رواية فرنسية جديدة عن المجازر العرقية في رواندا

عديدة هي المجازر التي سجلها التاريخ، في معظم أنحاء العالم، والتي ارتكبت في حقّ الأقليات، وكثيرة هي مشاهد القتل البشعة التي تطالعنا بها وسائل الإعلام، وفي حقيقة الأمر فإن هذه المجازر المروعة تركت آثارا نفسية واجتماعية وأخلاقية وسياسية ووطنية وأدبية، وحركت مشاعر ومهجا وأقلاما للكثير من الكتاب، فكتبوا عن تفاصيل تلك المجازر، وأوجاعها، في نصوص، وبيانات استنكار وروايات.
الثلاثاء 2015/10/13

في روايته الجديدة الموسومة بـ”أب من دم”، والصادرة حديثا عن دار “غاليمار”، يعود الكاتب الفرنسي جان هاتزفالد مجددا إلى رواندا ليقدم صورة أخرى عن المجازر التي شهدتها عام 1994.

وفيها يكتب: الإبادة العرقيّة أصبحت موضوعا مألوفا لديّ. وأنا أعلم شيئا عن حياة الآباء، وأرغب دائما في أن أعرف اكثر. الأب يركض في غابة “كويمبا”، وينزل من المنحدرات مثلما يفعل آخرون. يتمدّدون في الحفر، ويسيّجون بالشوك أرجلهم الحافية. وهم يلقون بأنفسهم في الأحراش لكي يستمرّوا في الحياة.

كلّ صباح، الذين ينهضون من دون أن يكونوا مصابين بأمراض، يجهدون أنفسهم لكي يصمدوا حتى المساء. في الليل يأكلون الموز والمانجويات النيئة. ومن مياه أمطار الفصل الممطر يشربون. وقد جمعت بعض الإيضاحات. فارّون بالآلاف صعدوا إلى الأعلى، وعشرون منهم فقط نزلوا من هناك أحياء.

الله الغفور الرحيم هو الذي أنقذ الأب. وليس القوى الخارقة، ولا قدماه، ولا قلبه الصلب، وإنما الحظ بأن يقوده الله خلال تعرّجات هروبه. والأب يروي جيّدا قصته الحزينة. والأم أيضا. وهي تتحدث بصوت خافت ولا ترغب في إعطاء نصائح أو دروس مثلما يفعل الرجال. ويتحدث الآباء بأصوات هادئة، مخفين مشاعرهم عن أبنائهم. وأصعق حين أعلم أن حياتهم أقسى وأكثر مهانة من حياة الحيوان.

"أب من دم" سرد موجع وصور لأشلاء مبعثرة

تصادم التاريخ

في حوار أجرته معه جريدة “لوموند الفرنسية ” في عددها الصادر يوم الجمعة 4 سبتمبر 2015، قال جان هاتزفالد إن الأطفال لا يرغبون في معرفة ما حدث بالضبط خلال تلك السنوات السوداء، وحتى وإن رغبوا في ذلك فإنهم لن يحصلوا على ما يشفي فضولهم. فمن الصعب أن يتقبل الطفل أن والده كان قاتلا.

لذلك يركن الأطفال إلى النسيان، ولا يرغبون حقا في الكشف عن الحقيقة المروّعة. وكانت حنة آراندت قد أشارت ذات يوم إلى أن الأب يمكن أن يكون قاتلا وفي نفس الوقت رجلا طيبا وصاحب أخلاق عالية. وهذه ما أثبتته سير القادة النازيين.

ويضيف هاتزفالد قائلا: بعد مرور عشرين سنة على المجازر العرقية، قرأت العديد من التحقيقات التي تشير إلى أن الأطفال يريدون أن يطووا الصفحة، ويرغبون في بناء رواندا جديدة. وأنا لم أصدق ذلك مطلقا.

ففي العاصمة كيغالي، يمكن إخفاء الهوية الإثنيّة. أمـا في الأريـاف فالوضع مختلـف. لكـن هنـاك استثناء: الفتيـات جازمات على عدم الزواج من “هوتـي”. وهن لا يرغبن في إيذاء عائلاتهن. مرعب إرث العائلات من الجانبين. وشبان “التوتي” محرجون من مراوغات “الهوتي” الـذين يزعمون أنهم لا يعرفون شيئا عما اقتـرفه آبـاؤهم.

وهم لا يتحملون هذا الجهل. وأما “الهوتي” فمحرجون من الاتهامات الموجهة إليهم. لذلك كل شقّ يتحاشى الخوض في الماضي.

تسجيل الحكايات

يشير هاتزفالد إلى أنه اعتمد على ما سمع من حكايات، وأنه سجل في روايته ما سمعه، وما عاينه من خلال التحقيقات التي أنجزها. بل إنه حافظ على نفس العبارات التي استعملها من تحاور معهم من الرجال ومن النساء، ومن الكبار والصغار.

وقد أمضى وقتا طويلا في البحث. وكان دائم التردد على كيغالي، وعلى مناطق أخرى مسجلا بدقة خواطره، ومعدّا أسئلة لطرحها على من التقى بهم. وقد قرأ العديد من الكتب والتحقيقات.

هاتزفالد يشير إلى أنه اعتمد على ما سمع من حكايات وأنه سجل ما سمعه وما عاينه من خلال التحقيقات التي أنجزها

ويضيف هاتزفالد قائلا: خلال سنوات عدة، عرفت الكثير عن الأكاذيب، وعن اختلال الذاكرة. وكانت جانيت أول من التقيت بها وأنا أعدّ نفسي لتأليف أول كتاب عن المجازر في رواندا. وكانت آنذاك في السادسة عشرة من عمرها. وقد طلبت منها أن تخبرني عن المدة الزمنية التي أمضتها في المستنقعات. فأجابتني: “ستة أشهر”.

وهذا أمر مستحيل. والحقيقة أنها أمضت هناك ستة أسابيع فقط. وهي تتذكر أن الوقت كان بطيئا جدا، ويبدو بلا نهاية. كما أنها تتذكر كيف قطع جسد والدتها إلى أجزاء أمام عينيها، وكيف فقدت أختين لها. وبعد كل هذه المآسي، كان من الطبيعي ألّا تجهد نفسها لمعرفة الوقت الذي أمضته في المستنقعات. وخلافا لحروب أهلية مثل حرب لبنان أو حرب البوسنة حيث يأتي يوم نشعر فيه بأننا استكملنا عملنا ولو يعدّ هناك جديد، يبدو لي أن مجازر رواندا تحتاج إلى المزيد من التحقيقات ومن البحوث، والأسئلة حولها لا تزال مطروحة.

ومع مرور الزمن تتغير النظرة، وتختلف التحاليل، ويختفي أشخاص، ويفقد آخرون الذاكرة. لذلك أنا أحب العودة دائما إلى هناك خصوصا إلى “نياماتا”. فأنا أحب شارعها الكبير، والكاباريهات الصغيرة، والهضاب الزرقاء والغبراء، ويستهويني أن أتجول هنا وهناك، وأشرب البيرة، وألتقي بأشخاص.

14