رواية فانتازية تقدم منظورا جديدا للعالم

تقتحم الرواية كافة جوانب النشاط الإنساني والثقافي، إذ نراها مثلا عبر تقنياتها المختلفة تغوص في التاريخ وتعيد قراءته وإنتاجه وخصوصا حين تعتمد على الوثائق التاريخية سواء أكانت حقيقة أم متخيلة، وهو ما يكسبها دورا نقديا تقدم من خلاله رؤية مغايرة ومختلفة عمّا هو رسمي، وتكون بذلك تشكيكا في الحاضر والماضي وما نعرفه عنهما، إذ نراها تلجأ كفن إلى تقنيات التاريخ نفسه وأساليب توثيقه، لتقدم حبكات متطورة تكشف المخفيّ والمسكوت عنه في ما هو رسميّ والمتواري بعيدا عن الحكايات الشعبية التي طمستها المؤسسة الرسمية.
السبت 2016/08/13
رحلة فانتازية في عالم غريب (لوحة للفنان العالمي شون ثورنتون)

يرسم الكاتب الجزائري سمير قسيمي في عمله الجديد الموسوم بـ”كتاب الماشاء هلابيل.. الرواية الأخيرة” حبكة الرواية على طول التاريخ قديما وحديثا، ليقدم لنا رواية عن سرّ مقدّس ضائع، أمسك خيطه مستشرق فرنسي يتتبعه لينقله لنا نحن الآن. فقسيمي يترك شخصياته تتجلى أمامنا عبر وثائق تاريخية ومخطوطات نقلت بسرية عبر الأجيال لنصل في النهاية إلى ما لا يتوقع، إذ نقف جنبا إلى جنب مع الراوي في رحلة الاكتشاف للوصول إلى السر الأعظم الذي بقي مخبأ منذ بدء الخليقة. وهي مغامرة نقرأها في رواية قسيمي، حيث ننساب مع الشخصيات والمفاجآت التي تخبئها، حيث يغدو المتخيّل متماسكا حد غواية التصديق الكليّ بوجوده.

التاريخ السري

يلجأ قسيمي إلى حبكة بوليسية في بناء الرواية الصادرة بالجزائر عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وعن دار المدى العراقية. فالحقيقة تتكشف شيئا فشيئا لنصل إلى السر المخبأ.

وهذه الاكتشافات نقرأها عبر عدد من المخطوطات التي تقع تحت يد المؤرخ جيل مانسيرون والتي تركتها له صديقته المؤرخة ميشيل وذلك قبل أن تموت في أحداث الباتكلان بباريس.

وهنا يلعب قسيمي بالزمن ضمن الرواية لننتقل بين الآن وبين القرن التاسع عشر، إذ تتداخل الشخصيات والعلاقات بينها لتتكشف حقائق جديدة مع كل مخطوط جديد.

ويبدأ الأمر بعامل في الأرشيف لتنطلق الحكاية مع ميشيل وبحثها عن المستشرق الفرنسي سيباستيان دي لاكروا، الذي طرد من الأكاديمية الفرنسية وحذفت كل أبحاثه، لكن مع المخطوطات التي وصلت لمانسيرون نكتشف ما هو وراء التاريخ والمراسلات الرسميّة التي يستعرضها قسيمي في البداية، والتي تبيّن دور المؤسسة وصرامتها في رفض من يحاول كشف أسرارها وتهميشه، إذ أن الوثائق التي يحصل عليها هي نتيجة جهود ميشال الشخصية والخفيّة، حيث نقرأ فيها حياة دي لاكروا وعمله كمترجم قبل وأثناء غزو الجزائر، ثم ما شهده من مذابح قام بها الفرنسيون، ثم هربه وتعرفه على جماعة من المتصوفة عاش بينها وتزوج هناك وأنجب ذريّة ثم رحل.

