رواية عراقية عن ضياع الهوية والضمير والفناء الجماعي

الخميس 2014/08/07
"الشمس خلف الغبار" تحمل أوجاع مرحلة صعبة من تاريخ العراق

البصرة - تحمل رواية “الشمس خلف الغبار”، الصادرة عن “مؤسسة السياب للطباعة والنشر والتوزيع″، للقاص ياسين شامل، زمن كتابتها بداية دخول القوات الأجنبية إلى البصرة في نهاية مارس وبداية أبريل من عام 2003، وتتوقف الأحداث عند هذا التاريخ ولا تغادره إلى أحداث قادمة، وهي لهذا السبب من الروايات المبكرة التي تنتمي إلى مصطلح رواية “ما بعد التغيير” في سماته التي اتضحت في الروايات العراقية التي كتبت أثناء السنوات اللاحقة لها.

يبدو الواقع التسجيلي، مرتبكا ومتشظيا أيضا “بيئة قلقة، وأحداث متصاعدة متغيرة، الهواء، الرياح، الناس المتغيرون، كل شيء متغير” وفي “هذا الوقت وفي هذه البلاد كل الأفعال مجنونة لا تحكمها القوانين وقد سادت فوضى عارمة شملت مجريات الحياة بكل تفاصيلها”.


الواقع التسجيلي


تؤرخ أحداث الرواية لهزيمة الجيش العراقي أمام ضربات القوات الأجنبية، واشتداد الهجمة الشرسة ضد الناس في الداخل، من قبل الأجهزة الحزبية والأمنية، إضافة إلى شدة الحصار الذي يشير له السارد العليم متضامنا مع صوت جمال: “الكلام محظور في أيّ اتجاه، إلا باتجاه واحد (….) أخذت المقابر حصتها من الذين يتفوهون بكلامهم دون حذر”، وقد أصبحت القرابة بالمعدومين وصمة عار لأقربائهم “تلاحقهم في مسارات حياتهم ومشاغلهم”.

وفي الجانب العسكري تجري موجة هروب كبيرة من الجيش بعد الانسحاب من الكويت، الموت والاختفاء، تصفية الحسابات القديمة، كيل الشتائم المرة ضد قادة الجيش من قبل آمريهم.

وتتوقف الأحداث التسجيلية عند دخول القوات الأجنبية إلى البصرة في الفصل التاسع عشر الذي يسرد “الخيوط الأولى لبداية الاحتلال الجديد”، وما جرى خلاله من شائعات كثيرة انتشرت عن سرقة مبالغ كبيرة من العملة الصعبة من البنك المركزي، وتعرض فندق الشيراتون إلى النهب والحرق أمام القوات الأجنبية المرابطة قربه، يقابل ذلك انهيار المؤسسات الحزبية والعسكرية قبل دخول هذه القوات، واندلاع موجة من النهب والسلب وحدوث معارك جانبية بين المتنازعين على سرقة أموال الدولة ومؤسساتها.

تؤرخ الأحداث لهزيمة الجيش العراقي أمام ضربات القوات الأجنبية

وخلال ذلك تبدو بنية الفضاء الروائي المتخيل مرتبكة أيضا تحكمها تدخلات المؤلف بتعليقاته الطويلة وإلغائه لأدوار شخصياته التي بدت ضعيفة إزاء الأحداث التسجيلية المهيمنة، وتظهر حالة هذا الارتباك والفوضى واضحة في السرد من خلال الأصوات التي اعتمدها المؤلف لتنوب عنه في إظهار وجهة نظره في هذه الرواية، لكنه سرعان ما يلغيها ويتحدث نيابة عنها .

ويعني ذلك أن ياسين شامل كان موزعا بين الحكاية المركزية “مها وعشاقها” وبين الأحداث الدرامية المتلاحقة التي عصفت بالساحة العراقية عشية الاحتلال الأجنبي للعراق: بين هجاء النظام السابق ممثلا في أعضاء الحزب وهم يجدون أنفسهم في عزلة عن الناس، وبين وجهة النظر المرتابة من القادم الجديد الذي يحمل وعودا بالتغيير من خلال دخول القوات الأجنبية وسلبية المقاومة العراقية وهي تنتظر ما يجري، يضاف إلى ذلك الفوضى العارمة وافتقاد النظام، وانتشار ظاهرة السلب والنهب لمؤسسات الدولة وكأنها مظاهر إيجابية. كل ذلك وضع المؤلف في مفترق طريق، وفي أي اتجاه يمكنه أن يسير.

