رواية سودانية عن رجل بلا قلب

تفتح الرواية أمامنا أبواب الذات البشريّة، لنكتشف عوالمها واختلاجاتها، إذ لا تقدم لنا التوصيف الطبيّ أو المرضي، بل رحلة اكتشاف في عوالم البشر بعيدا عن التصنيفات المؤسساتية المسبقة، وكلما كانت الحالات النفسية والجسديّة التي تتناولها الرواية غريبة، ازدادت قدرة الرواية على طرح التساؤلات حول طبيعتنا كبشر، فالحالات الاستثنائية التي نقرأ عنها في تاريخ السرد هي محاولات لإعادة طرح التساؤلات حول طبيعة البشر وقدراتهم.
الاثنين 2017/02/20
حياة مليئة بالوحدة والأرق والهلوسات (لوحة للفنان رفيق مجذوب)

تحكي آن الصافي في روايتها الجديدة “إنه هو” قصة رجل بلا قلب، لا مجازيا، بل حقيقة، فهو حالة طبيّة فريدة تتحول إلى محط أنظار المجتمع الطبيّ والإعلامي، كما تتيح لنا الرواية اكتشاف التحولات النفسيّة التي يمر بها “هو”، فغياب قلبه يحوّله إلى حالة فريدة وعينة طبيّة توضع تحت المجهر في سبيل دراستها وتحليلها، لنقرأ تخبطه بين غرف المستشفيات من جهة، وحياته الشخصية المليئة بالوحدة والأرق والهلوسات من جهة أخرى، لنكتشف في النهاية سلسلة من الأكاذيب التي كانت تحاك حوله وعنه، لنصبح في شكّ؛ إن كان علينا التعاطف معه أو الغضب منه؟ هل هو ضحيّة أم مجرد أناني منافق؟

فالخيال يتيح للمؤلف خلق سياقات ومواقف مختلفة يضع فيها شخوصه لاختبار انفعالاتهم وتكويناتهم، لنقف مع الراوي في رحلة اكتشاف الدهاليز الخفيّة التي تكوّن في الذات البشرية وتتحكم بها في حال دُفعت إلى إقصاها أو صادفت ظروفا تقارب المستحيل.

أحجية أم حكاية

تتناول الرواية، الصادرة عن دار “ثقافة للنشر والتوزيع”، في دبي، جوانب من الحياة المدنية وأثرها على حياة الإنسان وتفكيره وسلوكه وكذلك دور هذه الحياة بمستجداتها في تأثيرها على مفاهيم قد تعتبر من الثوابت مثل القيم والأخلاقيات عبر قصة حب مشوقة بين بطل الرواية الذي اختارت الصافي ألا يحمل اسما فقط يشار إليه بـ”هو” ذلك الإنسان الذي اكتشف بمحض الصدفة أن ليس لديه قلب من ناحية فيزيائية، ويلتقي “هو” بطبيبة شابة تدعى شهد ومن ثم نكتشف عبر فصول الرواية الكثير من المفاجآت مع توالي الأحداث.

البطل اكتشف بمحض الصدفة أن ليس لديه قلب من ناحية فيزيائية ليشكل ظاهرة لفتت إليه الأنظار

ندخل منذ بداية الرواية في تفاصيل “هو” ودقائق حياته، إذ اكتشف أنه بلا قلب إثر وعكة صحيّة ألمت به، ليتحول من موظف عادي مقبل على الزواج، إلى حديث الأوساط الطبيّة، العشرات من الفحوصات التي تُجرى عليه لاكتشاف كيف من الممكن له أن يبقى حيا دون قلب ينبض في صدره، إلا أنه يبدأ بالهلوسة، يسمع صوتا في رأسه، يكاشفه بحقيقته وبمخاوفه، ومع زيادة مخاوفه وهلوساته، يبدأ بنشر يومياته على مواقع التواصل الاجتماعي، مساهما في صناعة الهالة حول نفسه، لينفصل بعدها عن خطيبته حياة، لاكتشافه أنها لا تحبه، بل تريد الاستفادة من ثروته.

بعدها، يقرر “هو” أن يغير نمط حياته، أنّ يتحول إلى ما يشبه نجوم السينما، لنرى النساء والمعجبات يلتففن من حوله، لكنه يتمنّع، إذ وقع في حب شهد، طالبة الطب التي يعيش معها تجربة رومانسية تنسيه وحدته، ليغدو مهووسا بها. تصدمنا الرواية بعدها بأحداث ومعلومات عن الشخصيات لم تكن متوقعة، فشهد متزوجة من رجل مشلول كليا، ولديها طفل منه، وهي المسؤولة عن العناية بالاثنين.

