رواية تونسية جريئة تتلذذ بتعرية جسد المجتمع

شهدت الكتابة الإباحيّة في العالم الغربي الكثير من التطور والتنويعات، فأصبحت البورنوغرافيا وسيلة لإعادة فهم العالم بوصفها تحرر الجسد من قيوده، وتترك له حرية الانفلات خارج مفاهيم التابو نحو جماليّات متفرّدة، هذا الموقف من الأدب نادر في التجارب العربيّة المعاصرة التي يتكئ أغلبها على ذخيرة التراث العربي الإيروتيكية دون الخوض في الإباحية كمنهج.
السبت 2016/07/09
الجسد مفتاح العالم

لم تشهد الساحة الثقافية العربية إلى الآن تأسيسا واضحا للعلاقة بين الجسد الإباحي والكتابة، وهذا ينسحب على الظاهرة الجنسانيّة في الثقافة العربيّة التي لم تشهد جهودا نقديّة كتلك التي شهدتها أوروبا.

بعد صعوبات كبيرة للحصول على موافقة بالنشر، صدرت هذا العام عن منشورات الجمل رواية “انتصاب أسود” للكاتب التونسي أيمن الدبوسي، وفيها يسلخ كل القيم والمعايير الأخلاقية “التقليّدية” في الكتابة والتعامل مع النص السردي، لنغوص معه في مغامرة إباحيّة تتداخل فيها الثورة والأجساد والسياسة، إلى جانب مداعبات لخبايا المخيّلة، يترك إثرها الدبوسي شخوصه تنهش عاريّة كل من يقف أمامها.

تَصعب الكتابة عن انتصاب أسود، إذ لا يمكن الحديث عن الرواية ونحن محكومون بأخلاقيات النشر والمواربة حول الأحداث، إذ من الصعب تفادي التورط بالحديث عن المغامرات الجنسية والانفلاتات الإباحية التي تمر بها الشخصيات والتقييمات الأخلاقيّة المرتبطة بذلك، ما يجعلنا على موقف النقيض من الرواية، التي تهزأ من هذه القيود وتُغرق بالإباحية حد الفجاجة، لتحاكم الموقف الأخلاقي وجدوى الأفكار، عبر توريط شخوص الرواية بأفعال جنسيّة ووحشية من كل الأنواع، ليغدو هذا السبيل وسيلة لقياس عمق الأفكار عبر شخوص مدّعيها، المنحليّن في أقصى فانتازياتهم وأشدّها شبقيّة، فالشخصيات ترى العالم بعين واحدة ومن ثقب واحد، تشتدّ لأي شيء يراودها عن نفسها.

السرد النرجسي

التقنيات التي يلجأ لها الدبوسي تحمل في عمقها معالم كرنفاليّة، لكن بعكس الكرنفال المضبوط من قبل السلطة، أحداث الرواية تتم في عالم “اللا سلطة”، حيث الانفلات للأقصى، ولائم وسكر وعربدة دون أي ضابط، هي احتفال كبير يختبر الحياة في ظل اللا نظام، لتبدأ التساؤلات بالحضور، لماذا قمنا بالثورة في تونس؟ وهل ستستمر؟ هل يمكن أن نشهد اغتيالها؟

الانفلات في ظل غياب السلطة التي انهارت إثر فعل جسديّ (التظاهر)، يترك مساحات واسعة لاختبار الحدود الممكنة جسديا وأخلاقيا، إذ لا رقيب، ولا قيم للدفاع عنها، ما يترك الأحداث تنساب دون معالم واضحة لما يمكن أن يحصل، الأمر أشبه بممثل يرتجل مسرحيّة دون نص، إذ تبدو ملامح الشخصيّات مضخّمة يحضر فيها الشره والشبق واللا عقل تنبض حياة حد الإغماء.

