رواية "جندي السلحفاة" حين تخضع الحكومات شعوبها بالعنف

شاب حوله المجتمع القاسي إلى أحمق ينجو من الحرب بتقنية السلحفاة.
الثلاثاء 2019/10/22
شاب أنهكه مجتمع كامل (لوحة للفنان لؤي كيالي)

تتمكن الروايات الحديثة من مقاربة أحداث عظيمة بشكل مختلف كليا عمّا تتناوله كتب التاريخ، حيث تتناول الحكايات الروائية الوقائع التاريخية الكبرى من بين أكثر جزئياتها تهميشا؛ من خلال الأفراد الذين لا مكانة لهم في التاريخ الرسمي، وبهذا تعيد الرواية إلى التاريخ إنسانيته.

أكدت الكاتبة والأكاديمية المتخصصة في الأدب المقارن، والأدب الناطق بالألمانية هبة شريف، أن رواية “جندي السلحفاة” للكاتبة السويسرية مليندا نادج أبونجي رواية بديعة، حيث تعرض طريقة استقبال مختلفة للعالم وحروبه وجيوشه من وجهة نظر شاب مختلف التفكير عن محيطه يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الإعاقة الذهنية.

وقالت شريف إن أبونجي تحكي عن الخيال الذي يقاوم بنعومة قيود النظام الذي لا يعرف سوى الأوامر والطاعة والخضوع. وتعرض كل ذلك في لغة موسيقية ذات رنين، مستخدمة صورا تلح علينا وتوقظ أفكارا غير مألوفة وفوضوية.

رواية من منظورين

“جندي السلحفاة” التي ترجمتها شريف وصدرت أخيرا عن دار تنمية تعكس منطق العنف الذي يسكن نظام العالم، وكيف تعتمد حكومات الشعوب على العنف في سياساتها، وكيف تكرس هذا العنف عن طريق تربية الناس على الطاعة في جميع مؤسسات المجتمع بدءا من الأسرة ومرورا بالكنيسة وحتى باقي مؤسسات الدولة الإعلامية والسياسية. تقنع الحكومات شعوبها بالعنف عن طريق إيهامها بأن الحرب ضرورة لتحقيق السلام، في حين تكون هي البادئة بالحروب.

وترى هبة شريف أن الروائية السويسرية مليندا أبونجي استطاعت أن تنتقد منطق سياسة العنف من خلال تصويرها لفترة تاريخية في بلدها الأصلي يوغوسلافيا أثناء الحروب الأهلية وقبل تقسيمها. وقالت “لا تعرض الكاتبة آراءها بشكل مباشر ولا دعائي، وإنما تستخدم لغة موسيقية شاعرية تصف بها العنف الذي غلف حياة الأشخاص في تلك الفترة من تاريخ البلد الذي كان اسمه يوغوسلافيا، ومن هنا كانت المفارقة التي لا تجعل القارئ ينفر من متابعة القراءة”.

في روايتها تعرض الكاتبة الوجه الآخر للعنف وبنائه الداخلي، هذا العنف الذي يؤدّى عمله المدمر الشعوب والأفراد

وأضافت أن الرواية تسرد أحداثها من منظورين “منظور الشخصية الرئيسية الأولى، زولي، حيث تحكي مسيرة حياته التي تعرّض فيها لعنف المجتمع من جميع مؤسساته وأفراده، ثم منظور ابنة خالته هانا، التي تحاول أن تستعيد سيرة زولي، وتستعيد معها هذه الفترة من تاريخ يوغوسلافيا لتحاول أن تفهم سبب كل هذا العنف في الحروب الأهلية”.

تدور الرواية حول الشاب زولتان كيرتيز، أبوه “نصف غجري” وأمه عاملة باليومية ولها عشاق يتغيّرون باستمرار. يعيش بقرية صغيرة في صربيا غير مندمج في المجتمع. في طفولته وقع من فوق الدراجة النارية التي كان يقودها أبوه بسرعة عالية. ثم ضربه الخباز ضربا شديدا فوق رأسه لأنه لم يكن ينقل جوالات الدقيق في المخبز بسرعة كافية. منذ تلك الحادثة بدأ زولتان يعاني من “رفة في رأسه”، ثم بدأ يفضل البقاء وحده في مخزن الغلال يحل الكلمات المتقاطعة. وعندما اندلعت الحرب في يوغوسلافيا في عام 1991، فكر أهله أن الحرب قد تكون فرصة لابنهما: ففي الجيش الشعبي في تسريانين يمكن أن يتحول “الأبله” و”عديم النفع” إلى جندي ثم إلى بطل.

ولكن زولتان لم يناسبه نظام الحياة العسكرية، فكان يطرح أسئلة في غير محلها، وفوق ذلك كان يتلعثم وهو يطرحها. سقط يينو صديقه الوحيد في الجيش ميتا أثناء أحد التدريبات الفارغة من المعنى والتي يقال عنها إنها تصقل الرجال، منذ تلك اللحظة رفض زولتان الخضوع لأي نظام يسمح باستغلال من هو أقوى للسلطة.

