رواية تونسية عن الإرهاب في مناخ رومانسي ورؤية طوباوية

الخميس 2014/06/05
رواية عفيفة سعودي السميطي ثريّة بالإشكاليات التي تطرحها

تميّزت الكتابة الروائيّة في تونس هذا العام بصدور مجموعة من الروايات تتّخذ من الثورة مرويّا أساسيّا من مروياتها، وهي بذلك تتخلّى ولو لحين عن تلك الكتابات الهجينة التي تجمع بين السّرد والسّيرة الذاتيّة والشهادة. وقد كتبها مؤلفون لم يكتبوا من قبل، وكانت لهم علاقة سابقة بالعمل السياسيّ وأتاحت لهم الثورة فرصة التعبير عنها.

من هذه الرّوايات التي أثارت اهتمامنا رواية ”غلالات بين أنامل غليظة” لكاتبة جديدة بدأت تجسّد حضورها بقوّة في المشهد الإبداعي التّونسيّ وهي الكاتبة عفيفة سعودي السّميطي. لقد أصدرت هذه الكاتبة إلى حدّ الآن ثلاث روايات وهي “هبني أجنحة” (2009) و”صدأ التّيجان” (2011) . فهي كاتبة منتظمة في إصداراتها ومنشغلة بالإبداع ولكنّها تشقّ طريقها منفردة بين الكتابات النسائيّة في تونس.


حكاية السياسة


تبدو لنا هذه الكاتبة كاتبة إشكاليّة في مستويين مختلفين: في مروياتها أو مضامينها السرديّة من ناحيّة وفي الأساليب الفنّية التي تتّبعها من ناحية أخرى. وقد بدا لنا المضمون السردي الذي عالجته مضمونا جديدا ومسايرا للظروف السياسيّة التي تعيشها تونس والمنطقة العربيّة عامة، وهو موضوع العنف السياسيّ والإرهاب.

تقوم الرواية على مدارين حكائيين: مدار حكائيّ اجتماعيّ وقوامه امرأة شابة تمارس العمل الصحفيّ ولكنها انقطعت عن زوجها الذي انشغل بالعمل السياسيّ وترك لها ولدا ضريرا؛ ويحوم هذا المدار حول هذه العلاقة بين الأمّ والابن الضّرير والصّديق العاشق والزّوج الذي يظهر في نهاية السرد.

أما الثاني فهو مدار حكائيّ سياسيّ، ينبني على رجل كان ينتمي إلى إحدى الجماعات الإرهابيّة ويعيش ملاحقا مختفيا ومنقطعا عن أسرته، وفي هذا المدار يتعلّق السّرد بعلاقة هذا الرّجل ببعض التّنظيمات السّياسيّة وبعض القيادات الإرهابيّة.

يتقاطع هذان المداران أو يلتقيان في الصفحات الأخيرة من الرّواية عندما ندرك أنّ هذا الرّجل “عبدالله” هو زوج هذه المرأة المنفتحة على العالم والمؤمنة بالحرّية والمقتنعة بالحداثة والمناضلة في سبيل أفكارها وهو في الوقت ذاته أبو هذا الولد الضّرير.

تبدو لنا الرواية ثريّة بالمواضيع التي طرحتها وقد اختارت موضوع اللحظة التاريخية

إنّ هذا التّركيب للحكاية ينعكس على بنية الشّخصيّات الّتي تقوم على كتلتين منفصلتين: كتلة أولى محورها سحر وهي الشّخصيّة الرّئيسيّة الأولى في الحكاية وحولها تحوم شخصيات قليلة: الطّفل الضّرير/ محمود الجار وزوجته راضية/ وآدم صديق سحر. وكتلة ثانية محورها عبداللّه وهو الشّخصيّة الرّئيسيّة الثّانية الّتي تتّصل بمجموعة من الشّخصيّات الثّانويّة “الرّاعي في الجبل/ طلحة (الإرهابي)/ زيد/ وبعض الشّخصيات الثّانويّة الأخرى”.

