رواية صدرت في نسختين وتحتاج قراءتها إلى نسخة ثالثة

رواية "موت مختلف" إدانة للموت وتمجيد للحياة، حيث تستعرض تاريخ فرنسا منذ عصر الأنوار وقيمه، ثم الانقلاب النابليوني على تلك القيم، مرورا بالحربين العالميتين.
الثلاثاء 2018/12/11
عرب أوروبا الممزقون يكشفون زيف شعاراتها (لوحة للفنان مهند عرابي)

يظل المهاجرون شخصيات روائية خصبة يمكنها أن تحمل الكثير من المواضيع الحارقة والأسئلة الوجودية المحورية، حيث في هؤلاء تتجسد ثيمة الغربة الإنسانية، والازدواجية والأحلام والأسئلة التي تبدأ من المكان إلى الزمن إلى التاريخ ومساءلته.

وقع الكاتب والروائي المغربي محمد برادة روايته الأخيرة “موت مختلف” في الدوحة، بعدما توجت بجائزة كتارا للرواية، في دورتها الأخيرة. وكانت الرواية قد صدرت عن منشورات “الفنك” بالمغرب، وصدرت موازاة معها الطبعة “المشرقية” للرواية عن “دار الآداب”. وهو تقليد في النشر دشنه برادة منذ سنوات، وأصبح يجري على عادة أهل المغرب.

طبعة الرواية

تصلح حكاية الطبعتين المغربية والمشرقية مدخلا لقراءة رواية “موت مختلف”. فهي وإن كانت تحكي حياة مغربي عاش 45 سنة في فرنسا، سوى أنها تعني العرب المعاصرين أجمعين، بعدما التحق “منير” بباريس، في الستينات لمتابعة دراسته، فعانق أحلام وانتفاضة الطلاب بفرنسا، مايو 1968، هم الذين أرادوا استعادة وتعميق قيم ومبادئ الثورة الفرنسية، بعد قرنين من اشتعال أنوارها. ثم ما بعدها، سوف يعيش منير انتصارات وانتكاسات تلك الأحلام، ذات اليمين وذات اليسار.

تاريخ إنساني مغاير من باريس
تاريخ إنساني مغاير من باريس

تفترض الرواية، في طبعتها المغربية، قارئا ضمنيا هو القارئ المغربي الذي يتتبع مسار منير، منذ خروجه من مدينته المغربية الصغيرة “دبدو”، وصولا إلى باريس العاصمة، مناضلا في صفوف الطلاب، ثم أستاذا للفلسفة، حتى إحالته على التقاعد، وما عاشه من أحلام وانكسارات على مدى نصف قرن تقريبا. كما يمكن الحديث عن قارئ نموذجي، بعبارة أمبرتو إيكو، وهو القارئ العربي بصفة عامة، الذي توجّهت إليه طبعة الآداب، من هذه الرواية المكتوبة بالعربية. وكأن القراءة النموذجية لهذه الرواية لا تتحقق في غياب نسختين، على غرار محققي النصوص التراثية، الذين يحتاجون إلى نسخة أخرى من المخطوط، على الأقل، من أجل المقارنة، أو الوصول إلى ما استغلق أو سقط أو غاب عن إحدى النسختين. بينما يغدو عمل المحقق على النسخة الوحيدة شاقا، كما يقول معشر المحققين.

غير أن رواية “موت مختلف” تبقى في حاجة إلى نسخة ثالثة لقراءتها. ونقصد بذلك النسخة الفرنسية، أي حاجة هذه الرواية في الترجمة، لاستكمال أفق تلقيها. فإذا كان برادة قد قدم لنا تاريخ المغرب السياسي الحديث والمعاصر، روائيا، منذ روايات “امرأة النسيان”، و”حيوات متجاورة” و”بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات”، فإنه ههنا يحكي تاريخ فرنسا الحديث والمعاصر، بعيون مغربي انصهر داخل المجتمع الفرنسي، وآمن بأفكار الأنوار، واعتنق قيم الحداثة وعانقها. غير أنه سيكون شاهدا، في نهاية المطاف، على تراجع وعود الساسة وتملّصهم من تلك القيم والأحلام وتحقيقها.

تستعرض الرواية تاريخ فرنسا منذ عصر الأنوار وقيمه، ثم الانقلاب النابليوني على تلك القيم، مرورا بالحربين العالميتين، ثم ثورة طلاب 68، ثم التداول على السلطة من قبل اليسار واليمين، وصولا إلى “الكابوس” المعاصر الذي تعيشه فرنسا الآن، مع الغارات الإرهابية التي ينفذها “زبانية القتل”. وهو “كابوس مقيم”، بلغة برادة. من هنا، حاجة هذه الرواية في تلك الترجمة/ الطبعة “الفرنسية”، من أجل استدعاء القارئ الفرنسي باعتباره شاهدا، وباعتباره ذلك “القارئ التاريخي”، الذي يساهم في “تحقق النص” في أفق تاريخي محدد.

