رواية فانتازية عن الحياة اليومية داخل أسوار مقبرة

تتفنن العديد من الأعمال الأدبية في وصف الجرائم وتحليل نفسية المجرم الذي يصبح فريسة كوابيس تفتك به، ويقتله شعوره بالذنب وأنّه ارتكب جريمة يجب أن يعاقب عليها، وينوس بين الجريمة المفترضة وعقابها المتخيّل، ومن هذه الأعمال نذكر”الجريمة والعقاب” لدويستويفسكي، ورواية “ملعون دويستويفسكي”، لرحيم عتيقي، و”العطر” لباتريك زوسكيند، والجامع بين هذه الروائع هو أنّ الذنب المتعاظم في الأرواح يتعقّب أصحابها في حلّهم وترحالهم، في صحوهم ونومهم، وفي كلّ مكان ينتقلون إليه.
الجمعة 2016/09/16
جريمة مفترضة وعقاب متخيل (لوحة للفنان مؤيد محسن)

يستنطق الكاتب السوري وليد السابق في روايته “أصل العالم” الأشخاص والأشياء معاً ويبحث عن معنى للوجود في ظلّ الإجرام الطاغي والدمار المعمّم، ويختار صيغة الراوي العليم لينقل مفارقات مكان مشوّه المعالم وأناس ممحوّي الملامح في لعبة الحياة التي تجري داخل أسوار مقبرة كبيرة يسكنها أناس تتساوى لديهم الحياة والموت، مقبرة هي مدينة الأحياء الأموات.

يحاول السابق، وهو روائي سوري مقيم في كندا، في عمله الأوّل البحث عن عدالة مغيّبة، وعن إنصاف غير مقدر عليه، يجتهد للوصول ببطله إلى حقائق الأشياء، لكنّه لا يوصله إلّا إلى حتفه الذي يكون خلاصه من قيود الواقع التي تكبّله، يكون كمن يبحث عن المساواة وسط أكوام من الخراب والطغيان والعداء والاستعداء. ويبحث عن أسئلة ما فتئت تشغل البشر في مختلف الأزمنة والأمكنة، من قبيل: من نحن؟ من أين جئنا؟ إلى أين نمضي؟ ما حقيقة هذا العالم؟ ما هو أصل الكون؟

فلك الحيرة

يقرّر يوسف بطل الرواية، الصادرة عن دار “الآداب”، التمرّد على واقعه، يمضي في رحلته الأخيرة نحو النهر، يرى نهايته المحتومة التي يختارها، يسترسل في النبش في عتمات ذاته ومدينته، يترك المقبرة التي يرقد فيها أموات المدينة، يهجر المدينة، مدينة الأشباح أو الأموات، التي يخيّل إليه أنّه يحرسها، ويهرب منها في الوقت نفسه، ليلقي بنفسه في النهر.

يجوب أحياء المدينة وحاراتها هربا من أوهامه وكوابيسه باحثا عمّا يخرجه من قاع الضياع الذي يجد نفسه هائما فيه، ينتقل من ضفّة إلى أخرى، يقتفي آثار الموتى ويتقصّى أحداث ماضيهم، يقتحم قصورهم التي خلّفوها وراءهم عساه يعثر على إجابات تهدّئ روعه، لكنّه يظلّ في فلك الحيرة والضياع سائرا إلى نهر الموت الذي ينقذه من شتاته وتبدّده.

البطل يحمل جريمته التي يتوهم أنه اقترفها بحق أحدهم يهرب من ظله المرعب له تكون خيالاته كشياطين تبقيه غريبا عن نفسه

يحمل يوسف جريمته التي يتوهّم أنه اقترفها بحق أحدهم، يهرب من ظله المرعب له، تكون خيالاته بمثابة شياطين تداهمه وتبقيه غريبا عن نفسه، واقعا في مستنقع من اليأس والتخبّط، يكتشف أثناء تجواله حقائق عن المدينة التي هي صورة للمقبرة، يلتقي مع ذاك الذي يفترض أنّه كان قد قتله، يتبادل معه نقاشا محتدما، يكون القاتل والقتيل في مواجهة ميدانيّة كأنّها قيامتهما المفترضة.

يبحث يوسف عن هوية يستخرجها ليعيد تعريف نفسه، أو اكتشافها، يسعى للانسلاخ بطريقة ما عن مكانه وزمانه، يقع في فخّ الحيرة ورعب الأجهزة الأمنيّة، يحمل أساه كأنّه يحمل صرّة مآسيه ويهرب بها، ولا يكاد يهدأ في مكان حتّى يسارع بالهرب إلى آخر، وكأنّ هناك مَن يتعقّبه أو يطارده، في حين أنّه يكون طريد أعماقه وكوابيسه.

