رواية جزائرية تعرّي الوجه القبيح للسلطة

السبت 2013/11/23
الراوي يضع القارئ أمام تراجيديا حقيقية يفتح بها أقفالاً مغلقة في سراديب مظلمة

القاهرة - رواية "دمية النار" لبشير مفتي، والصّادرة عن الدّار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات الاختلاف الطبعة الثانية 2013، رواية تُعرّي السلطة السياسية وممارستها الفجّة من أجل الإمساك بزمام الأمور، وذلك من خلال رصدها لمعاناة أسرة كاملة وقعت أسيرة للعبة السياسة القذرة، فيتحول أفرادها تباعا إلى أداة غاشمة ساهمت في تغوّل السلطة، إلى أن ينتهي مصير هذه الأسرة إلى التدمير، سواء بالقتل كما حدث مع الأب، أو بالمصير الغامض الذي ينتظر الابن.

الرّواية في الجزء الخاص الذي جاء على لسان «رضا شاوش» بمثابة نفض الغبار عن تلك الألاعيب والممارسات الخفية التي قامت بها هذه الجماعة، تحت مظلة الحفاظ على هيبة الدولة، عبر سيرة هذا الشخص المدعو «رضا شاوش»، منذ ولادته في حي شعبي اسمه «بلْوَزْدَاد» وطفولته التي لا يستحضر منها سوى ومضات تذكّره بقسوة أبيه ومعاملته السيئة والقاسية لأمه، وفي أحيان مشاهد ضربها، وربما كانت هذه الصورة القاسية عاملا يفسّر حالة الانطواء التي عاشها، فقد خرج من حياته بلا أصدقاء باستثناء الدكتور عدنان. ورغم تلك المعاناة التي حفرت في ذاكرته ألما خاصا إلا أنه كان متفوقا في المدرسة، شغوفا بالقراءة نال رضاء معلميه خاصة معلمة اللغة العربية التي خصّته بمعاملة خاصة ومدّته بالكتب من مكتبتها الخاصة، وبفضل القراءة صار ينظر للعالم من خلال الأدب لا غير.


جسد بلا روح


صاحب صعود «رضا شاوش» إلى الجانب الآخر الآمن كما كان يظن، مجموعة من التحولات، جاء بعضها نتيجة لظروف أسرية (طبيعة الأب المتسلطة، ووظيفته في مؤسسة العقاب)، وبعضها ذاتي (إخفاقاته في الدراسة والحب) وبعضها لظروف سياسية (الاستبداد وانعدام الحرية)، وإزاء هذه الظروف تحوّل من ناقم على السلطة، وفسادها في صورة أبيه الذي يحبّ الرئيس بومدين ويؤمن به إلى رقم وترس ضمن تروس النظام، رغم أن الله ساق إليه معلمه السياسي ووالده الروحي «عمي العربي» كما كان يناديه. وبما كان يعتنقه من أفكار مناقضة لرؤية والده، فكان يسخر من الرئيس بومدين ويمقته أشدّ المقت، وإن كان يعترف بما حققته اشتراكيته من مجانية للتعليم.

علاقته برانية المسعودي تجسّد لهذه التحولات بما شابها من إخفاقات وخيبات ثم انتكاسات، وأثرها على شخصية رضا، بتداخل الذاتي مع الأيديولوجي مع التاريخي المعقد، لينتهي به الحال من شخص مثالي رومانسي يقرأ الكتب، إلى وحش يغتصب من أحبّ، ثم في مرحلة لاحقة إلى قاتل مأجور، أو أداة في يد السلطة، على غير ما توقع له أخوه، بأن يصير فنانا أو أديبا. العلاقة بينهما تأتي في صورة رغبة ونفور، رغبة من قبل رضا ونفور من قبل رانية، وفي مقابل صدودها تتحوّل الرغبة إلى تدمير، باغتصابها بوحشية، وتركها تواجه مصيرها العدمي، وعالمها الذي بدأ في الانهيار. تمثِّلُ لحظة الاغتصاب لحظة حِدْيّة وفارقة لكليهما، فانقادت «رانية» في درب من المهانة والتعذيب النفسي للجسد بامتهانها الرَّقْص في كَبَاريه، ثم بزواجها من سعيد غريم رضا، ثم انضمامها للمنظمة لإرغام مَنْ يعجزون عنه، وكذلك على «رضا» الذي يشعر بعدها أنه «قد ذهبت للضفة الأخرى من العالم»، وقد تبدو هذه اللحظة لي بكل فظاظتها وقسوتها (لاحظ مفردات الوصف: ظلام العالم/ حيوان مفترس/ كالبركان/ ذئب منهار/ يصرخ/ عيناي احمرتا/ توقدتا) بمثابة اللحظة الكاشفة أمام نفسه بأنه صار في طريقهم، وما فعله كان بمثابة التطبيق العملي لتلك المبادئ والأفكار التي استقاها من جلساتهم، والتي يشعر بالتقزُّم والتفاهة أمامها، والتي مفادها بأن «ما لا تحصل عليه تلوثه»، وهو ما تحقق لحظة الاغتصاب، وهو ما يعني انتصار السلطة (منظومة الفساد)، ونتيجة هذا صار فاقدًا لقيمه، صار جسدًا بلا روح حتى أنه يعترف «صرت أبي بشكل لا واعٍ» مع أنه هرب من هذا الماضي إلا أنه أيقن أخيرا بأنه « مرتبط به بخيط سحري، ومندمج حتى العظم بداخل تلابيبه».