رواية “موت مختلف” إدانة للموت وتمجيد للحياة، كاتبها روائي مختلف، أيضا، وبطلها منير هو ساردها، أستاذ الفلسفة في العاصمة باريس، قبل أن يحال اليوم على التقاعد، بما هو مرحلة حدية في حياة كل إنسان.

وبقدر ما انخرط منير في واجهات النضال منذ كان طالبا، ثم مناضلا في الحزب الاشتراكي الفرنسي، وقد أصبح أستاذا للفلسفة، بقدر ما انغمس في حياة متنورة، وفي علاقات متحررة، تؤمن بانفتاح الفكر كما الجسد. وكان منير قد تعرّف إلى كاترين المحامية. كانت كاترين قد أنجبت من منير ابنهما الوحيد “بدر”، الذي سيكابد حياة مزدوجة شقية، ما بين أصوله المغربية والفرنسية، وما بين قيم الأنوار واليسار التي تعلمها من أبيه، ومظاهر العنف والإرهاب التي يبثها أبناء عمومته وأرومته. وسيقاسي بدر الأمرّين، بعد تفجيرات باريس العاصمة ونيس المتوسطية، وبعد تفاقم مظاهر العنصرية والرفض تجاه كل من يحمل ملامح عربية أو ينحدر من أصول مسلمة، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، من بطالة وغيرها. وهنا، سيحمّل بدر والده منير مسؤولية الإجابة عن حل للأسئلة العالقة، ما دام هو الذي جعله يعتقد في مستقبل أبدي لقيم الأنوار الكونية.

صنعة الرواية

"موت مختلف" في حياة متشابهة
"موت مختلف" في حياة متشابهة

تشتغل رواية “موت مختلف” على الذاكرة، بما هي خزان سردي لا ينضب. حيث تصبح الإحالة على التقاعد في هذه الرواية ذريعة من أجل استعراض حياة، وتصوير “روبورتاج” عن الأحداث التي عاشها الفرد. لكن استراتيجية التذكر ماكرة، فهي تصر على العودة إلى الماضي للهروب من التوجه نحو النهاية، أو الموت، باعتباره مستقبل الإنسان. لهذا، سوف يفكر بطل هذه الرواية في “موت مختلف”. وكتب جاك لوغوف في “أماكن الذاكرة” عن الموضوعات الأثيرة للتاريخ، وهي الذاكرة والجسد
والموت. والذاكرة هي التي دفعت إلى كتابة التاريخ.

لكن كتابة التاريخ بحبر الذاكرة تجعله عرضة للنسيان، لأن الذاكرة كثيرا ما تغفل عن أشياء وأحداث يتدخل الخيال لملء ما تركته من فراغ وبياضات، وتلك مهمة الروائي. في لقاء سابق مع “العرب”، يسر لنا برادة بأن مهمة الروائي هي سد هذا الخصاص الذي يتركه المؤرخ. بينما يخبرنا عبدالله العروي أنه لجأ إلى كتابة الرواية حين استعصى عليه أن يقول أشياء دقيقة ومفصّلة في أعماله الكبرى التي ألفها في حقل الفكر وفلسفة التاريخ. لكن التاريخ شقي، فيما يقول بول ريكور، مضيفا أن تاريخنا الراهن مليء بالعنف. لذلك، ما أحوجنا حسبه إلى “ذاكرة عادلة”، تعترف بالآخر، وتعترف بالإساءة أيضا، وهي تتملك القدرة على الغفران، ما دامت الذاكرة عنادا مستميتا في مواجهة النسيان.

تمتلك الرواية هذه القدرة على سدّ ذرائع التاريخ ونقائصه، غير أن الهروب إلى الوراء يعني الهروب من الأمام، الذي يواجهه، في روايتنا هاته، بطلها “منير” وقد جاوز سن التقاعد. فهل استنجد منير بالذاكرة لكي يعود إلى الوراء، وكيما يتجنب المستقبل، الذي هو الموت في نهاية المطاف؟ والحال أننا أمام رواية استرجاعية، تعود بالذاكرة إلى الوراء، عبر سرد لولبي، حتى لا تتقدم إلى مواجهة الموت، باعتباره شكلا من أشكال انتصار الزمن على الإنسان. فهل يمكن اعتبار الرواية في مثل هذه التجربة الكتابية أشبه بتحرير وصية؟

14