رواية حب رومانسية للفتيان

السبت 2013/11/09
محمود شقير يجمع بين مريم ابنة رام الله، وكنعان العائد إليها من عمان

بعد تجربة طويلة في كتابة القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، وقصص الأطفال والفتيان، قطعتها رواية طويلة متميزة، يعود الكاتب الفلسطيني محمود شقير إلى "أدب الفتيات والفتيان"، عبر رواية قصيرة بعنوان "كلام مريم" التي صدرت مؤخرا عن دار الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل، وفيها يسعى إلى إيصال رسائل وطنية واجتماعية وإنسانية، في حياة الفلسطينيين عموما، في الداخل، المقسّم إلى الضفة وعرب 1948، وفي الشتات، من خلال لغة سلسة بسيطة واضحة، ومعطيات واقعية وإن مالت إلى لمسات مثالية تنسجم مع فكر الكاتب وتوجهاته الإنسانية والفكرية العميقة.

هذا الأدب الذي خاض غماره شقير سابقا، ما يزال شحيحا في تجاربنا الكتابية الفلسطينية، وحتى العربية، لأسباب تتعلق بأولويات الإنسان، ومن ثمّ الكاتب العربي والفلسطيني، لجهة ثقل نمط من الهموم وطغيانه على حياتنا العربية، على رأسها الفقر والمرض والهمّ السياسي وغياب الديمقراطيات، إن على صعيد الدول والأنظمة الحاكمة، أو حتى على مستوى العلاقات داخل الأسرة. هذا، إضافة إلى تغييب هذه الشريحة من المجتمع المتمثلة في الأطفال والفتيان.


سياقات متداخلة


الكثير من الثقراء يمكن أن يكتب عن هذه الرواية، بخصوص لغتها وتقنياتها، ولكنني أحاول إبراز أهم ملامحها ومعالمها، فقصة الفتاة مريم والفتى كنعان، هي حكاية متعددة الأبعاد، تجمع الوطني والاجتماعي والثقافي والإنساني، في سياقات متداخلة، تنظمها علاقات موضوعية وفنية مضبوطة كأنما بالميزان الدقيق، يراعي فيها الكاتب عناصر "الطبخة الفنية"، بصورة تنمّ على وعي متقدم لهذه العلاقات بين العناصر، بحيث لا يطغى الفني على الموضوعي، ولا تطغى القضايا والهموم على الصياغة والحبكة الدرامية اللتين يتقنهما المؤلف جيدا.

قصة حبٍّ تجمع طفلين في سن الخامسة عشرة، مريم ابنة رام الله، وكنعان العائد إليها من عمّان مع اتفاق أوسلو، ويخبر كنعان مريمَ أن أحد الرجال قال لوالده "أنت واحد أوسْلَوي!". ويقول في حوار مع نفسه "ومنذ الأيّام الأولى وُضعت تحت تصنيف جديد: واحد من أبناء العائدين، العائدين من المنفى إلى البلاد. تعرّفت إلى مريم، وأبديت إعجابا بها، وكانت مسرورة لأنّ لها زميلا من أبناء العائدين". فمنذ البداية هناك فلسطينيان مختلفان، ثمة هذا الشرخ على المستوى الوطني- السياسي.

لكننا أمام قصة شديدة الرومانسية، وتنطوي على بعد كلاسيكي في تناول مثل هذه العلاقات، حيث الفتى يروي قصة يهدف من ورائها إلى جلب اهتمام الفتاة "شاهدنا فيلما إيطاليا اسمه "ماما روما". في الفيلم، يتنافسُ عددٌ من الأولاد على صداقة بنت واحدة، أشفقتُ على البنت وعلى الأولاد. بدوا كما لو أنّهم عرضة للضياع، أو هكذا توهّمت". ويبدأ بإهدائها روايات مفضلة لديه، وهي هنا روايات نجيب محفوظ.


شخصية وطنية


شخصية مريم يجري تناولها على غير صعيد، فهي وطنية منذ البداية، إذ أنها تعشق التمثيل حين تشاهد ممثلة في مسرحية تقوم بإنقاذ شاب من أيدي الجنود الصهاينة، وتلتحق بفرقة مسرحية لتقوم بهذا الدور، وحين يسند إليها دور راقصة تشعر بالحزن "كان مشهدُ البنت وهي تعترضُ الجنودَ كي تحمي الولدَ حاضرًا في ذهني. كمْ أعجبتني! وتمنّيتُ لو أنّني أصبحُ ممثّلة مثلها، لو أنّني أقوم بالدور نفسه الذي تؤدّيه: أعترضُ الجنود وأخلّص الولد من بين أيديهم وأحميه".