يستخدم الدبوسي أيضا السرد النرجسي، فالراوي يحمل نفس اسمه ومهنته، لنراه وكأنه يكتب مغامراته الشخصيّة، ليبقى السؤال، هل ما نقرأه متخيّل أم لا؟ فمعرفة الراوي تتطابق كليا مع معرفة الكاتب، ليشكك الدبوسي بالنوع الأدبي والأحداث التي يسردها، هل حقيقة اختبر أيمن (الراوي والكاتب) كلّ ما نقرأه؟ فالصورة المتخيّلة التي نمتلكها عن الكاتب نتيجة المسافة بينه وبين الكتاب تختفي، هو يشابه نفسه، بل يسخر منها، ما نقرأه هو انعكاس التجربة لا الخيال، كالمهارة الجنسيّة التي تكتسب بالخبرة، هو يترجم تجاربه وتمارينه الجسدية أمامنا، فأيمن الراوي قرر أن يخوض ما لم نقم به، كاشفا زوايا الأدمغة ورغباتها الدفينة التي نخاف ذكرها ونخبئها في غرف النوم والأزقّة والمواقع الإباحيّة.

مغامرة إباحيّة تتداخل فيها الثورة والأجساد والسياسة

جماليات القاع

نتحسس في الرواية مجتمعات ما وراء الأخلاق، انهيار مفاهيم الإيمان والانتماء، لتغدو الأجساد حرة طليقة، فضاء الثورة والحوارات السياسية والاستشراقية التي تخوضها الشخصيات ليست سوى نتائج للانهيار، إذ لا جدوى منها، فنحن نشاهد صورة لمجتمع مضاد قيد التأسيس، دعائمه السخرية والتهكم وميوعة أيّ فكرة مهما كانت جادة، هذه الوضعية الاجتماعيّة تترك شخوصها تنساق وراء اندفاعاتها، فجسد الثورة في تونس هو ذاته جسد الجنس، ذاته الجسد الذي أحرق نفسه، ذات الاختراقات ضد النظام لهدمه، تمارس الآن بصورة شبه يوميّة لهدم الأفكار، كلُ حدث هو فرصة للانتصاب، هو احتمال حالي أو مؤجل، وهذا ما ينسحب على بنية الرواية، صيغة الحبكة والفراغات الزمنيّة التي تحويها أشبه بالمصادفات، لا يمكن التنبؤ بمكان أو موقع الانتصاب الجديد، هي مباغتات شبقيّة تضرب جسد الرواية، أي لحظة أو التفاتة يمكن أن تعني “مغامرة” جديدة، طالما لا انتظام في الحياة، فلا انتظام في الجسد ودفقاته.

وتتخلل انتصاب أسود مراسلات بين أيمن وحبيبته علياء، كل منهما يتحدث عن أميركا بوصفها أرض الأحلام، سخرية متبادلة بين الاثنين حول “الحلم” والأرض البكر التي تنتظر غزاة جددا، المراسلات التي نقرأها متقطعة، وكلّ منهما يرسم متخيلا عن تلك الأرض، لنكتشف نهاية أن الجسد هو مختبر هذه الأحلام، فعلياء وصلت القارة الجديدة، تضيع في يوميات اغترابها، لتسخر بعدها من مفاهيم الديمقراطية والحرية في أميركا، أما أيمن فنرى أميركا الخاصة به بوصفها “جسد” علياء، هي الحلم بوجودها الماديّ، ورحيلها لليابان جعل حلمه بأميركا يتلاشى، فجسدها الذي يريده غائب، لم يعد هناك.

الرواية تسخر بعمق من الأفكار بوصفها قيودا، فأميركا، رحم خصب، أرض للجميع، لكنه من الداخل أشبه بنواة تتغير كلّ ثانية، هو ليس ملكا لأحد، منفتح على كل الاحتمالات وكأنه بلا هويّة، فرادة الحلم هنا تنهار أمام أميركا/ الرحم الميكانيّكي الذي يستهلك الألوان والأعراق ثم يتملك خصائصها، هو منيع يكتسب قوته من اختلافه وتغيّره الآني، يبتلع كل من يحاول اختراقه ويدجّنه، أيمن يبقى في تونس، إذ تحضر احتمالات لانتصابات جديدة، التشاؤم المصحوب مع الثورة أصبح يطفو، لنسأل أخيرا، هل ستتغير حساسية جسد أيمن في ظل النظام الجديد؟ هل سيحافظ جسد الثورة/ الشبق على إشعاعه؟

17