لكنّ التّماس الوحيد بين هاتين الكتلتين لا يكون إلّا في مستوى العلاقة بين الشّخصيّتين الرّئيسيّتين سحر وعبداللّه وبين سحر وطلحة الإرهابي في الصّفحة الأخيرة من الرّواية.


الإرهاب أعمى


تتحرّك هذه الشّخصيّات في فضاء لا يعيّنه السّارد. فالسّارد يتحدّث عن المدينة الّتي يتكرّر ذكرها مرّات عديدة، فقد تكون هذه المدينة تونس أو القاهرة أو طرابلس أو أيّ مدينة عربيّة يهدّدها الإرهاب، ولا تُعيّن هذه المدينة إلّا بزمنها الثّوري، وهذا الزّمن الثّوريّ في حدّ ذاته ليس مُعيّنا، إذ لا نجد تواريخ ولا يذكر السّارد أيّاما بعينها، ويكتفي بإشارات وإيحاءات لا ترتقي إلى مستوى التّعيين. ولعلّ الكاتبة أرادت من خلال هذا الاختيار في مستوى الكرونوتوب أن تقول إنّ الإرهاب عندما ينتشر لا يكتفي بمدينة بعينها ولا بزمن بعينه، فالإرهاب أعمى يضرب كلّ المدن وفي كلّ لحظة.

الكاتبة تطرح قضيّة الإرهاب من موقفها النّسويّ

ولذلك عندما نتأمّل هذه الرّواية ندرك أنّها رواية سياسيّة بامتياز. فالكاتبة على لسان ساردها ومن خلال البنية العامة الّتي ارتأتها لروايتها تندّد بالعنف والإرهاب السّياسيّ. فهذه المرأة الشّابة الّتي تزوّجت رجلا اختار في بداية حياته نهج الجماعات السّلفيّة الجهاديّة رفضت هذا الزّوج وأدركت أنّها هي المتضرّرة بالدّرجة الأولى من هذا الزّواج الّذي لم يثمر إلّا الضّلال والعمى، والولد الضّرير الّذي كان ثمرة هذا الزّواج يحمل هذه الدّلالة الرّمزيّة، ذاك أنّ زواجا بالإرهاب لا يثمر إلّا العمى ولا يمكن أن يثمر نسلا سويّا. لكنّ الكاتبة تركت الباب مواربا كما يُقال. فباب التّوبة لم يوصد أمام هؤلاء الشبّان الّذين غُرّر بهم. ذاك أنّ عبداللّه، هذا الإرهابيّ القديم أعلن توبته ودخل في صراع مع تنظيمه الإرهابيّ وخفق قلبه من جديد لهذه الزّوجة الوفيّة وغمرته مشاعر الأبوّة.

إنّ هذه المزاوجة بين المدارين الحكائيين الاجتماعيّ والسّياسيّ تحمل دلالة خاصّة. فالكاتبة تطرح قضيّة الإرهاب من موقفها النّسويّ، إذ ترى أنّ المرأة هي المتضرّرة الأولى من الإرهاب وهي الّتي تكون دائما ضحيّة العنف، ولكنّها باسم الحبّ والعواطف النّبيلة تظلّ دائما مستعدّة للصّفح والعفو.

تبدو لنا هذه الرّواية ثريّة بالمواضيع الّتي طرحتها وقد اختارت موضوع اللّحظة التّاريخيّة، فمن المفارقات العجيبة أن تقترن هذه الثّورات الّتي رحّب بها النّاس لتغيّر حياتهم تقترن بالعنف والإرهاب. ولكنّها ثريّة بالإشكاليات الّتي تتعلّق باللّغة وبالأساليب السّرديّة الّتي اختارتها المؤلّفة وتضعها في مناخ رومانسيّ من خلال رؤيتها الطّوباويّة للعالم، وقد تُتاح لنا مناسبة أخرى لتحليلها.

14