شاعرية المقاومة

خصتنا هبة شريف بمقال ترجمته للناقدة والصحافية الألمانية كريستينا مايت- تسينكه حول الروائية مليندا أبونجي وروايتها “جندي السلحفاة” التي نشرت في برلين سنة 2017 عن دار نشر زوركامب، قالت كريستينا في مقالها المعنون بـ “شاعرية المقاومة الناعمة”، “في عام 2011 مُنحت جائزة الكتاب الألمانية لأول مرة لكاتبة سويسرية هي مليندا نادج أبونجي. ولدت أبونجي في عام 1968 بمنطقة تتبع حاليا صربيا وكانت من الأقلية المجرية التي تعيش هناك. عندما بلغت الخامسة من عمرها، هاجرت مع أبويها إلى زيوريخ في سويسرا. كانت قد نالت جائزة عن روايتها “الحمام يحلق بعيدا” التي تقص فيها عن المكان الذي قضت فيه طفولتها والذي تشعر بالحنين إليه. كما تحكي أيضا مشاكل الاندماج في المجتمع السويسري التي عانت منها عائلتها. هربت عائلتها من الحرب في يوغوسلافيا إلى سويسرا، هذا البلد الاتحادي الذي يحتفظ الناس بصور شاعرية عنه وعن نظافته. خصصت أبونجي عملها الجديد “جندي السلحفاة ” لتحكي عن بطل، أو بالأحرى بطل ضد، سوف يذكره تاريخ الأدب بوصفه شخصية أدبية لا تُنسى، إن لم يصبح شخصية أدبية خالدة”.

وعن الرواية أضافت كريستينا “تدور أحداث هذه الرواية أيضا في المكان الذي نشأت فيه مليندا نادج أبونجي في مقاطعة فويفودينا. تعود بداية الأحداث إلى عام 1991 عندما اندلعت الحرب. زولتان كيرتيز، ويطلقون عليه زولي، أبوه نصف غجري وأمه عاملة باليومية، ولد ونشأ في الريف في ظروف فقيرة. يعتبر الناس نموه العقلي متأخرا، ولكنه في الحقيقة شخص شديد الحساسية وغير مندمج في المجتمع. إنه شخص حالم يملك موهبة الخيال ولا تناسبه بيئة القرية بفجاجتها، كما لا يناسبه بيت أهله المليء بالحزن والذي دمره إدمان الكحول والشعور بانعدام الفرص في المستقبل”.

وأوضحت الناقدة “أكثر مكان يحب زولي التواجد فيه هو الحديقة، حيث يتحدث مع الأشجار والأزهار، ومع كلبه تانجو. يخترع زولي كلمات متقاطعة يفكك معها الكلمات إلى أجزاء، وهكذا يحاول أن يضفي على العالم الصعب الإدراك بالنسبة إليه شيئا من التنظيم.

قصة تدفع لإعادة النظر في مفهوم الإعاقة الذهنية
قصة تدفع لإعادة النظر في مفهوم الإعاقة الذهنية

يرتبط زولي بصداقة رقيقة مع ابنة الخالة هانا التي هاجرت إلى سويسرا والتي نتعرف فيها على الصديقة المقربة للكاتبة. بعد أن مات زولي في شبابه تسافر هانا إلى صربيا وتحاول فهم خلفية موته المحزنة. صوت هانا هو ما يقص الرواية من وجهة نظرها ويعكس في نفس الوقت صوت بطل الحكاية الواعي تماما بإعاقته واختلافه عن الآخرين، فيحكي عن حياته في لغة شاعرية خاصة به وحده تتلامس في الكثير من الأحيان مع السوريالية”.

ولفتت كريستينا إلى أن زولي بدأ يعاني من نوبات الصرع بعدما ضربه الخباز ضربا مبرحا كاد يقضي عليه، وهكذا أصبح غير صالح لأي شيء. وأبواه، لأنهما جاهلان ولا يملكان من أمرهما شيئا، أرادا أن يصنعا من ابنهما “رجلا حقيقيا”، فيرغماه على التطوع في الجيش. هناك يحاول أن ينقذ نفسه من مصير مظلم عن طريق استلهامه طريقة السلحفاة في التردد والتراجع. ولكن لأنه شخص نقي ورقيق ومغفل وأحمق، تقضي عليه الآلة العسكرية التي عذبته بما تحويه من تنمر ومهانة. بعد أن لقي صديقه الوحيد يينو مصرعه أثناء أحد التدريبات القاسية ينهار زولي تماما ويتم تسريحه من الجيش بوصفه مجنونا لا سبيل لشفائه، ويموت بعد ذلك بفترة قصيرة أثناء إحدى نوبات الصرع.

وقالت الناقدة والصحافية الألمانية كريستينا إن مليندا أبونجي “تعرض في روايتها الوجه الآخر للعنف وبنائه الداخلي، هذا العنف الذي يؤدّى عمله المدمر على جبهات الحرب، إلا أنها توضح أيضا منهاج كل الحروب، وطريقة عمل الروتين المتبلد الحس الذي يستند عليه التسلط والخنوع، الأوامر والطاعة، وتشرح كيف أن كل ذلك يمكن أن ينتج في المقابل ودون قصد عنادا ذا لغة مبتكرة وخيالا مقاوما. صحيح أن هذا الثائر الذي يحمل روح الأطفال ينتهي نهاية مأساوية، إلا أن مليندا أبونجي -الكاتبة والفنانة الموسيقية- استطاعت أن تمنحه صوتا وأن تُكسبه لغة موسيقية مؤلفة خصيصا من أجله. هذه القصة المؤثرة أثرا باقيا يشهد على بلد تداعى ووطن ضاع”.

15