رواية عن أسرة لبنانية تدفع ثمن الخطيئة والنزاعات الطائفية

التعامل مع التاريخ ضمن الرواية يعتبر من الشؤون التي تعتمدها تقنيات الرواية في ما بعد الحداثة، ليكون السرد النرجسي أسلوبا تتداخل فيه الحكاية مع التاريخ لتشكيل صيغة التخييل ضمن السرد، لنراوح بين حافة التاريخ وحافة المتخيّل، لتغدو الأحداث التاريخية مرجعية للسرد من جهة ومحفزة للتخييل من جهة أخرى، حتى ينتهك جمودها الوثائقي حسب رؤية من يقوم بالسرد وعلاقته مع هذا التاريخ نفسه، في روايته الجديدة “سيد المرصد الأخير” يحكي الكاتب اللبناني شريف مجدلاني قصة آل خطّار والتحولات التي مرت بهم من سادة ذوي أملاك، حتى فقدوا كل شيء بين النزاعات العائلية والنزاعات السياسية التي تعصف بلبنان.
السبت 2015/11/28
قصة أسرة من طبقة إقطاعية تلاشت أملاكها بفعل الحرب

تبدأ رواية سيد المرصد الأخير للكاتب شريف مجدلاني، والصادرة حديثا عن دار نوفل- هاشيت أنطوان ونقلتها إلى العربيّة دانيال صالح، بسارد ينقل لنا الأحداث حسبما رآها أو حسبما سمعها عن أسرة آل خطّار وأعدائها من الأُسر الأخرى، ليبدو ما نقرأه نتاج خبرته الشخصية، أي ما شهده هو، أو ما سمعه من أقاويل وأحداث.

والحدث الأول الذي تفتتح به الرواية السرد هو اختطاف سيمون ابنة شكيب خطّار من قبل ابن وكيل أراضيه، حميد شاهين، الذي ارتكب فعلته هذه بموافقة سيمون نفسها، ليعيد إحياء تاريخِ طويل من العداء بين الأسرتين، والمرتبط بتكوين الإقطاعية اللبنانيّة والتحالفات السياسيّة، خصوصا في مناطق المسيحيين ببيروت الغربيّة، حيث يستدعي السارد تاريخ آل خطّار وأعدائهم، وصعودهم نحو الثروة، ثم تشتت كل واحدة من هذه الأسر وضياع هيبتها، إما عبر الخلافات العائلية أو الضغوطات السياسية، وخصوصا ضياع اسم عائلة خطّار بسبب عدم وجود أحد كفء ليحمل إرث أسرة شكيب خطار، سواء من أبنائه أو أصهاره.

أكاذيب وتحايلات

بعد خطف سيمون يستعيدها شكيب خطار، لتنكشف علاقة غرامية كانت تجمع بين شكيب ولمياء والدة حميد، ليتبين لنا أن سيمون وحميد أخوان. الحقد الذي تمتلكه لمياء تجاه شكيب ونبذه لابنه غير الشرعي، لا يلبث أن يتحول إلى لعنة في نظر شكيب، الذي مع التغيرات السياسية واشتعال الحروب في المنطقة ثم الحرب الأهلية في لبنان، والوجود السوري الذي يتضاعف نفوذه ثم ينهار، إضافة إلى انحلال أسرته وعدم اهتمام أفرادها بالجاه الذي لديه وضياع ثروته تدريجيا، لنراه في نهاية الرواية مسجىّ ميتا في بيته بالمرصد، تاركا ثروته التي جمعها بنهب الفقراء وتشغيلهم لديه، تعود إلى ابنه غير الشرعي حميد، الذي يكتشف حين كانت أمه على سرير الموت أنه وسيمون ليسا أخوين، بل هي أكذوبة استمرت لمياء بها لسنوات، جاعلة شكيب خطار يغرق في الذنب من جهة، والصراع من أجل الحفاظ على اسمه الذي تبدد، لنقرأ أن ثروته انتقلت إلى شخص ليس من لحمه ودمه، وحكايته التي كان يأمل أن تتناقلها الألسن، تنقل على لسان سارد لا يمت له بصلة، بل حتى أنه أيضا عدوّ لأسرته.

في الرواية نقف أمام لغة شعريّة تنكشف فيها الشخصيات بسلاسة وكأن السارد قريب منها جدا

يتميز السارد في سيد المرصد الأخير بسعيه إلى إعادة تكوين التاريخ عبر المخيّلة، ليتداخل الحدث التاريخي مع الحدث المتخيّل، فهو يشكك في ما يرويه، ومأساة الأسرة التي قد نتعاطف معها في البداية تكشف أثناء السرد وحشية الصراع الطبقي، وطغيان الشغف من أجل الحفاظ على اسم العائلة على حساب حقوق العاملين لدى آل خطّار، لتأتي الحروب والصراعات التي عاشها لبنان لتقضي على هذا الجاه، لنرى طبقة إقطاعية هشة ذهبت أملاكها بفعل الحرب، والتي كانوا قد استفادوا منها كتجار حرب، لينتهي بهم الأمر تحت حكم قادة الميليشيات وسلطتهم.

الحكاية والتاريخ

تستند الرواية إلى وعي تاريخي، يجعل القارئ يقف أمام عينة يمكن أن تشكل نموذجا لتكوّن لبنان سواء حسب تقسيماته الطائفية أو السياسية أو الجغرافية، فتداخل المال والسلطة والجاه، يكشف عن جوانب عمل السياسة في لبنان، بالرغم من أن القصص التي يتناولها السارد شخصية وعائلية إلا أنها تختزن طبيعة الصراعات في هذا البلد، فالصراع يحمل في طياته الاختلافات الدينية والسياسية، والتي تؤثر على الحياة الشخصية للأفراد والأسر.

نقف في رواية سيد المرصد الأخير أمام لغة شعريّة، تنكشف فيها الشخصيات بسلاسة وكأن السارد قريبا منها جدا، إذ يقتحم دواخلها، والتشكيك الذي تحدث عنه عند رواية القصص المرتبطة بالأُسر وعلاقاتها وخلافاتها الداخلية، يدفعنا حتى إلى التشكيك في روايات الحدث التاريخي، فالوثيقة الرسمية لا تحمل نفس الحساسية التي يقدمها السارد، فهو بشر من لحم ودم، ذو عواطف، ورؤيته في بعض الأحداث، تجعلنا نميل أكثر نحو تصديق الرواية/ الحكاية أكثر من الوثيقة التاريخية.

حضور القصة الشعبيّة أو الأسطورة الشعبية واضح في الرواية، حيث تلعب دورا في تكوين المخيّلة الجمعيّة تجاه هذه الأحداث، وهذا ما لا نراه في الوثيقة التاريخية التي تتحدث عن ذات الفترة إن وجدت، فالرواية هنا تلعب دورا في تغيير حساسية القارئ نحو تلقي التاريخ، فلبنان المليء بالصراعات نقرأه عبر خطاب الأقوى، لا عبر خطاب المهمش المتمثل في السارد هنا، بوصفه صديقا للأُسر المُتصارعة، والحكاية التي يرويها تبدو في حدّ ذاتها أٌقرب إلى الحكاية الشعبية، وخصوصا في النهاية الرومانسية التي نرى فيها السارد إلى جانب حميد حيث تتكشف كل الحقائق، منها كذبة لمياء حيال حقيقة والد حميد، وكأن الحقد الشخصي للمياء لعب دورا في تغيير التاريخ الطبقي ومحو اسم الأسطورة الإقطاعية التي يحملها آل خطّار.

16