رواية عراقية عن مدينة خيالية في عالم تتصارع فيه الحكايات

تطرح العديد من الروايات أسئلة وجودية، كما تطرح مفاهيم جديدة قد تمتزج بالخيال لتكوّن مشهدا غرائبيا لا يصدّق ولا يكون إلا في ذهن الكاتب، لذا تأتي الصور بطرق خارجة عن المألوف في زمن محدد، وفي مكان لا يكون إلا من قبيل المحال، المحال الذي يسير فيه الراوي ويستسيغه القارئ لما يجد فيه من تشويق وغموض وحيرة تجعل من الرواية عالما من الأساطير والخرافات والسحر تبثّ هنا وهناك لتشكل وقوع المستحيل.
الجمعة 2016/12/02
أنثى عاشقة في عالم خيالي وسحري (لوحة للفنانة سعاد العطار)

عمان - تحكي رواية “الباب الخلفي للجنة” للكاتب العراقي هيثم الشويلي عن مصير شعب أرهقته الحروب ومزّقته الصراعات الداخلية والفتنة الطائفية ما بين عامي 2006 و2007، إذ تتصاعد وتيرة الحدث منذ اللحظة الأولى للدخول إلى عالم السرد، فنجد البطل أسعد تارة مشغولا بماريا، الأنثى التي يحبها، وتارة أخرى منغمساً في سوق الشورجة الكبير الذي يضج بالحكايات والشخصيات المتقلّبة والملفتة للنظر في آن واحد.

كما يظهر في الرواية العم عباس شاه، وهو شخصية صوفية تبيع سلال الخوص والأطباق المصنوعة من سعف النخيل. شخصية تثير فضول القارئ كثيرا وهو يكشف في كل يوم سرّا من أسرار بطل الرواية وكأنه كان يستكشف ما يضمره قلب البطل في كل ليلة، وهو يتحدث إلى ماريا عبر وسيلة التواصل الإلكتروني الذي قرب البعيد لنا.

رواية غرائبية

الرواية، الصادرة عن دار “فضاءات للنشر والتوزيع” بالعاصمة الأردنية عمان، رواية غرائبية في محتواها، حيث يختلط فيها الوجع بالألم والحب بالعشق والواقع بالخيال ضمن مخطوطات وطقوس سحرية وجن وأرقام وطلاسم وأمكنة متعددة (العراق، فرنسا، السويد، والأردن)، بالإضافة إلى الأماكن المحلية المتنوعة بتعدد الأديان (المسلمة ومسيحية). وهي رواية متشابكة كتبها الروائي بأسلوب سردي مدهش يجعلك تتشبث بها منذ اللحظة الأولى.

ومنذ صفحاتها الأولى يطل علينا الكاتب بعبارة استفزازية يقول فيها “مدينتي إيسكولاس أدخلوها بسلام آمنين”، وهو بهذا يأخذنا نحو مدينة من الخيال يقول إنها حقيقة لكنه في الحقيقة كان يمارس بحقنا جنونه السردي ليوهمنا بذلك.

ولكننا حين تحرّينا عن سبب البحث عن سر هذه المدينة، اكتشفنا أن ثمة أنثى وراء كل ذلك، عشقها بطل الراوية وفعل من أجلها المستحيل ليصل إلى مدينة في مكان من هذا العالم، وبعد هذه العبارة الاستفزازية الأولى نقف في حيرة منذ البداية للرواية، وهو يزج بعباراته التي تستفز ذائقة القارئ.

ومن جهة أخرى تقوم فكرة الرواية على أساس أن الحب والعشق لا يعرفان المذاهب أو الأديان ولا الطوائف، فأسعد مسلم وماريا امرأة مسيحية.

ويقول الشويلي “يقولون إن زمن المعجزات انتهى مع الأنبياء والأولياء والأوصياء، لكني أشك في هذا الرجل الكبير الطاعن في السن الذي يلقّنني على الدوام ما يجود بقلبي، حين كنت أصارحه بذلك يبتسم ويقول إنَّ الله يصطفي من يشاء، فكن صافيا نقيّا ولا تخف من أهوال الدنيا. لقد كان العم عباس شاه يبث فيّ الحياة عبر كلماته البيضاء دائما”.