وبذلك جاء الخارج ملحقا بالشخصيات ومن خلال وجهات نظرها، فأصبح الفضاء التسجيلي مبعثرا بين أزمنة متباعدة تمتد بين التهديد بالحرب وقيامها ودخول القوات الأجنبية إلى البصرة، وتداعيات هذه الأحداث على الداخل، وقد لخصت كل هذه الأحداث بصفحات قليلة وتعليقات كثيرة، أسهمت في تداخل الأصوات الساردة.

مذكرات راكضة خلف محطة تشظيات الرواية


ارتباك الأصوات


تبدأ الرواية بضمير المتكلم كتمهيد غير مرقوم خارج عن فصول الرواية، يعلن فيه السارد- المؤلف الضمني، عجزه عن الإحاطة بالإحداث، فهو يشبه بطل الجحيم لهنري باربوس الذي يتلصص على الآخرين من خلال ثقب في جدار غرفته “بقيت قابعا في غرفتي التي تطل من الأعلى مثل برج يشرف على البيوت الخانعة تحت ستار البساطة والعفوية”، أو مثل سيزيف حين يصف تحجر قدميه وكيف أنها ثبتت بقوة على صخرة ثقيلة، وهذه التناصات المقصودة تكشف عمق الأزمة التي يعيشها السارد، وسط عالم مهدم، وأمان مؤجلة “التي بنيتها من هياكل الخيال (منتظرا) متى يسقط المطر الغزير كي يغسل الكون”.

ويبدو الارتباك واضحا في تداخل الأصوات من خلال شخصية جمال -الشخصية الرئيسة في الرواية- بين سرد لسيرته الذاتية، وتعليقاته على الأحداث الجارية، وتدخلات السارد العليم المؤلف معه، دون تمهيد أو فاصلة، من أمثلة ذلك “كان جمال يدرك أن هاشما يحمل سلاحا بصورة أو بأخرى مما جعل ريبته تزداد، وفكر كثيرا كيف يتصرف لو حاول هاشم أن يغدر به”.

ويبدو هذا الارتباك في شخصية من يقوم بالسرد واضحا في الفصول الأخيرة من الرواية بين حكاية بيع السلاح من قبل هاشم وجمال إلى جهات مجهولة الهوية وبين دخول القوات الأجنبية ومرابطتها في شارع الكورنيش قريبا من البنك المركزي بالتداخل مع أحداث أخرى تأتي بشكل مفاجئ، كدخول صاحب النظارة السرد بضمير المتكلم وهو يعلن أنه كان متفرجا ثم يعلن عن نفسه محاولا تحريف الأحداث بالصورة التي تظهره وقد غير جلها وباتجاه تأويلي لا تحتمله هذه الأحداث، ثم يقوم بقتل جمال، وكأنه يصف مشهدا باردا ليس من صنعه.

ويبلغ الارتباك أكثر وضوحا حين يحاول المؤلف أن يفتح أفقا تفاؤليا في نهاية الرواية، بقرار صاحب النظارة الطبية المتردد والخائف في بداية الرواية بالبحث عن مها واستثمار صفة سمرة بشرتها لرفع رتبتها كي تتخطى شخصيتها كأنثى من لحم ودم في عالم الرواية وتتحول إلى رمز للخلاص والانعتاق من أسر هذه الأحداث الدامية.

لقد تشكلت رواية “الشمس خلف الغبار” وسط عالمين فقد الأول منهما مقومات وجوده وانتهى إلى الفناء، وعالم يتشكل وسط الفوضى وضياع الهوية والضمير، ولذا ولدت ولادة قيصرية، وهي تحمل أوجاع تلك المرحلة وإشكالاتها.

15