يتعلّق يوسف بصورة امرأة خارجة من لوحة القصر، أو هاربة من لوحة المدينة المقبرة، يتوهّم أحداثا كثيرة معها، يخطّط للاقتراب منها، تكون بمثابة نافذة الضوء تنتشله لوهلة قصيرة من نفق أحزانه، لكنّه لا ينفكّ يضيّق على نفسه دائرته الحياتيّة ليقتصر تواصله معها على محاولات خجولة تضاعف همومه ولا تخفّف من ضياعه أو أساه.

يكون بطل الرواية مسكونا بثنائية الثراء والفقر، يتحدّث بمنطق الفقراء وينظر بمنظارهم إلى الأثرياء وواقعهم وحياتهم وقصورهم، يعتقد أنّهم يستحقون عقابا بمعنى ما، وأنّه معاقَب بدوره بالفقر، لكنّه لا يرضخ لنداء اللعنة في داخله، ولا يودّ الإقدام على ما يتنافى مع أفكاره المتمثّلة بالبحث عن عدالة مفقودة، أو عن عالم متخيّل محلوم به.

عالم منهار

يشتغل الروائي على بناء الشخصية من الداخل، يصوّر عالم بطله المنهار المفكّك، وكيف أنّه يظلّ سجين واقعه وصراعاته التي لا تهدأ، وبحثه الدائم عمّا يطفئ نيران أحقاده على ذاته وشعوره الكارثي بالذنب تجاه العالم الذي يحيا فيه، ومسعاه للخلاص بطريقته التراجيدية التي لا تتجاوز كونه خبرا مؤقّتا عرضيا في حركة المدينة الرتيبة.

رحلة أخيرة نحو نهاية محتومة

يصور الروائي نهايات يوسف، يتتبّعه وهو يغادر البوابة نحو الطريق، لا ينتبه للمرأة نصف العارية أمام البوابة تنظر إليه حتّى يختفي، يبكي في شوارع الليل، يبكي حياة قتلها في رجل فقير قرب سوق البلدة القديمة، وحياة لم يحيها في جسد امرأة. يبكي حياة بقي فيها طوباويا حتى اللحظة الأخيرة. حياة مرت وغابت فوق سطح هذا الكوكب، ولم تترك أثرا وإن فوق الرمال. يبكي تفاحا لم يقضمه في الجنة صحبة المرأة والخطيئة والأفعى.

يتساءل الراوي وهو ينتقل بين عالمين: عالم الجوع وعالم التخمة، عمّا يسمّيه بالفصل بين البشر في صفوف، تحت عين السماء التي لا تلتزم بالتعاليم التي توصي بها، يقول “تأمرنا بالعدل والإنصاف ولا تؤتمر. أو نحن من نأمر أنفسنا بعد أن سلّمنا زمام عقولنا، في غفلة منها، للمجهول”.

يناجي المياه وهو يرى صورته الغائمة فيها، كأنّه أمام جرحه الغائر، ينادي مستصرخا: أيتها المياه القدسية، أين هي المنابع الأخرى، تلك التي يولد فيها الإنسان حرا مشاعا، كالغابة والقطيع والأشجار، تلك التي لا يفني الإنسان حياته يبحث فيها عن الحقيقة، والحقيقة أقرب إليه من جفنه وأبعد عنه من نهر المجرّة؟ ويخاطب نفسه أنّه سيدفع حياته ثمنا لجرم لم تقترفه يداه، ويصف الحياة بعبث تكمّله لا جدوى، لا خلاص. ثم تراه يرمي بنفسه في النهر، تستقبله المياه الباردة كصديق قديم أرسلته في العمق، قبل أن تدفعه إلى حياة أخرى، إلى ما يسمّيه بالفناء النهائيّ الأخير. ويتماهى مع الحالة ويغوص فيها مفترضا لو أنّنا نفهم لغة المياه والنهر لسمعنا شيئا كهذا. لقد جاءنا زائر جديد. مسافر جديد في الرحلة نحو اللاشيء، في الرحلة العبثيّة الدائريّة التي لا تنتهي. مسكين هذا الكائن.

يفترض المشهد التالي عملية الانتحار المفترضة، وكيف أنّ الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم صباحا سيرون “جثة رجل تطفو فوق صفيح الماء الأزرق. تطفو على ظهرها وعيناها نحو السماء، نحو سماء خلقته مشاعا حرا في أزمنة سعيدة، قبل أن تدجّنه الحياة، وتدفعه رقما في القطيع”.

يبقي الروائي اسم المدينة مغيّبا، لا يحدّد مدينة بعينها، يكتفي بالإشارة إلى وجود نهر فيها، بالإضافة إلى بعض المعالم التي تكاد تكون مشتركة بين الكثير من المدن في الشرق والغرب، كما أنّه يبقي الزمان عائما أيضا غير محدّد، بحيث يكون التركيز على الزمن الداخلي للشخصيّة التي ترتحل بين أزمنتها في الحاضر والماضي والمستقبل، تتخيّل ما كان وما يمكن أن يكون، تكون الأوهام في تبادل مع الأحلام لرسم ملامحها المحتجبة خلف لوحة ضبابيّة.

14