رواية زوربا اليوناني.. سليلة الفلسفة التي تنتصر للتجربة الإنسانية

قليلة هي الكتب التي تدفع إلى تغيير الموقف أو النظرة من الحياة، لكن ندرتها والأثر الذي تتركه لدى القارئ يضمنان لها الخلود وذيوع الصيت. رواية زوربا اليوناني لكاتبها اليوناني نيكوس كازانتزاكيس الصادرة في طبعتها الأولى عام 1946، التي لم يقتصر نفوذها الأدبي على مجال الرواية بل امتد إلى السينما والموسيقى وحتى الفلسفة، كانت من جنس الروايات الحاثة على التفكير في الحياة. كانت للرواية مشتقاتها الكثيرة؛ إضافة إلى النص الذي ترجم إلى العشرات من اللغات، فقد تحولت إلى فيلم سينمائي حظي بدوره برواج غريب (فيلم ألكسيس زروبا للمخرج اليوناني مايكل كاكويانيس وبطولة أنتوني كوين) وكانت لها موسيقاها بلحن الموسيقار ميكيس تيودوراكيس، وترتبت عن الرواية أيضا رقصة شهيرة أصبحت تمارس جماعيا في الشوارع والساحات لتعبر عن الاقتران بالحرية والانطلاق. ولا تقتصر “منتجات” الرواية على الترجمات وعلى الفيلم والموسيقى والرقصة، بل تمتد أيضا إلى مفردات أخرى اختطها الكاتب وفرض نحتها في ذاكرة كل قارئ للكتاب: شخصيات الكتاب؛ باسيل المثقف الثري الراغب في استثمار أمواله، وألكسيس زوربا الرجل الأمي الذي عجن ثقافته بطين التجارب والأسفار وهي الثقافة التي أتاحت له أن يكوّن موقفا مختلفا من الحياة قوامه صون إنسانيته من كل التهديدات “تخلصت من الوطن، تخلصت من الكاهن، تخلصت من الماء. إنني أغربل نفسي. كلما تقدم بي العمر غربلت نفسي أكثر. إنني أتطهر. كيف أقول لك؟ إنني أتحرر، إنني أصبح إِنسانا”. آلة السنتوري التي يعزف بها زوربا آلامه وأشجانه، والحوارات العميقة التي تتقصد سبر أغوار النفس الإنسانية، كلها مشتقات للكتاب يعسر أن تغادر ذاكرة كل قارئ.
السبت 2017/12/09
رقصة زوربا رافقت انتقال الأثر من الأدب إلى السينما

كنا ندرس بالمرحلة الإعدادية حينما فاجأتنا صديقة بمحاولة مرتجفة لتأدية رقصة قالت إنها مشهورة جدا، مستغربة جهلنا بها، واسمها رقصة زوربا، حتى أنها شغلت لنا موسيقى زوربا بجهاز تخاطفت سماعاته آذاننا المنتشية.

اعتقدت حينها أن زوربا هذا موسيقي له تلك الموسيقى العذبة والرقصة المعتمدة على حركات الأرجل. أحببت هذا الموسيقي، وأحببت رقصته، والتي دون أن أعلم كانت تمثل لي النشوة والحب.

وفي ما بعد كان لقائي بالرواية في ترجمة جورج طرابيشي وكان فهمي أن زوربا شخصية روائية، لكنني لم أشك للحظة أنه كذلك بل كنت أغبطه لتجاربه وحريته، كنت أتمنى أن أكون مثله، سيطر على ذهني المراهق فترة من الزمن، لكن الالتقاء الحقيقي برواية زوربا كان مع ترجمة أسامة إسبر، لأفهم حينها، بشكل مغاير تماما، سر عظمة هذا الساحر الأبدي، هذا الإنسان الجامع والفاتن والبسيط كالماء زوربا.

