رواية سعودية عن بلاد متخيلة تختبر تغير النظام

لم يتجرّأ معظم الكتّاب والأدباء في السعودية على قراءة الواقع، وابتعدوا كثيرا عن تصوير الحقائق، نظرا للضغط الاجتماعي والسياسي والعزوف العام عن اقتحام الكثير من القضايا سواء المتعلقة بالسياسة أو الدين أو الجنس، وهو ما اصطلح على تسميته بـ"مثلث" التابوهات، إلا أن هذه الرقابة لم تمنع البعض من تناول المجال السياسي، ونقده، ولو بصفة غير مباشرة، فظلت أعمالهم شبيهة بالمسكنات التي تقلل من الأمراض ولكنها لا تقضي عليها.
الثلاثاء 2015/10/06
الإنسان العربي يعيش مأساة فردية في مواجهة النظام

يقترب الكاتب السعودي عبدالرحمن بن جراح من التابو السياسي، إذ يقدم تخيّلا لجمهوريّة ما محكومة من قبل أسرة بمنطق الحزب الواحد، يموت رئيسها ويرث ابنه الجمهوريّة، لتبدأ بعدها الصراعات السياسية الداخلية والحركات الانفصالية بتهديد وجوده ووجود الحزب الواحد في إسقاطات مرتبطة بالدكتاتوريات العربيّة، وتحرّكات السلطة لمواجهة التمردات التي تحدث داخل حدودها، هذه المقاربة الخياليّة- التاريخية يقدمها عبدالرحمن الجراح في تجربته الروائيّة الأولى “الزوراني” الصادرة، حديثا، عن “الدار العربيّة للعلوم ناشرون”، في محاولة لتقديم رؤية عمّا تمرّ به المنطقة وعلاقة السلطة مع هذه التغيّرات.

قبل الحكاية

قبل البدء بالراوية نرى بن جراح يكتب في التمهيد عن طبيعة فعل التدوين الذي قام به، وكأننا أمام تصريح واضح من الكاتب بأن الواقع هو ما يكتبه، وأن الأحداث منقولة على لسان شاهد عايش الأحداث، إلا أن الكاتب الأصلي اختار أن يبقى مجهولا، خوفا من الاتهامات التي من الممكن أن يتعرض لها، فقام بإرسال ما يكتبه إلى محرر هاوٍ قام بصياغتها، في حين أنه -الكاتب الحقيقي- توارى في بلد آخر خوفا على حياته في البلد الذي من المفترض أنه يكتب عنه.

في التمهيد وحتى قبل البدء في الحكاية، نرى بن جراح يعفي نفسه من مسؤوليتين، فالأولى، فنيّة مرتبطة بالرواية كفن، إذ يفترض في أن النص مكتوب من قبل “محرر هاو” بالتالي يمكن للهفوات في تقنية الكتابة الروائية أن تُغفر بسبب هذه الفرضيّة، الثانيّة، مرتبطة بطبيعة الحكاية وموضوعها بوصفها تابو سياسيا، وبالرغم من أنها تحوي إشارات واضحة أحيانا ومستترة أحيانا أخرى للبلاد التي تجري فيها الأحداث، لكن لا يبدو واضحا لماذا تعتبر خطيرة، إذ أن هناك روايات تجاوزتها فنيا وموضوعيا -حسب الموضوع- في الحديث عن السياسة والحياة وراء القصور وصراعات السلطة.

الكاتب يقدم تخيلا لجمهورية ما محكومة من قبل أسرة بمنطق الحزب الواحد يموت رئيسها ويرث ابنه الجمهورية

إلا أن الرواية تبدو متحصنة بالخيال والشكل الروائي لتمرر خُطب وبيانات ترتبط بالحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في سبيل إصلاح “الجمهورية” الخيالية المذكورة، والتي يمكن أن نسمعها في كل مكان، فهي ترديد للعبارات التقليدية في وصف فساد وبذخ الطبقة الحاكمة في الدول العربية، والتي نقرأها في كل الخطابات المعارضة، لكنها في الرواية تحكى على ألسنة الشخصيات وبذات اللغة الخطابية، ما يبعدنا عن الجوهر الروائي لندخل في نطاق التنظير.