الروائي يأخذنا نحو مدينة من الخيال يقول إنها حقيقة، لكنه في الحقيقة كان يمارس بحقنا جنونه السردي ليوهمنا بذلك

الحب في زمن الاقتتال

تدور أحداث الرواية في الفترة الممتدة ما بين الاقتتال الطائفي وسقوط الموصل على أيدي عصابات داعش عن مجموعة من الأشخاص يعملون بسوق الشورجة. إذ يعمل بطلها عتالا، يتعرّف على العم عباس شاه، الرجل الصوفي الذي يبيع سلال الخوص المصنوعة من سعف النخيل.

وفي يوم من الأيام وهو يتصفح هذا العالم الأزرق يلتقي من خلال منشور بشخصية لا يعلم عنها إن كانت وهمية أم حقيقية، لكنه ينبهر بتفاصيل صورها المثيرة ويظل يفتش في صفحتها وينبش في المحظور، حيث كان يتصفح صفحتها في كل ليلة، وحين اشتعل الفضول بداخله بات يقترب أكثر من تفاصيل الصورة التي عشقها دون أن يتكلم معها.

ماريا هي الصديقة والحبيبة والعشيقة التي كان يحلم بها أسعد وهو يحدثها في كل ليلة. تعرف عليها من خلال منشوراتها الموجعة واكتشف بعد مدة من الحديث إليها أنها عراقية تسكن مدينة ليون الفرنسية بعد أن منحت الحكومة حق اللجوء لكل مسيحيي العراق، ويبقى متعلقا بها لدرجة كبيرة.

كان يرى ماريا عبر كاميرا الدردشة بنصف وجه، فهي تغطي نصف وجهها بشعرها مما أثار الفضول بداخله كثيرا وهو يبحث عن سر هذا الإخفاء، كانت تمانع في أن يعرف، لكنه أرغمها على ذلك وحين كشفت له شعر بذهول كبير، وحين استفسر عن ذلك كشفت له عن قصتها الكاملة.

رواية تمتزج بالخيال لتكوّن مشهدا غرائبيا

كان العم عباس شاه شخصا مثيرا للغاية وهو يخبره في كل مرة عن أشياء تحصل معه بين الحين والآخر، وذات مرة طرح العم عباس على أسعد كيفية الالتقاء بماريا عن طريق الروحانيات وإتمام مخطوطات سحرية بطقوس خاصة عن طريق الشيخ عبدالرحمن، ويجازف أسعد من أجل اللقاء بماريا. كانت هي تضحك لأنها لم تصدق أنها ستلتقي به في مدينة أخرى من هذا العالم الغريب الذي لم تُكتشف أسراره الغريبة. فلكل مخطوطة من المخطوطات طقوس غريبة جدا وحكاية خاصة.

وحين ينتهي كل شيء يحصل أسعد على اسم المدينة العظيمة التي سيلتقي فيها مع ماريا بعد عودتها من السويد إلى ليون، يلتقيان في إيسكولاس ويكونان على مقربة من بعضهما البعض وتسير الرواية بعد ذلك إلى منعطف آخر حين يدخل تنظيم داعش إلى مدينة الموصل لقتل الجميع وتخريب الكنائس. تشعر ماريا بالتذمّر من الخراب الذي لحق بالعراق وتغيب عنه ويظل يصعد بمفرده، لكنه يرى هذه المدينة التي تشبه الجنة لا تساوي أي شيء من دون ماريا وينزوي ويبتعد.

وفي يوم من الأيام كانت أمه تحاول أن تخرجه للحياة مرة أخرى، لكنه كان متقوقعا على نفسه. كان يبكي بشدة حين وجد منشورا بصفحتها، لكن أمه كانت تحضنه وتبكي معه لأنها لم تكن تعرف أي شيء عن سرّ بكائه؟

وفي الرواية أيضا أحداث أخرى لأن هؤلاء الأشخاص الذين يعملون بسوق الشورجة يفترقون كلهم، لكنهم يعودون مرة أخرى إلى السوق وكل يحمل في جعبته حكاية غريبة في النهاية.

ويقول المؤلف هيثم الشويلي “أريد أن أقول إن الجنة ليست كما يتصورها البعض لفرقة ناجية بل لمن يحمل في قلبه حبا للمجتمع وللناس، وإن الجنة على الأرض هي لمن نحب أن نجتمع بهم وأن الجنة أيضا لا تساوي أي شيء في غياب أشخاص نحبهم ونعشقهم، فبمجرد أن اختفت ماريا عن أسعد أصبحت هذه المدينة التي عانى الكثير من أجل الوصول إليها ‘إيسكولاس” لا تساوي أي شيء في نظره”.

14
مقالات ذات صلة