في حين أن “هو” يبدو متزنا في حياته والصوت في رأسه يبدأ بالتلاشي، لنكتشف سلسلة من الأحداث المفاجئة الأخرى، فزوج شهد ليس مشلولا، بل كان يستغلها ليخونها لاحقا، وجميع من حولها كان مدركا ذلك إلا هي، في حين أن علاقتها مع “هو”، ليست إلا لأسباب علمية بحتة، لاكتشاف ودراسة “هو” عن قرب، فهي أيضا تخدعه، وتحيك حوله الأكاذيب، لنشكك أيضا بقصة زوجها وابنها، لنراها في النهاية تفضح لنا حقيقة “هو” وكونه مجرّد كاذب ومختل نفسيّا، فبالرغم من شكواه الوحدة يصد أصدقاءه ويمارس دور الضحية لاستغلالهم.

الكتابة كرحلة اكتشاف

مازالت الصافي تحافظ على تقنية الكتابة ذاتها التي اتبعتها في رواياتها السابقة، مجموعة من الحكايات ما تلبث أن تتداخل لتفقد مرجعيتها، هي ليست أكاذيب، بل حكايات دون مركز محدد، وكأننا أمام مجموعة من قطع لأحجية، لكن هذه القطع في كل مرة نرتبها بها، نكتشف حكاية جديدة، إذ لا توجد صيغة صحيحة، فالرواية كبنية لا تنتمي إلى مكان، لا توجد أي إحالات واقعية، ونراها تحيل إلى عدد من النصوص الطبية والعلميّة، إلى جانب الأوديسة، فـ”هو” يشبّه نفسه بأوديسيوس، في لحظة اختيار الأخير أنّ يقيد نفسه إلى صارية السفينة كي لا تغويه الأغنيات عن هدفه، لكن الاختلاف أننا لا نعرف ما هدف “هو”؟ ولا كيف ستنتهي رحلته؟

سرد يعيد طرح التساؤلات حول طبيعة البشر

بعكس روايات الصافي السابقة لا تبدو “إنه هو” متماسكة على الصعيد المفاهيمي، بل نلاحظ انتقالات غير مبررة، بين الشخصي والعام على صعيد حياة “هو”، وخصوصا رحلته مع إحدى الممرضات إلى مكان ناء، التي لا تبدو منطقية، أما الأحاديث التي تدور بينه وبين عالم الفيزياء والشاعرة والروائي والمخرج الذين يلتقيهم هناك، تبدو مقحمة، فهي نقاشات عن الخيال العملي وعوالم الروح، ولا تسائل المفهوم الذي تدور حوله الرواية، وكأن هذا القسم كتب لقول هذه الأفكار دون أن يحكم بناءه ضمن السرد، ولا يعكس ما قرأناه لاحقا، فالنصوص التي يستدعيها هذا القسم لا تعكس جوانب أخرى من قصة “هو”.

الطب كأداة للهيمنة

تحاول الصافي في الرواية أن تقارب مفهوم العينة الطبية، تقنيات العلم والطب في دراسة الحالات الغرائبيّة لأجل فهمها، فبمجرد غياب التصنيف، تتدخل المؤسسة الطبية والعملية في سبيل خلق القواعد، للإحاطة بجوانب الحياة المختلفة للحالة الفريدة المطروحة لأجل تقنينها، كي لا تبقى دون تعريف، وهذا الانتهاك لا يتمثل فقط بمؤسسة المستشفى، بل بشهد ذاتها، إذ تمارس دور المراقب والمدوّن لتفاصيل “الحالة” المدروسة، لتحويلها إلى نموذج لا إنساني، إذ تنزع الصافي صفة الإنسانية عن كل من المؤسسة الطبية والعاملين بها، بوصفهم يتصدون لكل ما هو “غير صحيّ” أو غير قابل للقياس.

يشار إلى أنّ آن الصافي، روائية وشاعرة من السودان، مقيمة في أبوظبي. من خريجي أكاديمية الشعر بأبوظبي، الدفعة الخامسة، منسقة ثقافية في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات/ فرع أبوظبي، عضو في مؤسسة بحر الثقافة بمدينة أبوظبي، كاتبة سلسلة مقالات “الكتابة للمستقبل” ومواضيع فكرية ثقافية في صحف عربية. صدرت لها رواية “فُلك الغواية”، ورواية “جميل نادوند”، ورواية “توالي”، ورواية “قافية الراوي”. وكتاب فكري ثقافي بعنوان “الكتابة للمستقبل”.

14