رواية "ضارب الطبل" والحياة مع الأشباح لأشرف الخمايسي

الرواية قد تبدو أنها من أعمال الخيال العلمي لكن سرعان ما نكتشف أن طبيعتها بعيدة عن هذا التصنيف.
الأحد 2018/03/25
فنون قديمة في أسوان

ماذا لو استطاع العلم كشف الغيب، وأتاح للناس معرفة موعد موتهم كما يعرفون تواريخ مولدهم؟ كيف سيكون شكل الحياة والعلاقات بين الناس حينئذ؟ كيف سيواجهون ذلك المصير المحدد والمعلوم، ذلك الفناء المؤكد الذي طالما تجاهلوه، أو تناسوا حضوره وحتميته؟

في روايته “ضارب الطبل” يوغل الروائي المصري أشرف الخمايسي بعيدا في سبيل البحث عن إجابات محتملة لهذه الفرضية، إذ تقدم لنا الرواية الصادرة أخيرا عن دار الشروق في القاهرة واقعا جديدا استطاع خلاله البشر التكيف مع فكرة علمهم بتواريخ موتهم.

في هذه الرواية يعيد الخمايسي تشكيل العلاقات الاجتماعية بناء على ذلك المتغير الجديد الذي فرض نفسه على مسار العلاقات بين الناس، مؤسسا لفضاء روائي مغاير انطلاقا من هذه الفرضية التخيلية.

رواية تحكي عن أناس يعيشون في الأقصر
رواية تحكي عن أناس يعيشون في الأقصر

الكاشف العمري

الكاشف العمري، هو جهاز اخترعته إحدى الدول الأوروبية وقوبل الإعلان عنه وقتها بسخرية واستخفاف، إلا أنه بعد أن تأكدت نجاعته في تحديد مواقيت الوفاة بدقة عمدت الحكومات حول العالم إلى استخدامه، وعُدلت التشريعات والدساتير لتتناسب مع ذلك الأمر المستحدث.

وفرضت الدول على مواطنيها إثبات تواريخ الوفاة في بطاقات الهوية الخاصة بهم، واعتبار المواطن ميتا في نظر القانون بحلول تاريخ وفاته المدون في تلك البطاقة. أما هؤلاء الذين يتجاوزون الوقت المحدد لهم في الحياة، فتتولى الدولة مهمة القضاء عليهم بشكل منظم حتى لا تعم الفوضى، وخصصت لذلك أماكن خاضعة للرقابة الحكومية.

قد يبدو من هذا السياق أننا أمام عمل من أعمال الخيال العلمي، ولكن سرعان ما نكتشف أن طبيعة الرواية بعيدة عن هذا التصنيف، فتلك الفرضية التي يطرحها أشرف الخمايسي ما هي إلا تكئة يستطيع من خلالها الولوج إلى هذه الإشكالية التي يطرحها، والتي تفيض بالكثير من التساؤلات الفلسفية المتعلقة بقيمة الحياة، وحقيقة الموت، وقدرة الناس على المواءمة بين إيمانهم بوجودهم وحقيقة فنائهم المحتوم. لا تقدم الرواية لنا تاريخا بعينه، كما أنها تتحرك عبر مسارات سردية وزمنية متنوعة وموغلة في الرمز أحيانا.

الإطار المكاني لأحداث الرواية يقع في إحدى القرى الجبلية في مدينة الأقصر جنوب مصر. بين العديد من شخصيات القرية التي يحرص الكاتب على الإشارة إليها دائما بأسمائها الثلاثية، مؤكدا هويتها وانتماءها، تطالعنا شخصية خضرة محمد علوان، وهي واحدة من الشخصيات المحورية المثيرة للجدل والمحملة بالرمز، فهي تنطق بالحكمة التي سمعتها، كما تقول، عن جدها علوان شهير أبوزيد، أو “ضارب الطبل” كما كانوا يسمونه. وهي امرأة تجاوزت الثمانين، لكنها تتمتع بنضارة امرأة في العشرين وتمارس غواية الرجال باشتهاء، حتى أنها تتباهى دائما بأنها لم تترك رجلا من أهل البلدة إلا وأوقعته في شباكها.

تشتبك شخصية خضرة بقواسم مشتركة مع مسار عدد من الشخصيات الأخرى. فهي تغوي عبدالعليم سيد أحمد في يومه الأخير قبل موته، كما تقسم على إغواء حفار القبور، الرجل الوحيد من أهل البلدة الذي لم تفلح في إغوائه.

