد لعبت دورها الفاعل في هذا المستوى، إضافة إلى تأثر هذه التجارب بهذا الكشف الذي مارسته تجارب هذا الجيل الجديد على مغامراتها الروائية الباحثة عن المختلف والجديد والخاص.

تتوزع الرواية بين موضوعات البطولة والانتصار للخير والخوارق التي يأتي بها الشيخ المهاجر وموضوعات الحب والظلم

قد تكون الجرأة وإغراءات المغامرة في اقتحام هذه المناطق من قبل هؤلاء الروائيات من الدوافع التي تكمن وراء هذا الانشغال، لكنها عندما تقترن بالحفر في الذاكرة الجمعية والتاريخ لهذه الطائفة واستدعاء مرحلة محدّدة عانت فيه من الاضطهاد العثماني أو المدني أو الإقطاعي، فإن هذا الدافع لا يكفي لفهم هذه الانشغالات التي تلحّ على ذاكرة الكاتبة الروائية وتحديدا في مرحلة بالغة التعقيد والحساسية من تاريخ سوريا الراهن.

ولعل الغريب الذي يلفت الانتباه هو أن جميع هؤلاء الكاتبات ينتمين إلى المعارضة السياسية لنظام الاستبداد والقمع وقد عانى بعضهن من السجن السياسي أو الاضطرار للجوء هربا من بطش النظام، ما يزيد من إشكالية البحث والتفسير.

لا شك أن إغراءات الواقعية السحرية مضفورة بإغراءات رواية التخيل التاريخي قد لعبت دورها في تكريس هذه الظاهرة والدفع باتجاه اقتحام عوالم سرية مجهولة، دون أن نغفل قبل هذا وبعده دور العامل السوسيولوجي والرغبة في الخروج بالذات الجمعية من طور السرية والتقيّة إلى مرحلة العلن والإفصاح عن الذات كنوع من تأكيد الهوية الخاصة أو التعبير عن الظلم الذي عانين منه، على الرغم من أن هذا الظلم والاستبداد الإقطاعي لم يكن خاصا ومحصورا بطائفة أو منطقة بعينها، بل كان ينتشر على مساحة الريف السوري حيثما وجد الإقطاع، ممّا ينفي تلك الخصوصية.

إن طريقة عرض السرد لوقائع التاريخ وكيفية بناء الشخصية الروائية وحضور الراوي في روايته يكشف للقارئ عن وجهة النظر التي تنطلق منها الكاتبة في تقديم وصياغة عالمها الروائي.

ولعل ما تقوم به رواية حسيبة عبدالرحمن عن جدّها الشيخ المهاجر يعدّ مثالا واضحا على ذلك وهو ما يتجلى في إلحاح الشيخ المهاجر خلال الجزء الأول من الرواية على التصريح المتكرر في لقاءات تعارفه مع أبناء القرى التي يزورها أثناء تنقله فيما بينها، من تأكيد ظاهرة التقمّص كنوع من أسطرة تلك الشخصية من جهة، ومن جهة أخرى لتأكيد هذه الحقيقة وبالتالي مصداقية الإيمان بها (تذكرت. هربت ومن معي بعد أن وقفنا في وجه الغزو الهولاكي التيموري. أجل هربت من المدينة ذات الأسواق المسقوفة والشوارع المرصوفة.

يومها كانت الشوارع تسبح بدماء القتلى والألسنة تتطاير تحت السيوف المشرعة. سنابك خيلهم داست الشيوخ والنساء والأطفال ولم تراع حرمتهم. دعيت بعد قرون وقرون لأحارب الغزاة من الغرباء). لا تتوقف الرواية هنا بل تستحضر عالما عرفانيا يمور بطقوس السحر والرموز والحروف التي تتكشف مع رحلة الشيخ وإقامته المؤقتة في هذه القرية أو تلك.


أسطرة الشخصية


بعيدا عن مسألة الأخطاء اللغوية والنحوية في الرواية والمستوى الفني والجمالي للعمل السردي ومدى قدرته على الإقناع بواقعية السرد ووظيفة الحوار في التعبير عن أفكار الشخصيات التي خضعت في بنائها وتركيبها للتمايز الثنائي الذي تقوم عليه، حيث يقابل الخير المطلق كما تبدّى في شخصية الشيخ المهاجر وزوجة قاطع الطريق التي يتزوّجها لإنقاذها من القتل، الشرّ المطلق الذي تمثله شخصية الإقطاعي إسماعيل والعسكري العثماني.

الانشغال بالعجائبي يكشف عن علاقة الكاتبة بهذه الشخصية التي يؤسس لها عنوان الرواية عبر استخدام ياء الإضافة بكلمة جدي

بعيدا عن كل هذا فإن محاولة أسطرة شخصية الشيخ المهاجر لا تقتصر على موضوع تقمّصه المتكرر في الحيوات الكثيرة التي عاشها، بل تتجاوزه إلى الأعمال الخارقة التي يقوم بها كشِفاءِ المرضى وشلِّ حركة يد رجال العسكر العثماني أو ظهور يد خفية تقبض على أعناقهم وتكاد تخنقهم، أو المرض الخطير الذي يصيب الإقطاعي ويدفعه إلى تزويج ابنته للشيخ المهاجر كسبًا لودّه، وغير ذلك من الأفعال الخارقة الأخرى.

هذا الانشغال بالعجائبي في هذه الرواية يكشف عن علاقة الكاتبة بهذه الشخصية والتي يؤسس لها عنوان الرواية عبر استخدام الكاتبة لياء الإضافة المتصلة بكلمة جدّي ممّا يدل على طبيعة علاقة الاتصال الحميمة التي يعلن عنها هذا العنوان، ويفصح عن المنظور السردي الذي عملت من خلاله على تقديم هذه الشخصية التي تحوز بامتياز على بطولة الرواية، والتي ترتبط بها أحداث الرواية بشكل كامل.

تتوزع رواية “تجليات جدّي الشيخ المهاجر” بين موضوعات البطولة والانتصار الكلي للخير والخوارق التي يأتي بها الشيخ المهاجر وموضوعات الحبّ والظلم الذي كان يمارسه الإقطاع بالتحالف مع السلطة العثمانية التي تدور أحداث الرواية في السنوات الأخيرة من عهدهم قبل زوال سلطتهم عن سوريا.

لم تقدّم الرواية أيّ سبب يبرّر هذا الانتقال الدائم للشيخ المهاجر بين القرى المنسية والموزعة على مساحات واسعة من الجبال، لأن هذا الانتقال هو العامل الحاسم الذي تنبني معه ومن خلاله أحداث الرواية ووقائعها منذ البداية حتى النهاية.

17