أتساءل دائما من أين ندخل إلى عوالم رواية عظيمة مثل “زوربا”، وهي ذات أبواب كثيرة، فكرية جمالية ووجدانية، لا تدخل من واحد منها حتى يهيمن على قلبك وذهنك شغف بدخول الآخر، حتى لتتمنى أن تكون أكثر من شخص، أكثر من عينين قارئتين ودماغ منتبه وقلب منتش، لتلج كل الأبواب إلى عالم زوربا البسيط، ولكنه أعلى من الأبد. لكي نفهم رواية زوربا، علينا بداية أن نفهم طبيعة كاتبها نيكوس كازنتزاكي، الذي بدأ حياته فيلسوفا وشاعرا قبل أن ينتقل إلى عوالم الرواية، والمنتصر دوما للحرية وحب المرأة والوطن.

زوربا لم يكن يحمل الأفكار الكبيرة التي تسطرها الفلسفات، بل كان مواطنا عاديا له تصورات عن الحياة أنتجتها تجاربه الخاصة

حكاية أبدية

تأثر نيكوس بداية بفلسفة الألماني فريديريك نيتشه ثم بهنري برغسون، حيث اعتبر الفن أداة لكشف الحقيقة بعيدا عن الجماليات البرجوازية، انتقد كازنتزاكي بشدة النظرة السطحية للدين و”الأسلاف” والتخندق الذي تخلقه الحروب، مثلما حدث في انتقاده للحرب اليابانية الصينية، منتصرا فقط للإنسان أيا كان، ومنتصرا لوطنه، وخاصة اليونان القديمة، حيث أثر الاحتلال التركي والحروب العالمية اللذان عايشهما في فكره التأثير الكبير. ورغم أننا لا يمكن أن نحصر الرجل في أوديسته الشعرية، أو نحصره في كتاب الرياضيات الفكري الذي ضمنه كتابا سيريا بعنوان “حديقة الصخور” إلى غاية كتابه الأخير الفاتن والجامع لكل أفكاره تقريبا “تقرير إلى غريكو”، لكن بين هذه الثلاثية، تقابلنا نقطة محورية في كتابات كازنتزاكي، نقطة تشد فكره وفتنته وغوايته اللغوية وحكايته وهو المترحل، المتحرر، المحب، إنها روايته الأشهر “زوربا”.

زوربا تحكي في خطيّة زمنية حكاية صداقة بين رجل فقير وخبير بتفاصيل الحياة هو زوربا وشاب غني مثقف ومهووس بالقراءة والثقافة اسمه باسيل، صداقة تبدو غريبة، بين شاب يطمح إلى إيجاد طريقة لاستثمار ماله وزوربا الذي يقترح عليه منذ لقائهما في السفينة العمل عنده في رحلته إلى كريت.

يستقر الثنائي في القرية، ليتعرفا على صاحبة ما يشبه النزل هي بوبولينا، وهنا تنشأ علاقة بين زوربا وبوبولينا التي كانت سابقا صديقة لجنرالات مهووسين بجمالها طامعين في ممارسة الجنس معها، حتى انتهى بها الحال إلى أن تفتتح لها فندقا رخيصا في القرية بما تدبّرته من مال أثناء لعبها دور العشيقة، لتكون في الحكاية المحور الذي يذكّر بالماضي حول حكايات الحرب والوطن.

تأثر نيكوس كازانتزاكيس بفلسفة فريديريك نيتشه ثم بهنري برغسون، حيث اعتبر الفن أداة لكشف الحقيقة بعيدا عن الجماليات البرجوازية

يحاول زوربا صناعة مصعد يربط بين الجبل والشاطئ في سعيه لاستخراج الفحم، مشروع يبوء بالفشل واستهلاك أموال الرئيس.

