رواية فرنسية عن أرواح عذبتها الحرب في الجزائر

تترك المآسي والحروب شروخا هائلة في الذات الإنسانية، وكلما خاض المرء فيها أكثر، ازدادت هذه الشروخ، لنقف أمام هذه الذات متسائلين عن مدى إنسانيتها، كم من القتل على أحدهم أن يمارس كي يفقد لفظ الإنسان معناه، فالويلات التي يمكن أن يشهدها المرء أو يمارس دورا فيها تعيد التساؤل عن مفهوم الإنسان، وقدرته على الاحتمال، وفي ذات الوقت حدوده المتوقعة قبل أن يفقد السيطرة، لتأتي الرواية حينها لتختبر هذه الحدود البشرية، وليطرح التساؤل؛ إن كان ما نقرأه حقيقة وكنا في مكان إحدى الشخصيات، هل سنفعل ما ستفعل؟ هل سنبقى “إنسانا”، أم أننا ككائنات بشرية حقيقية نختلف عن تلك المتخيّلة؟
السبت 2017/03/11
المرء أسير ما ارتكبه (لوحة لجان-أدولف بوس)

نالت رواية “حيث تركت روحي” للفرنسي جيروم فيراري شهرة هائلة في فرنسا حين صدرت عام 2010، وحصدت عدة جوائز أشهرها جائزة تلفزيون فرنسا لأفضل رواية، وفيها يحكي لنا فيراري قصة عن السجون في الجزائر والاحتلال الفرنسي لها، وجلسات التعذيب والإعدام، إلى جانب عذابات واعتقالات تمتد في جغرافيات متعددة يجمعها القهر والرعب، راسما صورة ألوانها الأشلاء والعذابات البشرية، مختبرا قدرة الذات البشرية على التماسك أمام الألم قبل الانهيار، هذه التجربة المظلمة في الأقبية ولحظات الموت المحتمل نقلها لنا إلى العربية مؤخرا محمد صالح الغامدي وصدرت عن دار “مسكيلياتي” في تونس.

ميوعة الزمن

تحكي الرواية قصة الضابطين هوراس أندرياني وأندرية دوغورس وما شهداه في الجزائر بوصفهما منتدبان إلى هناك، حيث يتم إلقاء القبض على طاهر، أحد زعماء جبهة التحرير الوطني، ليتم إعدامه لاحقا، وبالرغم من أنه مطلوب للعدالة لما ارتكبه إلا أن الهالة المحيطة به تجعل النقيب دوغورس يعجب به، فهو في رأس قائمة المطلوبين، وكأن هناك رغبة لدى دوغورس في أن يتعرف أكثر على عدوه إلى درجة أنه يخون ذاته وبلده ويتعرض للمحاكمة، حسب تعبير الراوي.

تداخل الزمن في الرواية وانفصام الراوي الذي يتحدث بعد عدة سنوات من وقوع الحادثة يجعلان ضبط الحكاية صعبا

وبالرغم من أن طاهر ورجاله ارتكبوا مجزرة في بيت بغاء، نقرأ وصفها الدموي والصدمة التي ألمت بالجميع من مشهد البغايا المكوّمات لحما فوق لحم، إلا أن النقيب يريد أن يعرف طاهر أكثر، بل إنه يشعر بالخيبة أن الأخير لم يسأل أو على الأقل يرسل له برسالة حين إعدامه، إلا أننا نكتشف لاحقا على لسان الراوي أندرياني أن طاهر أراد أن يقول شيئا لدوغورس، إلا أن أندرياني رفض سماع ما يريد قوله، وتركه معلقا على حبل المشنقة.

لا يمكن تلخيص حكاية الرواية بسهولة، إذ نحن نقرأ عدة أزمنة تراوح بين الخمسينات وبين المستقبل، يحكي فيها أندرياني الويلات التي شهدها إلى جانب دوغورس، الذي سُجن عدة مرات في فرنسا وفي الهند الصينيّة، لنقرأ حياته المليئة بويلات الحروب ومآسيها،فالأخير تعرض للتعذيب عشرة أيام على يد الألمان كي لا يشي بصاحبه الذي كان قد اعتقل بعده بساعة دون أن يعلم.

شخصية دوغورس مشحونة بالتناقض، هو الإنسان على حافة الانهيار، الذي يخاطبه أندرياني طوال الرواية، ويحكي بلسانه أحيانا، حتى بعد أن زار أندرياني الجزائر مرة أخرى عاد إلى ذات المنطقة التي كان يخدم فيها، ليستذكر ما شهده مع دوغورس، فتداخل الزمن في الرواية وانفصام الراوي الذي يتحدث بعد عدة سنوات من وقوع الحادثة يجعلان ضبط الحكاية صعبا، وكأننا نستمع إلى من يوشك على الموت متحدثا بما تبقى من شريط حياته قبل أن يلفظ آخر نفس له.

راو ينتهي به الأمر إلى الجحيم

صوت الموت المتفرد

تطرح الرواية العلاقة بين الضحية والجلاد، وكيف يتحول السجين إلى مسيطر على جلاديه، هم مهووسون به وبطبيعته، وخصوصا أنهم كجلادين فقدوا حسهم الإنساني السليم، فعمليات التعذيب والقتل تترك بمن يمارسها فجوات من اللاعقل لا يمكن سدّها، فعلاقة كل من أندرياني ودوغورس مع عائلتيهما شبه متلاشية، ومن هم حولهما أصبحوا مجرد أرقام.

هما أشبه بالمصاب بالحنين إلى ماض نسي ما فيه، ليبقى الحنين وحده، وخصوصا دوغوروس، الذي نراه مرة لطيفا فخورا بإنجازاته العسكريّة، ثم فجأة ثائرا عصبيا يقوم بأشنع عمليات التعذيب، الجميع من حوله ينهار ويتداعى، الكل قد يكون فريسة لغضبه، فحتى النقيب أندرياني الذي نراه محبا له، تتسلل الكراهية لقلبه بعد أن رأى إعجابه بطاهر وقيامه بالتحية العسكرية له، فالعلاقة بين الثلاثة لا يحكمها الفوز أو الخسارة، لا من سيموت ومن سيبقى حيا، هم أسرى ما ارتكبوه، فالقتل والدماء تلتهم الجميع بالرغم من اختلاف المبررات، وكأنهم حسب تعبير أندرياني نفسه قد وصلوا إلى الجحيم.

الراوي أندرياني الذي نقرأ كل الرواية على لسانه أشبه بمن يمتص عذابات الآخرين، نراه كتلة من موت مؤجل، أشبه بمريض بكل سرطانات العالم وويلات البشر، هو يروي لنا وللنقيب عن كتل اللحم البشريّة التي شاهدها في المعارك وأقبية التعذيب، فعلى حد تعبيره الإنسان يختزل بداخله كل تاريخ البشرية التي اختار أندرياني أن يروي لنا عذاباتها بالرغم من أنه يخاطب النقيب دوغورس، إلا أنه لا يكتفي ببثه آلامه وأحلامه ومشاعره، بل يخبره عن الآخرين، عن الذين ماتوا أو فقدوا عقولهم، ليتسلل إلى ما تبقى من أجساد من حوله كاشفا ما بداخلها، تمتمتها وأصغر انفعالاتها، ليبدو كمن يهلوس أو يهذي، كأن ما شهده حفر في رأسه فجوة يسيل منها كلّ قيح البشريّة.

16