رواية عربية بطلها إسباني أرسله الفاشيون إلى سجن في الشمال الإفريقي

يدفع المناضلون ثمن أفكارهم غاليا، البعض يَفقد حياته وكلّ ما يملك، والبعض الآخر، يجد نفسه معلقا بين السماء والأرض، ليغدو مَنفيا أو مبعدا، قسرا أو طواعية إثر انتصار “الآخر”، ذاك الذي لا مناص من سطوته، بوصف الصُدف تكالبت لتفوقه الماديّ، ليغدو المنفى عالما وفضاء مغايرا، جغرافيا غريبة ندفع فيها الثمن مضاعفا، ثمن ما خسرناه، وثمن أننا لن نكسب من جديد، لتحضر الرواية هنا كشفيع للمنفيين يصبون فيها آلامهم وعوالمهم الغريبة التي مازالت قيد الاكتشاف.
الخميس 2016/08/18
عالم غريب سوريالي (لوحة للفنان العالمي سلفادور دالي)

رواية “سييرا دي مويرتي”، للكاتب والروائي الجزائري عبدالوهاب عيساوي، هي حكاية ثلاثة غرباء، جمعهم الطريق إلى المنفى ثم المنفى ذاته، حيث نتتبع حياواتهم في الصحراء رحلتهم من معتقل في أوروبا إلى آخر بعيدٍ في صحراء أفريقيا، حيث لا شيء إلّا السماء والرمال والأساطير والآمال الزائفة. كما يعرفنا عيساوي في روايته على عوالم أولئك الغرباء، في رحلة داخل عوالم سورياليّة يتداخل فيها الأمل مع قسوة المنفى.

صوت أجنبي

نقرأ الرواية، الصادرة هذا العام عن دار الساقي، بلسان المعتقل الأسباني مانويل، الذي ترك أسبانيا عقب انتصار فرانكو، ولجأ مع غيره من الأسبان إلى فرنسا، هناك تعتقلهم حكومة فيشي وتأسرهم في سييرا دي مويرتي، لترسلهم بعدها إلى سجن عين الأسرار في جلفا في الجزائر، حيث يقيم هناك لفترة بين الفرنسيين والعرب والمعتقلين، ليصف لنا عالما مثيرا للاهتمام عن تفاصيل مرحلة تاريخيّة هامة تتداخل فيها هزائم الحرب مع معالم الاستعمار الفرنسي.

الرواية منقسمة إلى فصلين؛ في الفصل الأول تحكي المقاطع بصورة متوالية حكايتين، الأولى الطريق إلى جلفا، والثانية تفاصيل الحياة هناك، لنقرأ رحلة الثلاثة مانويل وبابلو وكورسكي إلى منفاهم عبر الشاحنات والقوارب التي كانت تستخدم لنقل الدواب، ثم القطار في رحلة طويلة إلى عمق الصحراء، إلى عين الأسرار، لنقرأ في الفصل الثاني الحياة في المنفى الصحراوي، حيث تختلف العوالم وتتباين بين الحاضر والماضي، من النضال في شوارع مدريد والحرب ضد الفاشيين، إلى صحراء لا متناهية، حيث يكتشف مانويل عوالم لا تشبه تلك التي عايشها، شعوبا عرفانية تسلم أقدارها للإله.

المرأة تحضر بوصفها كائنا غريبا عن عوالم المنفى هي غائبة عنه لكن صوتها يحمل الأمل هي ضد الوهم بوصفها حقيقة ولو بعيدة

العوالم محكومة بحكايات وأساطير بعضها لا يصدق، فحرية التنقل في المدينة التي يحصل عليها مانويل باستثناء من مدير السجن بسبب عمله كمدرس لابنـه، تتيح له اكتشاف عوالم المدينة المدهشة، أثناء ذلك تستمر مراسلاته مع زوجته، التي تعمل بالتعاون مع القنصل في الجزائر على تحريره، ليرحل وإياها لاحقا إلى المكسيك، في منفى طوعي جديد، أما بابلو فيقرر أن يقفز من على السياج الشائك ليضيع في مساحات لا متناهية من الرمال، ليبقى طيفه وذكراه حاضرين، أما الكورسكي، الذي يقع في حب فرنسية بعيدة تراسله شهريا، ينال حريته في النهاية من قبل بعثة دبلوماسيّة، حيث سينضم للجيش، قبل أن يعلم أن التي أحب قد فارقت الحياة.