حفار القبور هو الرجل الوحيد أيضا الذي يشارك خضرة غرابة الأطوار وتكتم تاريخ موته. “لا يعلم عبدالعليم سيد أحمد، ولا أحد من أهل البلد، متى ستموت خضرة! دائما اعتبرت تاريخ وفاتها سرا ليس من حق أحد الاطلاع عليه، ولولا غرابة أطوارها وأمانتها المتناهية لأبلغ الأهالي السلطة عنها باعتبارها امرأة تخفي تاريخ وفاتها ما يهدد نظام وأمن المجتمع”.

تبدو شخصية خضرة محمد علوان ذات تركيبة متناقضة، وعلى رغم حبها للرجال ترفض خضرة مضاجعة الخواجة إيريك جاكوب، ذلك الأميركي الذي يتاجر في الآثار كما يتاجر في الأعراض.

أما خيال جدها ضارب الطبل فيظل مخيما على ذاكرة الكثيرين داعيا إلى التمرد على السلطة الممثلة في الجهاز العمري، وهو شخصية لا تقل غرابة عن خضرة، نراه حاضرا في عبارات الحكمة التي لا تمل خضرة من ترديدها، كما يتهيأ لحفار القبور من وقت إلى آخر في سنوات التيه التي قضاها في الصحراء، هاربا من ملاحقة السلطة، كغيره ممن تمردوا على جهاز الكاشف العمري، مفضلين حياة التيه في الصحراء بدلا من التعرض للعذاب الذي يكابده الناس في انتظار آجالهم.

تمرد

"ما إن يحل العام الأخير من أعمار الناس حتى يدب الانكسار في أرواحهم، يمشون في الدنيا كالغرباء، يتصرفون تصرفات المجانين في معظم الأحيان.. وكلما مضت الساعات نحو لحظة انتهاء الأجل اشتطوا في ممارسة الخوف حتى الجنون، درجة سعيهم بأنفسهم إلى الحتوف المتنوعة! الخوف كله من أن يكون السبب حادثا طارئا؛ لذلك يحترز الناس باستبعاد مستوجبي الموت الأصحاء عن بيوتهم تماما؛ حتى لا تتسبب الحادثة الطارئة في أذى يمتد لذويهم. هؤلاء يختارون الأماكن الواسعة كأنسب أماكن لانتظار موت غير معلوم السبب؛ كالحدائق العامة والشواطئ، أو الجزر الخضراء في الشوارع الكبيرة، ربما أطراف المدينة أو القرية حيث الحقول، أو مشارف الصحراء".

الإطار المكاني لأحداث الرواية يقع في إحدى القرى الجبلية في مدينة الأقصر جنوب مصر. بين العديد من شخصيات القرية التي يحرص الكاتب على الإشارة إليها دائما بأسمائها الثلاثية، مؤكدا هويتها وانتماءها

بعض هؤلاء يواجهون الأمر في صمت واستسلام، وقليل منهم من قرروا المواجهة والتمرد. من بين هؤلاء محمد أحمد حسين الذي يعمل في استنساخ التماثيل الفرعونية لبيعها للسياح، فهو لا يكف عن إعلان اعتراضه على الكاشف العمري حتى أنه لا يجلس مجلسا إلا وجذب لجام الحديث ليدور به حول هذا الجهاز، يبدي ضيقه الشديد منه، يعدد مساوئه، قبل أن يبكت الجالسين لتقبلهم العيش في ظل ماكينة تكشف عوراتهم!

يعتبر محمد أحمد حسين الموت عورة، لأنه مسيء مثلها، كل ما يتعلق به متعفن مثلها، لذلك سترها أحفظ لكرامة الإنسان. وكان قد عشق قراءة كتب الأولين، ممن عاشوا تلك الأزمنة السابقة لظهور هذا الجهاز الملعون؛ لأنها عرضت عليه دائما أحوال بشر تعاملوا مع الموت على أنه مجرد شيء قابل للنسيان، وإن تذكروه فعرضا، لم يكن يمثل لهم سوى نقطة نهاية، بينما الموت في هذا العصر موضوع الحياة بأكملها؛ لذلك ضرب العفن الحياة كلها، لذا فهو يتحدى السلطة حين ينجب طفلته الأولى، فلا يرسلها للعرض على الجهاز، مفضلا الحياة في الصحراء، حالما بعالم جديد، يجهل الناس فيه تواريخ موتهم، ويعيشون خالدين في ذواتهم.

11