وهي تنتقد صديقتها لأنها لم تكن متحمسة مثلها للانخراط في الفرقة المسرحية، وتعزو الأمر إلى أحد سببين "ربّما لأنّها غيرُ معنيّة بالتمثيل، غيرُ معنيّة بأنْ تدافع عن ولد وتحميه من الجنود، وربّما لأنَّ حذاءَها الجديد يكفي لكي تشعرَ بأنَّ كلَّ شيء في حياتها على ما يُرام". أي أن ثمة بعدا طبقيا وراء ذلك. وهذه الصديقة الخانعة هي نموذج آخر نقيض لشخصية مريم، فهي راضية بما يقدم لها "بدت حنان راضية عن الشورت الذي ارتضته لها أمّها، ولم أعلّق على الأمر كي لا تغضب حنان. والبنات الأخريات لم يعلّقن على الأمر احتراما لحنان ولأمّها". فثمة مواضعات اجتماعية لا يمكن تجاوزها.

وعلى المستوى الاجتماعي تحظى مريم برعاية وحماية والدتها ووالدها، في مواجهة شقيقها الذي يحاول قمعها، وهذه العلاقة تتعقد مع الوقت حين يصبح هذا الشقيق متزمتا وينتمي إلى جماعة إسلامية متطرفة، رافضا أن تنزل شقيقته إلى البحر بملابس السباحة، فيبدو الأب متواطئا معه، لكن دور الأب الداعم لها يظهر في مواجهة مديرة مدرستها، حين تكتشف أنها تقرأ كتبا تحتوي مفردات لا يجوز لفتاة مثلها أن تقرأها، وفي المدرسة أيضا تتعرض للقهر من مديرتها ومن بعض الطالبات، خصوصا حين يتعلق الأمر بنزولها إلى البحر شبه عارية بينما بقية الطالبات يسبحن بملابسهن. وهنا يظهر تعاطف المؤلف معها، حين يصف ملابس الطالبات وقد التصقت بأجسادهن.

وعلى المستوى الوطني، يقدم شقير علاقة الفتى كنعان بقريته، ورغبته في زيارة القدس، والحواجز التي يضعها الاحتلال دون ذلك، لكنه يقدم أيضا لقاء بين فلسطينيي القدس وفلسطينيي الضفة، من خلال زيارة يقوم بها طلبة من القدس إلى رام الله، ويتحاورون في إمكانية دخول أبناء رام الله إلى القدس عن طريق التهريب، الأمر الذي يرفضه كنعان، مفترضا أنه لا يحب الدخول "إلى بلده" بهذه الطريقة.


صراعات وعلاقات


بالتدريج البطيء، وخطوة بعد خطوة، يقوم شقير ببناء الشخصية والحدث الروائيين، فيأخذ قارئه منذ اللحظة الأولى في النص إلى نقطة تألق ونجاح مريم في عرضها المسرحي الأول، ثم يعود ليبني حوادث الرواية وصراعاتها وعلاقاتها الحميمة والدافئة، ويوزع الأدوار كما لو أنه مخرج يؤدي دوره في اختيار الممثلين والحركات والمجاميع، ففي بنائه للعلاقات بين شخوص الرواية يعمد إلى وضع الكلام على لسان "البطل" أو "البطلة"، وقليلا ما يلجأ إلى الوصف الخارجي للشخصية، ما يعطي للمشهد أو الحدث صدقية أعلى.

وفي الأثناء، يتوقف الكاتب ليصف مظاهر الحياة والطبيعة والمجتمع، وعلى لسان مريم غالبا، فهي التي تشاهد الحياة اليومية، وتصف الشارع في طريقها إلى المدرسة وصفا يرتبط بوقائع محددة حيث "تبدو المدينة في هذا الصباح عامرة بالحيويّة وبالنشاط. الحوانيت مفتوحة بعد سنوات من الإضرابات التجاريّة، والناس كثيرون وهم يمضون في كلّ اتجاه". كما أنها خبيرة بطبيعة بلادها وما ينمو فيها من أزهار وأعشاب "هوايتي منذ سنوات جمعُ الأعشاب والأزهار، والتعرّف إلى أسمائها وخصائصها. عثمان يبدو متبرّما كلّما سألته، محاولا اختبار معلوماته، عن اسم هذا النوع أو ذاك من الأزهار. كنت أفاجئ الجميع بمعرفتي لها، وبالشروحات التي أقدّمها على مسامعهم". وتنصح كنعان بالابتعاد عن نبتة فيقول: "ابتعدت عن القبّارة التي لها عروق كثيرة متشابكة وورق أخضر غامق وشوك حاد".

المواجهة مع الاحتلال تبرز في مشاهد عدة، من أبرزها، إنسانيا ربما، وصف كنعان لمشهد الوقوف والتفتيش والإذلال في الجسر "ذهبتُ أنا وأبي وإخوتي إلى المكان المخصّص للرجال. تكلّموا مع أبي بقسوة مرّات عدّة. سمعته يردّد بعضَ الشتائم بصوت خافت، لم يلتفت نحوي، كأنه تعمّد أن ينساني طوال فترة التفتيش.

16