يلي التمهيد شرح للعنوان، “الزوراني” بوصفها “الزورانية” وهي حالة طبية نفسية تعني الارتياب، إلى جانب اقتباس للمجهول يقول “الزوراني يتوهم عالما مختلفا، لا يقبل نقاشا في أفكاره، وبطبيعته يريد أن يتحكم بكل شيء”. يبدو في الاقتباس السابق إحالة من نوع ما إلى الطغاة، محتكري السطلة، وهذا ما يلاحظ ضمن الرواية، إذ نرى أنه بالرغم من كثرة المستشارين حول رئيس البلاد ونصائحهم للنهضة بالبلاد وتجاوز التمرد الحاصل، مازال يأخذ قراراته وفق ما يناسبه ويحميه ويحمي حزبه وسلطته، وهذا ما يحصل في النهاية، إذ نرى أن الدائرة القريبة من حوله تبعد من مهامها ويلجأ للحل العسكري في مواجهة الحركة الانفصالية التي تواجهها الجمهورية ضاربا بعرض الحائط الإصلاحات المقترحة وما يخدم البلاد.

"الزوراني" تقدم طبيعة المجتمعات العربية في ظل الفساد والقمع

الواقع والخيال

الفرضية التي تحكم الرواية يمكن إسقاطها على أغلب البلدان العربية من حيث التحالفات والأوضاع المتردية عسكريا وسياسيا واقتصاديا أو على صعيد العلاقات الخارجية والتحالفات مع دول الغرب، لكن الزوراني تروي ما حدث من الداخل، من الكواليس المغلقة والأقبية الاستخباراتية إلى جانب القصور الرئاسية، وكأن الزوراني- الطاغية يعيش في فصام عن الواقع وعما يحدث، أما الرائد مطر والذي تدور الأحداث حوله فينتهي بالتسريح المبكر رغم تفانيه في العمل وكأن مؤسسة الدولة الفاسدة تستهلك أولئك المؤمنين حقا بالتغيير ثم تلفظهم وتهمّش حضورهم.

تتناول الزوراني أيضا طبيعة المجتمعات العربية في ظل الفساد والقمع، إلا أنها لا تغوص في التفاصيل الشخصية والحميميّة للحياة بل نراها تعتمد على العموميات والتوصيفات الجاهزة ليطغى التنظير واللغة الإخبارية، أما التسلسل الزمني الصحفي ضمن بداية كل فصل يجعل السرد الكرونولوجي وترتيب الأيام يحكم تسلسل الأحداث، كأنها تؤقت لتسارع الأحداث التي ستنتهي بحرب أهلية نتيجة خيانات داخلية وتآمرات تحكمها الطائفية ونزعات الانفصال في ظل انهيار الاقتصاد المحلي لـ“الجمهورية” إلى جانب الاقتصاد العالمي.

المحاكاة التاريخيّة التي يلجأ إليها الروائي لمقاربة الأنظمة القمعية لا تقدم ما هو جديد على صعيد فن الرواية، كما أنها لا تقدم تاريخا خرافيا يمكن أن نشهد فيه ما لا يمكن توقعه أو إعادة تدوين للتاريخ بصورة أخرى، فكل ما نراه مألوف، وحتى قصة الرائد مطر الشخصية لا تمتلك ما يكفي من مقومات لاعتبارها مأساة فردية في مواجهة النظام.

الجدير بالذكر أن المؤلف عمل في السابق طيارا ومعلما للأسلحة في سلاح الجو، صدرت له مجموعة قصصية “وهم رمادي”.

14