ربما من يقرأ ما أكتبه الآن عن رواية زوربا باقتضاب لا يكفي الرواية حقها، سيتساءل إن كان لم يقرأ الرواية، إنها قصة عادية، أين هو المميز فيها الذي جعلها من أعظم وأشهر الروايات؟

فعلا الرواية كانت فتنة جمالية وفكرية حقيقية ما جعل السينما تستثمرها في فيلم من أنجح ما قدمته هوليوود من إخراج مايكل كاكويانيس جسد فيه الممثل الأميركي أنطونيو كوين دور زوربا، كما جعل من الموسيقي اليوناني ميكيس ثيودوراكيس يقدم تصورا للموسيقى التي عزفها زوربا بآلة السنتوري في الرواية، والتي يصفها نيكوس ببراعة، ما جعله ينتقل إلى مصاف الموسيقيين العالميين الكبار، وعل موسيقاه المقتبسة من زوربا تتحول إلى فلكلور عالمي، وإلى نشيد أممي، بأتم ما للكلمة من معنى، وقد لا أبالغ إن قلت إنها المقطوعة الموسيقية الأشهر في العالم، إضافة إلى الرقصة التي رافقتها، والتي سميت على اسم زوربا وباتت رقصة عالمية، نشيد الجسد للأمل والحب والفرح والنشوة.

ما السر الذي جعل من رواية نيكوس بهذه الخصوصية والعالمية، وبهذه الشهرة، والخلود؟ إنه ببساطة شخصية زوربا.

زوربا الحب

أعتقد أن رواية نيكوس هي رواية الشخصية، وكثيرة هي الروايات التي تسيطر فيها الشخصية وتطغى على الأحداث والحبكة والحكاية إلخ..، وشخصية زوربا لا أبالغ إن قلت إنها أعظم الشخصيات الروائية.

السر في عظمة شخصية زوربا أنه شخص بسيط، ونذكر هنا أن زوربا شخص حقيقي التقاه نيكوس سابقا وأعجب به، فكتبه في رواية محملا إياه حمولات فكرية ونفسية وجمالية أخرى بالطبع.

ما يجعل من الرواية نصا أبديا ليست الجماليات على اختلافها، بل النجاح في خلق حياة لها قيمها، وشخصية حية تقول (أنا الإنسان)

زوربا بسيط ليس قارئ كتب ولا مثقفا بالمفهوم التقليدي لمعنى مثقف، لكنه خبير في شؤون الحياة عمل مهنا متعددة، حتى أنه كان جنديا أيضا، شخص ليس تقيّا ملائكيا ولا واثقا أو منكسرا، شخص يحب ويكره، يكذب ويصدق، يحاول ويخفق. شخص حقيقي بلحم ودم، إلى حد أن كل قارئ سيجد شيئا منه في زوربا، بل وسيتمنى أن يكون هو نفسه زوربا، زوربا الذي لا يرى المعرفة في الكتب بل في الحياة، زوربا المحب والمجنون والعاقل، زوربا الذي أحب بلده وأحب النساء، زوربا المتحرر من كل قيد، والمؤمن بالإنسان والحياة، وهو الذي صهل قبل موته وهو يخدش إطار النافذة “رجل مثلي يستحق أن يعيش ألف عام”.

الرواية في أغلبها تقوم على شخصية زوربا التي أتقن كازنتزاكي تشكيلها كما لم يفعل روائي من قبله مع شخصية روائية، الكثير من أقوال زوربا أصبحت أمثلة يتداولها الناس، حيث اخترقت هذه الشخصية حدود اللغة والحكاية، لتكون عابرة للزمن والمكان، لكن دون أن يكون فيها شيء خارق، وهنا المفارقة المتقنة التي ركّزها كازنتزاكي، لقد خلق إنسانا حقيقيا في كل أبعاده، شخصية مزقت جدار اللغة حتى أن زوربا يقول في أحد حواراته مع الرئيس التي لم يستطع فيها التعبير عن فكرته وإحساسه “سأرقصها لك”، وهكذا رسم الكاتب الرقصة، تشاهدها من خلال النص، هنا تنكسر حدود اللغة التي من الوهم أن نعتقد أنها تقول كل شيء. ينتقل بنا الكاتب إلى مستوى آخر، مستوى لغة الجسد، الجسد الذي برأه زوربا من أغلال الخطيئة، من خلال حكاياته عن أشخاص آخرين أو حكاياته عن مغامراته الجنسية والعاطفية خاصة.

