رواية "طبيب أرياف".. تروي تاريخ مصر من عمق الصعيد

الكاتب محمد المنسي قنديل يطرح في روايته "طبيب الأرياف" بعض القضايا التي أرّقت القرية قديما واستمر بعضها واستفحل مثل التعصب الديني وزواج القاصرات والهجرة.
الجمعة 2020/10/23
مناضل سابق يبحث عن الحب (لوحة للفنانة إنجي أفلاطون)

القاهرة- تحفل المدونة الروائية المصرية بالكثير من الأعمال التي تدور أحداثها في الريف، وغالبا ما تكون قائمة على إبراز التقابل بين عالمي الريف والمدينة، إما من خلال بطل قادم من المدينة إلى الريف، أو العكس.

وإن كانت تشوب بعضها النظرة النمطية لكل من عالمي المدينة والريف، فإن بعضها الآخر تمكّن من ربط العالمين بدقة مقدّما رؤية بزوايا مختلفة على غرار الكاتب المصري محمد المنسي قنديل في روايته الجديدة.

وبعد أن جاوز السبعين من العمر يستدعي قنديل مرحلة مبكرة من حياته، ويمزجها بالكثير من الخيال ليقدم روايته الجديدة “طبيب أرياف” التي تدور أحداثها في إحدى قرى صعيد مصر نهاية حقبة السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي.

المؤلف استطاع بسلاسة وعمق تسليط الضوء على انعكاسات الأحداث التاريخية على نفسية جيل بأكمله وأفكاره وسلوكه

وقنديل الذي تخرج في كلية الطب عام 1975 عمل لفترة قصيرة في ريف محافظة المنيا قبل أن يتفرّغ للكتابة ويحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1988، ويُصدر عددا من الروايات والمجموعات القصصية الناجحة.

وتتحدث الرواية عن طبيب شاب يتعرض للاعتقال عقب تخرجه في نهاية حقبة السبعينات بسبب نشاطه السياسي، حيث يفقد نتيجة لذلك حبيبته التي تتعرض لضغوط ومضايقات أمنية تضطرها إلى الزواج هربا من مداهمات الشرطة المستمرة لمنزل عائلتها واستجوابها المتكرر بشأن خطيبها السابق.

وبعد الإفراج عنه يحصل الطبيب على فرصة جديدة بتكليفه بالعمل في وحدة صحية نائية في الصعيد، يذهب إليها متأففا ويعتبرها منفى مؤقتا لا مفر منه، لكن ما إن يستلم عمله هناك ويظن أنه بصدد طي صفحة الماضي حتى يتعقّد عالمه من جديد.

يقع الطبيب في غرام الممرضة فرح. ورغم علمه لاحقا بأنها متزوجة يقرر الاثنان الاستمرار في العلاقة وإن اختلفت نوايا وأهداف كل منهما، فهي تبحث عن بذرة تزرعها في رحمها لإنجاب طفل بعد أن فقدت الأمل في زوجها، بينما هو يبحث عن شريك حياة جديد يستبدل به حبيبته السابقة ويؤسس أسرة وبيتا.

الكاتب يستدعي مرحلة مبكرة من حياته ويمزجها بالكثير من الخيال
الكاتب يستدعي مرحلة مبكرة من حياته ويمزجها بالكثير من الخيال

علاقة أخرى متشابكة تمتد بين الطبيب ومأمور الشرطة الذي يورّط الطبيب الشاب في لعبة الانتخابات بعد اغتيال رئيس البلاد في عرض عسكري وإجراء استفتاء شعبي على المرشح الوحيد لخلافته، فيتحول الشاب المناضل سابقا إلى ضلع رئيسي في عملية تزوير واسعة لأصوات الفلاحين.

شخصية جديدة تظهر في عالم الطبيب الشاب هي الجازية “ملكة الغجر” التي تزور مع جماعتها القرية ضمن جولاتها المستمرة بالريف.

تجذبه الجازية في البداية لعالمها السحري المليء بالغموض والإثارة، وتكاد تورطه في علاقة جنسية عابرة. لكن القدر يقف إلى جانبه ليمنعه من ذلك، ويدرك سريعا مدى بعد المسافة بينهما وانتماء كل منهما إلى عالم مختلف إلى أن تجمعها الأقدار معا مرة ثانية في رحلة محفوفة بالمخاطر داخل الصحراء، فيتحولان إلى صديقين متّحدين ضد قهر السلطة وسطوة المجتمع.

يحاول الطبيب، الذي يتأخر ذكر اسمه إلى قرب نهاية الرواية، الفكاك من عالم القرية المتشابك واستخلاص الممرضة فرح مع جنينها لنفسه. لكن مسعاه يبوء بالفشل مثلما فشلت كل محاولاته لانتشال الفلاحين من المرض والأوبئة المستوطنة.

الرواية، الصادرة عن دار الشروق في 281 صفحة من القطع المتوسط، تستدعي للوهلة الأولى من الذاكرة العشرات من الأعمال السابقة بداية من “يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم في 1937 وصولا إلى “بيت القبطية” لأشرف العشماوي في 2019، والتي تناولت فكرة الغريب الذي يصل من العاصمة إلى قرية نائية دون إرادته سواء كان طبيبا أو قاضيا أو موظفا عموميا ونظرته لذلك المجتمع المعزول وتفاعله معه. لكن ثمة ما يميز “طبيب أرياف” ويضعها خارج الإطار النمطي لتلك الأعمال.

نموذج البطل الذي يقدمه المؤلف في هذه الرواية نموذج مختلف، فهو شاب ينتمي إلى جيل استثنائي في تاريخ مصر عاصر نكسة 1967 ثم حرب 1973 وبعدهما اغتيال الرئيس محمد أنور السادات وانتقال السلطة إلى خلفه محمد حسني مبارك. وهنا استطاع المؤلف بسلاسة وعمق تسليط الضوء على انعكاسات كل هذه الأحداث على نفسية وأفكار وسلوك ذلك الجيل.

الرواية تستدعي للوهلة الأولى من الذاكرة العشرات من الأعمال السابقة بداية من "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم وصولا إلى "بيت القبطية"

إبراز أوضاع الريف المصري في نهاية حقبة السبعينات وبداية حقبة الثمانينات يستحق أيضا الالتفات إليه في بناء الرواية، فبينما هبّت رياح التغيير سريعا على المدينة بزحامها الصاخب وإيقاعها اللاهث بقي الريف مهملا بلا كهرباء أو وسائل نقل آدمية أو دواء وظل الفقر والجهل ينخران في عظامه ويجهضان أحلام أبنائه.

ومن بين ثنايا الخط الرئيسي للرواية يتمكن المؤلف من طرح بعض القضايا التي أرّقت القرية قديما بوصفها نموذجا مصغرا للعالم الأشمل الأعم، واستمر بعضها واستفحل مثل التعصب الديني وزواج القاصرات والهجرة غير الشرعية.

وبامتداد الرواية تطغى موهبة المؤلف في السرد المشوق المتدفق ورسم تفاصيل الشخصيات بدقة والتعبير عن مشاعرها بصدق، فينجح في جذب القارئ لمتابعة مصير كل شخصية حتى النهاية سواء اتفق معها أو اختلف.

15