حدود المتخيل

يرسم عيساوي ضمن الرواية عوالم شاسعة تتماهى فيها الخرافة مع الحقيقة التاريخيّة، فبلاد المنفى يخضع سكّانها لمعرفة ربانية، هم يسلّمون بما هم فيه للأقدار، أما الزوار الجدد فيأسرهم ذلك الإيمان القدريّ، لتصيب الهلوسات فجأة مانويل وتراوده أحلام اليقظة، إذ يرى أطفاله الذين لم يولدوا يركضون من حوله، كما يشهد جنازات وهمية وتوابيت ترمى من أعلى الجسر، هذه التهيؤات تدفعه إلى تدوين الحكايات باستخدام آلة كاتبة وجدها في مكتب الطبيب الذي أصبح صديقه، ليتحول من عرفهم إلى كائنات “نصيّة”.

عوالم يتداخل فيها الأمل مع المنفى

فالصبائحي العربي ذو الحضور الآسر يصبح أقرب إلى بطل صحراوي، كذلك اليعقوبي الذي شهد جنازته يضحي أقرب إلى عرّاف، أمّا السلّمي الذي أَسر مانويل بحكاياته فله النصيب الأكبر، وخصوصا علاقته مع الكمبودي الذي مات كمدا في المدينة لفشله في تحرير أهلها. هذه التناقضات تجعل الشخصيات كأنها في رحلة متخيّلة، فهي متشابهة فقط بكونها غريبة، بكونها في جغرافيا لا تشبهها، تتلمس حواف سحرها، إذ يقول مانويل إنه إن طالت إقامتها أكثر، فسينتهي أمرها كالطبيب الذي اختار السورياليّة كتفسير لما حوله.

تحضر المرأة في الرواية بوصفها كائنا غريبا عن عوالم المنفى، هي غائبة عنه، لكن صوتها يحمل الأمل، هي ضد الوهم بوصفها حقيقة ولو بعيدة، فالكورسكي يناطح أيامه في سبيل الفرنسية التي أحب دون أن يراها، والتي رأت فيه بطلا دونكيشوتيا حين سمعت حكايته، أما مانويل، فزوجته تخلّصه من سجنه، إذ تأتي إلى الدار البيضاء في سبيل خلق مخرج قانوني له من منفاه، وتنجح في ذلك، وكأن اسمها خلاص ويقين بين ذرّات رمال الصحراء اللامتناهية.

شعرية المقدس

الرواية مكتوبة بلغة وصفية تحمل حساسيّة عاليّة، تطغى عليها ملامح الدهشة في التعبير عن غرائبية الفضاء، وخصوصا أنها على لسان مانويل “الأجنبي” الذي يحاول فهم ما حوله، فهو في أرض مليئة بالأسرار، للمقدسّ فيها حضورٌ جوهريّ، ذو أعراض خفيّة أبرزها الصمت المسيطر على أبناء تلك الأرض، فسكانها اعتادوا حفظ أسرارهم كي لا تنتقل لعانتها عبر الألسن، هذه الحصانة ضد اليومي والدنيوي والانحياز نحو القدري، تجد نقيضها في الاحتفالات التي تقام في المعتقل، بوصفها متع “الغرباء” الدنيويّة، فالنبيذ الرخيص والسجائر والكتب هي المتع البسيطة التي تعيد الحيوية للمنفيين، أمام صمت الصحراء وسكّانها ذوي الأسرار الدفينة كأنهم مقابر متحرّكة.

14