عاش البطل حالة من الوئام، حتى أنه صار بمنأى عن مواجهة ما كان يسميه بـ"استبدادية العائلة"، لكن هذا لم يمنعه من عدم معارضة "استبدادية النظام"


شخصيات إشكالية


مع كمّ التحولات والتغيُّرات التي أصابت بنية المجتمع الجزائري من سيئ إلى أسوأ، والتي خرج على إثرها كريم أخو رانية المسعودي من السجن حاملاً للدعوة يأمر بالمعروف، وهو التحوّل الذي طرأ عليه إِثْر مقابلته للشيخ أسامة، في إشارة دالة لنهوض الحركات الإسلامية واضطلاعها بدورٍ مُهِمٍّ، وإن كان تحوّل إلى بركان عنيف في أحداث 88، وخاصة في ظل صعودهم للسلطة، وهو ما قابلته المؤسسة العسكرية باعتراض شديد، انتهى إلى القتال الذي شبَّ في الجزائر، العجيب أن المذكرات تشير إلى أن هذه الجماعات لم تكن وليدة نفسها وإنما قامت بما قامت به بتحريض وبأيدي هذه الجماعات السِّرية.

مع كل هذا إلا أن بعض الشخصيات قاومت أو صارت إشكالية بمصلطح «لوسيان جولدمان» والأبرز في هذا شخصية عدنان الماركسي الصديق الوحيد لرضا، فهي واحدة من الشخصيات المتسقة مع ذاتها، فمع أنه كان يعيش مع زوجة أبيه المتعسفة إلا أنه بفضل ثقافته وولائه الفكري، عاش حالة من الوئام، حتى أنه صار بمنأى عن مواجهة ما كان يسميه بـ«استبدادية العائلة»، لكن لم يمنعه هذا من عدم معارضة «استبدادية النظام» عبر المقالات التي كان يكتبها أثناء وجوده في منفاه الاختياري، حتى عندما أرادت الجماعة الظلامية الضغط عليه استطاع أن يصمد ولا يرضخ لهذه الادعاءات، وهو ما يمثل الخروج من هذه الدائرة أو النسقية المحكمة فمعارضته لاستبدادية النظام بمثابة الخرق لهذه الدائرة، أو البديل لعالم أفضل، بدلاً من هذه الأجواء الكافكاوية، التي سوّرت بها السلطة المجتمع، ومن أراد الخلاص بالتحرّر من هذه الدائرة سَقَطَ فيها كما حدث مع رضا الذي أراد أنْ يتحرَّر من دائرة الأب فيسقط في نفس الدائرة مع فارق أن الأب لمـَّا عَلِمَ نأى بنفسه، أما هو فمع علمه إلا أنه توغَّل حتى صار أشبه بمصاصي دماء (دراكولا) على حدِّ تعبيره.

تبدو شخصية رضا، في طورها الأول إشكالية برفضه لقناعات والده، وانخراطه في إحدى الجماعات التي كانت تناهض سياسات الرئيس، ثم مواجهة سلطة أبيه وإخفاقاته بالقراءة.

كما أثبت ذات مرة أنه رجل بالفعل رغم أن أباه وصفه بالجبان يوم أن رفض أن يبوح لأبيه باسم الرجل الذي أهانه، وسخر من وظيفته. وبالمثل تَرْكه الدراسة كعقاب لوشايته برانية. لكن عوامل عدة أسهمت في أن يتحول إلى ضد، ومنها محيط الاستبداد، بدءًا من والده الجلاد، وما عانته منه زوجته، ومرورًا بالمنظمة التي سيطرَ رجالها عليه حتى شعر بأنه «مجرد غبار من دونهم، أيّ ريح هزيلة يمكنها أن (تقتلعه) من المكان الذي (يكون) فيه».

ومع كونه يعترف على نفسه بأنه بالفعل تحوَّل، وصار مثل دمية النار التي تحرق مَنْ يمسكها، إلا أنه يتحوَّل إلى شخصٍ إيجابي في مسألتين الأولى: إنقاذه لعدنان صديقه عندما أرادوا أن يجندوه فقلَّل من شأنه، والثانية: رفضه لمسألة الزواج، ولكن القدر يعاقبه فيأتي عدنان ثمرة العلاقة الآثمة مع رانية. لذا كان استسلامه وصعوده الجبل رغم تحذير أحد الضباط بأنه فخ منصوب له، ربما مبعثه إيمانه القوي بمبادئ عم العربي.

وبعد، هل الرِّوَايةُ بهذه النِّهاية المأساوية إعادة صِيَاغة للفكرة القائلة بأن الإنسانَ لا يستطيعُ الانسلاخ عن ماضيه، بل يسهم هذا الماضي في مستقبله، وهو ما أكدته نهايات شخصيات الرواية، فرضا مارس نفس دور أبيه بل أسوأ، والابن فَعَلَ نفس الدور بعد ذلك. ومن ثم فليس هناك إنسان شرير، وإنما هناك عوامل تُسْهِمُ في إظهار الشَّرِّ، مثلما أسهمت العوامل ليكون رضا هذا الشَّيْطَان أو دُمية الشَّرِّ.

16