ويقول “الرئيس” في الرواية واصفا زوربا “أدركت أن زوربا هو هذا الإنسان الذي كنت زمنا طويلا أبحث عنه ولا أعثر عليه، إنه قلب نابض بالحياة، وحنجرة دافئة، ونفس عظيمة بريئة على طبيعتها، لم ينقطع الحبل السري بعد بينها وبين أمها الأرض”.

زوربا لم يكن يحمل الأفكار الكبيرة التي تسطرها الكتب والفلسفات على تعاقبها، بل كان مواطنا عاديا له تصورات عن الحياة والغيبيات، أنتجتها تجاربه الخاصة، ببساطة يقول “عديدة هي أفراح هذا العالم، النساء، الفواكه والأفكار”، حيث السعادة وفق رأيه ليست في المعرفة التي يقدمها العلم أو الفلسفة، بل في المعرفة التي تقدمها التجربة ويقدمها القلب، فالعقل كما يراه نيكوس مجرد بقال، والمعرفة الحقيقية هي معرفة القلب، أي ما نحسه، لكن بالطبع لا يبخس نيكوس العقل البشري بل يحاول تنقيته من برودة الميكانيكا الفكرية التي بات فيها، ليكون عقلا حيا.

إن رواية “زوربا” هي دعوة للحب، والتجربة، وهي أيضا دعوة للتفكير بالجسد والعقل والقلب، تفكير كلي، ودعوة لحب الأنا والآخر، لحب التراب والوطن والسماء، هي دعوة للحياة بشكل آخر.

الرواية كانت فتنة جمالية وفكرية حقيقية ما جعل السينما تستثمرها في فيلم من أنجح ما قدمته هوليوود

إذن الحب العميق، المتجرد والعاري، هذه ثيمة الرواية الرئيسية، حب يتوزع بين الأمكنة والأشخاص، وهذا ما يجعل من الرواية أيقونة إنسانية أبدية، فهي قيم الحب والحرية، إنها القيم الخلاقة التي يبقى الإنسان في أمس الحاجة إليها، خاصة اليوم في ظل ما فرضته الوقائع المشغولة بالدمار والحرب، والذوات المطحونة بعجلة المال الباردة، والذوات المشردة عن أوطانها، والمنفية تحت أسقف المصانع وأزيز الآلات.

نقد فكري سياسي

نقد خفي ما تقدمه الرواية حول الرأسمالية، التي تتوقع مسارا واحدا للإنسان، بينما الإنسان مسارات مختلفة، ينجح ويفشل ويختلف ويحب ويفكر، فالرواية تذكر قارئها أنه إنسان مميز مثل زوربا، وأنه ليس كمثله أحد، إنها توقظ ذاته النوعية المميزة عن الآخرين، كما توقظ فيه الحب الصوفي.

نقد آخر يقدمه زوربا حتى للثورة الشيوعية وهو مشهد اقتحام نزل بوبولينا بمجرد وفاتها ونهبه، مشهد قد يلخصه حزن زوربا الموجع حينما وجد البعض يسلقون دجاجات بوبولينا فيما هي لا تزال تنازع الرمق الأخير. نقد حتى للأنظمة الحاكمة اجتماعيا من خلال القرية ومن يترأسها والمؤامرات التي تحاك هنا وهناك لأجل السلطة.

وتقدم الرواية صورة أخرى حتى عن الموت والحياة، لكن الأساسي أن كل هذه الأفكار لم تكن بالجفاف الذي انساقت فيه روايات أو سرديات أخرى، بل سلسة، إنها مقطوعة حية وعذبة، تقرأها فتعيشها، نظرا إلى القدرة اللغوية والفكرية لكزانتزاكيس الذي كان قلمه أقوى من الكاميرا، حتى أن الفيلم المقتبس عن الرواية لم يتفوق عليها بل بالعكس. ما يجعل من الرواية نصا أبديا ليس الجماليات على اختلافها، بل النجاح في خلق حياة لها قيمها، وشخصية حية تقول “أنا الإنسان”.

كاتب تونسي

17