رواية عن جنون الجغرافيا والاحتلال والمجتمع الذي لا يرحم

الاثنين 2015/01/26
الرواية تكشف أجمل لوحات التمرد على الواقع في عالم المجانين

يرسم الكاتب والأديب الفلسطيني أسامة العيسة، في روايته “مجانين بيت لحم”، الصادرة عن “دار نوفل للنشر”، ببيروت، بريشة أدبية أَجمل لوحات التمرّد على الواقع المألوف حين يخرج المجانين من عَنابرهم وأقسامهم في “دير المجانين” ويقَدمهم لجمهوره تَحت لواء عَميد الجنون في فلسطين عجيل المَقدسي آتيا به من بطن التاريخ.

يفتتح الكاتب روايته بـ”احتراز” جاء فيه: “في هذه الرواية- الشهرزادية، مثل ما في الروايات الأخرى قليل من الحقائق، كثير من الخيال، وثرثرة.. تماما مثلما هي الحياة” وفي “الشهرزادية” هذه اعتراف من الكاتب بأنه يكتــب حكــايات على غرار ألف ليلة وليلة.

وفي مدخل الرواية يذكر: “ولكن هذا لن يمنع القارئ من المطابقة بين الراوي والمؤلف، ولن يسبب لي ذلك أيّ حساسية ولن أجهد لنفي ذلك”. كَجنون أسامة حينَ خَطّ مَلحمة الجنون لم أر في حياتي أيّ جنون، أيّة رواية هي هذه يا صاحبي؟ بل أيّة أسطورة هي التي نشرتها.

المجانين في أسطورة العيسة “أولاد ناس” كما يقول المثل، وفوق إنسانيتهم يقدّم العيسة جنون الحياة والواقع المرير وجنون الجغرافيا والاحتلال والمجتمع الذي لا يرحم، في محاولة من الأديب لتبرير جنونه.

هل كنتُ مَجنونا وأنا أقرأ لك يا صاحبي حتى خلتُ أنك تعنيني حين تلاحق حكايات مجانينك. أما أن لوثة الجنون التي أصابت الختيار ومن قبله الإمبراطور ومن تعامل مع مجانينك وصلت إليّ عبر أسفار روايتك!

ينفرد الأديب الصحفي أسامة العيسة بأسلوبه وأدبه ليقدّم لنا مجانين بيت لحم بنكهة الأدب والتاريخ والتقرير الصحفي وروح الإثارة والمغامرة، كلّ ذلك ليضعنا في مشهد من الحياة لا نفهمه ونحرص على تجنبه.

ففي روايته الفريدة موضوعا وأسلوبا يحاول الكاتب أسامة العيسة إدخالنا إلى دير المجانين مرورا بمخيم الدهيشة الذي يقطنه اللاجئون، المخيم الذي ارتبط اسمه بالجنون فلسطينيا “لازم نوديك ع الدهيشة”.

هذا الدخول الذي يقودنا إليه الكاتب يبدأ بسرقة عقولنا تماما كما يفعل الضبع بفريسته قبل التهامها، يسرق أسامة العيسة عقولنا لنعيش أسرى داخل عالم المجانين، نشعر بأننا جزء من عالمهم، نراهم نحاكيهم نعيش تصرفاتهم وغموضهم، ويقلقنا ما يقلقهم، ويصيبنا الفزع لمصيرهم، غير أن روعة الأدب ونكهة التاريخ وفن السرد الذي يتقنه الكاتب يردّ إلينا عقولنا ولا يتركنا هناك فريسة الجنون. المجانين كما عند مؤرخهم أسامة العيسة لغز لن تفهمه حتى تطالع روايته وتعيش أجواء الجنون في ديرهم الكائن ببيت لحم.

خلاصة القول، تحكي "مجانين بيت لحم" عن وطن المجانين الفعلي، وناسه. هي ترمز إلى الوطن الذي يتآكل تحت وطأة التغيّرات السياسية التي تعصف به.

تقتحم موضوعًا يكاد يكون بكرًا في الأدب العربي الحديث، وتقدّم الفلسطينيين كما هم، بشرًا، من دون نبرة خطابية ولا مناجاة غنائية. رواية جديدة ليس فقط في موضوعها، ولكن أيضا في اقتراحها شكلا يناسب المضمون.

وأسامة العيسة كاتب وروائي فلسطيني، صدر له العديد من المؤلفات منها رواية "المسكوبية" و"مخطوطات البحر الميت" و"انثيالات الحنين والأسى" و"الطريق إلى عمانوئيل" و"كم طلقة في مسدس الموساد" و"من خان آيات الأخرس" و"وداعا يا دنيا".

14