رواية سوداء

الأمر غير المفهوم فهو كون عدد الروايات البوليسية التي تصدر بالعالم العربي لا تتناسب أبدا مع حجم الجرائم وكل أشكال العنف اليومي التي يعرفها، والتي يمكن أن تشكل زاد هذا النوع الأدبي.
السبت 2018/04/28
نحتاج بوكر خاصة بالرواية البوليسية كي تتحرك بركة الكتابة الراكدة

في نهاية القرن العشرين التقى كاتبان مغربيان من خلال عملين مشتركين ينتميان إلى نوع أدبي مغاير تحيطه الكثير من المفارقات، على مستوى كتابته وتلقيه. أما العملان فهما “الحوت الأعمى” و”القديسة جانجاه”. وأما الرجلان فلم تكن تربطهما أي علاقة عائلية برغم تقاسمهما لنفس اللقب. أما الذي كان يجمعهما فهو انتصارهما لنوع أدبي يبدو جديدا على مستوى الكتابة بالمغرب، وإن كان القارئ المغربي قد تعرّف عليه من خلال النصوص الأجنبية التي كان يتم تداولها بشكل واسع داخل البلد.

أول الكاتبين، هو ميلودي الحمدوشي، وكان قد عرف لدى الرأي العام باسم كولومبو، كناية على بطل المسلسل التلفزيوني الأميركي الشهير الذي يحمل نفس الاسم، وذلك اعتبارا لصرامته كرجل أمن ولتمكنه من تفكيك الكثير من عصابات المخدرات والإجرام، لينتقل بعد ذلك إلى نسج مساره كمحام بمدينة باريس.

أما الكاتب الثاني فهو عبدالإله الحمدوشي، الذي كان قد أصدر روايته الأولى “الحالم” خلال الثمانينات، قبل أن يتوجه إلى الرواية البوليسية، ثم إلى كتابة السيناريو، وهو ما ضمن له رواجا أفضل لاسمه داخل مجال السينما والرواية، حيث ترجمت مجموعة من أعماله إلى الإنكليزية.

ويبدو من المفارق أن الأعمال التي أصدرها الكاتبان ظلت تشكل إلى حد الآن، تقريبا، الأعمال الوحيدة التي عرفها المغرب في مجال الرواية البوليسية. ولعل الأمر يهم بقية الدول العربية، حيث تظل الكتابة في إطار هذا النوع نادرة. أما الأمر غير المفهوم فهو كون عدد الروايات البوليسية التي تصدر بالعالم العربي لا تتناسب أبدا مع حجم الجرائم وكل أشكال العنف اليومي التي يعرفها، والتي يمكن أن تشكل زاد هذا النوع الأدبي.

كما أن هذا العدد يبدو مفارقا لعدد القراء الذي يحظى به هذا النوع داخل بلداننا. فمن منا لم يقرأ روايات أجاتا كريسيتي وشيرلوك هولمس وأرسين لوبان، أو غيرها من الأعمال المترجمة التي ظلت تغرق، خلال عقود، سوق القراءة.

ويبدو أن الكثيرين يختارون إرجاع هذا الوضع الملتبس إلى شماعة غياب حرية الرأي ببلداننا. ولا أعرف شخصيا ما الذي يمنع كاتبا من الكتابة عن جريمة أو عن مجرم ما، مع هامش الخيال الكبير الذي تمنحه الكتابة الأدبية، في الوقت الذي تُغرق البرامج التلفزيونية المخصصة لملفات الجرائم الكبرى والصغيرة مختلفَ قنواتنا، مع التنبيه إلى أن هذه البرامج تدخل بيوتات الأسر دون إذن أحد. وفي الوقت أيضا الذي صارت موضة الكتابة عن تجربة السجن تغري المعتقلين السابقين وغيرهم من الكتاب الذين لم يسبق لهم أن وطأت أقدامهم سجنا ولو من باب الزيارة.

أما السبب، على الأقل كما أظن، فيكمن في بعض الكسل الذي يطبع اجتهادات الكثير من الكتاب وفي عدم جرأتهم على اقتحام أنواع أدبية أخرى، سواء كانت أو بيضاء. ولعلنا نحتاج بوكر خاصة بالرواية البوليسية كي تتحرك بركة الكتابة الراكدة.

15