"كتاب الماشاء".. حبكات متطورة تكشف المخفي والمسكوت عنه

ونغوص أكثر في المخطوطات التي اكتشفتها ميشيل ضمن حبكة بوليسية لتأخذنا إلى الصحراء الجزائرية عبر حياة دي لاكروا نفسه وما حازه من علم وترجمه إلى الفرنسية من أسرار المنطقة، وحصوله على مخطوطات البحر الميت المكتوبة باللغة الثمودية التي اطلع عليها وذهل لمحتواها، ليتحول بعدها إلى حلقة ضمن سلسلة طويلة من حافظيها الذين نقرأ أيضا حكاياتهم في الرواية عبر الشهادات والتسجيلات.

ينتقد قسيمي في الرواية المؤسسة الاستشراقية والحوليات التي كانت تكتب وتصف شعوب المنطقة التي احتلتها فرنسا، والتي ترسم عوالمها بما يخدمها وتخفي علومها ومعارفها، بل حتى تحارب موظفيها أنفسهم في حال كتبوا الحقيقة، وهذا ما يتمثل بدي لاكروا الذي فصل من الأكاديمية الفرنسية، وتم التعتيم على ما كتبه، لتبقى شهادته تتناقل سرا وتحفظ مع من عرفوه، وهي الشهادات والمخطوطات التي نقرأها.

وهذه الشهادات نراها تكشف عن حقائق أخرى تتجاوز مذكرات المستشرق المنفي، بل وتحكي عن سلالة من المتصوفة حفظت السر الأعظم الذي تحويه مخطوطات من البحر الميت تكشف اسم الله الأكبر، لنجد أنفسنا في نقلة نحو تاريخ الشرق السحري، نحو متصوفة وحَضرات سريّة تقام في الصحراء لتمجيد هلابيل، ابن آدم وحواء الذي ولد بين السماء والأرض، لنقرأ الحقيقة التي تمتلكها تلك الطائفة ورسُلها وتقمصاتهم حتى الآن.

لغز النار

تستفز حبكة المغامرات التي بناها قسيمي القارئ أكثر للغوص في الرواية واكتشاف سر “كتاب الماشاء” ومن هو هلابيل والمصير الغريب لكل من حملوا هذا السر، حيث أننا نجد أنفسنا أمام أسفار مقدسة ورؤية للعالم تختلف عن تلك التي تقدمها الرواية الدينية التقليديّة، والجهود التي بُذلت للحفاظ عليها وتناقلها في سبيل إطلاقها للعلن، لنقرأ نصوص مخطوطات قديمة تحمل مواصفات النصوص الدينية بإيقاعها وبنائها وعلاقتها مع الشخوص الدينية والتحولات التي طرأت عليها ضمن “السرد” الجديد إلى جانب بنية جديدة للكون وسَيره من وجهة نظر مهمشة أخفتها الديانات الأخرى.

وما يزيد من التساؤلات المطروحة هو المصير الذي تنتهي إليه شخوص الرواية التي احترق كل واحد منها في حادث ما، فالنار الطهرانية التي تبشر بها المخطوطات تمس وتطهّر كل من حمل الأمانة، وكأنها الطريق للخلاص في سبيل بقاء السرّ محفوظا للأبد.

ويورط قسيمي القارئ في روايته الجديدة بصيغة أشبه بالتلصص وكأننا نقرأ ما هو ممنوع ونراود ما فيه بالخفاء ونطارد بالتلويح والإشارة سرا عظيما، يراوح بين الظهور والاختفاء، ليتركنا قسيمي مشدودين إلى كل سطر، وخصوصا أن زوايا التلصص مختلفة، إذ نقرأ مراسلات رسمية ثم اعترافات، فشهادات مسجلة، ثم يوميات كتبت بخط دولاكروا وغيرها من أنواع الوثائق، لنقف أمام فسيفساء معاصرة، تتداخل فيها الوثائق والحقائق المتخيّلة والواقعية لترسم صورة السر الأعظم، وهي حقيقة اسم الله الأوحد، ذلك الذي بقي في الباطن منذ البداية ولم نشهد إلا تجلياته.

16