رواية في أربعة أيام تحكي تاريخ تركيا على لسان شاعر

في الرواية ليست الحكاية مهمة بقدر أهمية طريقة سردها، حيث يمكن أن يتحول حدث بسيط جدا إلى عالم روائي كامل بمختلف محمولاته التاريخية والنفسية وحتى السياسية، وهذا ما برع فيه كبار الروائيين من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وما أتقنه الروائي التركي العالمي أورهان باموق.
السبت 2017/03/11
شاعر في مدينة الثلج

تختلف رواية “ثلج” لأورهان باموق عن مُجمل نتاجه الروائي منذ روايته الأولى “جودت بيك وأبناؤه” 1982، وصولا إلى “المرأة ذات الشعر الأصفر”، مبعث الاختلاف ليس فقط في أنها رواية سياسية بامتياز، وإنما يعود أولا إلى طبيعة الموضوع الذي تعالجه الرواية وقد لخصه في عنوان أحد فصول الرواية هكذا “إما الوطن أو الإيشارب” وهو ما يمثِّل إحدى الإشكاليات العويصة في تاريخ تركيا حتى وقت قريب، وثانيا لأن أحداث الرواية تدور على خلاف كتابات باموق في مدينة غير إسطنبول، مدينته الأثيرة في الكتابة، وإن كانت تتردد أطيافها هنا عبر ذكريات الراوي عن طفولة وشباب بطله كا الشاعر والمناضل السياسي المقيم في مدينة قارص المُتعدِّدة الهُويات، وهو ما سَهَّل تعدُّد وجهات النظر.

زمن الاستعادة

تدور أحداث الرواية التي صدرت مؤخّرا في طبعة جديدة عن دار الشروق بترجمة الرّاحل عبدالقادر عبداللي، في فترة الثمانينات، تلك الحقبة التي شهدت تأجّج الصِّراعات الداخليّة التركيّة بين القوميات المُختلِفة، العلمانيّة والدينيّة والأكراد، ويكشف المؤلف في هذه الرواية التي دارت أحداثها في أربعة أيام فقط؛ رحلة الصحافي كا العائد من ألمانيا بعد ثلاثة عشر عاما مُبعدا في منفى سياسي، ليذهب إلى هذه المدينة أثناء هطول الثلج الكثيف للتحقيق في ظاهرة انتحار الفتيات في باطمان القريبة من المدينة، ومتابعة انتخابات البلدية.

يذهب كا الشّاعر العلماني الذي هجره الشّعر والحب، وتحدث المفاجأة بأنه استعاد كل شيء في هذه الرحلة القصيرة، بما في ذلك السّعادة التي بحث عنها في الماضي ولم يحظ بها، هنا في قارص صادفها وأدرك معناها هكذا “أن تُمسك بشخص ما بين ذراعيك مُدركا أنك بذلك تُمْسِك بالعالم كله”، فأسئلة البحث عن السَّعادة والشَّقاء، والوجود والعدم، شغلت شخصيات الرواية مثل كا وقديفة ونجيب طالب الأئمة والخطباء الذي كان يُحب قديفة.

أحداث الرواية تدور في فترة الثمانينات، تلك الحقبة التي شهدت تأجج الصراعات الداخلية التركية بين القوميات المختلفة

في هذه الرحلة القصيرة تنقلب الأحداث على البطل رأسا على عقب، ويكون شاهدا على جريمة قتل، وأيضا شاهدا على وقائع انقلاب عسكري، ويأتيه الإلهام الذي انقطع عنه لسنوات طويلة ويكتب قصائد جديدة، مثل: شوارع الحلم، اليأس والصعوبات، أنا كا، سأكون سعيدا، الإنسانية كلها والنجوم وقصيدة الموت ضربا بالنار وغيرها من القصائد. لكن الأهم أنه يلتقي في فندق “ثلج بلاس” بحبيبته السّابقة إيبك التي انفصلت مؤخّرا عن صديقهما في الجامعة مختار، بعد تبدله أيديولوجيا حتى صار مرشحا لتيارات الإسلام السياسي، ممثلة في حزب الرفاه الإسلاميّ لانتخابات رئاسة البلدية.

وهنا يبدأ كا في استعادة الشعر بكتابة تسع عشرة قصيدة، يضعها تحت عنوان “ثلج”، تجربة الأربعة أيام التي يرويها باموق باعتباره الراوي لحكاية صديقه كا، بعدما يعثر على أوراقه ومذكراته بعد مقتله وبعد أربع سنين من عودته من قارص إلى ألمانيا، دون أن يظفر بالسعادة التي كان يتخيّلها هو ويسير في شوارع قارص.

ويكتب الشعر في مقاهيها أو على مائدة جانبية أثناء تواجده مع أسرة حبيبته إيبك، وأيضا دون أن تعود له حبيبته السابقة كما كان يخطّط بأن يعودا معا إلى ألمانيا ويعيشا في سعادة، فطوال المهمة وهو “يفكر في القطار الذي سيحمله هو وإيبك إلى فرانكفورت”، تتضمن في ثناياها الكثير من تاريخ تركيا القديم والمعاصر، تاريخ احتلالها من الروس وانقلاباتها وصراعاتها مع الأكراد وغيرهم من الأقليات.

يسترجع الراوي في هذه الرحلة القصيرة سنوات حياة كا مع أسرته البرجوازية التي تعيش في إسطنبول في نيشان طاش، وعلاقته بإيبك ثم نفيه إلى ألمانيا، بسبب أفكاره السياسية، نتعرف على كا من وجهة نظر باموق صديقه باعتباره راوي الحكاية حيث يعود إلى مدينة قارص بعد أربع سنوات من انتهاء الانقلاب.

الرواية في أحد أوجهها تستهجن صورة العنف التي بدت عبثية في كثرتها، وقد مارسته الحركات السياسية على اختلاف أيديولوجياتها، وهي أيضا إدانة من باموق لموجة الانقلابات التي لم تتعافَ منها تركيا على مدار تاريخها.

رواية تنتقل بين الواقعي والاجتماعي والسيري

تحبيك التاريخ

يدخل باموق السّرد باسمه وصفته ككاتب في الفصل التاسع والعشرين المعنون بـ”النقص الذي لديّ / في فرانكفورت”، حيث يُعلن أنه الراوي لهذه الحكاية التي عثر على الكثير منها في مذكرات كا التي أرسلها له عندما كان في ألمانيا، ولكن باموق لا يقف دوره عند إعادة كتابة المذكرات ونشرها، بل يذهب في رحلتين، الأولى لقارص ويلتقي إيبك وقديفة والطالب نجيب، ويتعرف على الجزء المفقود في حكاية كا.

فتحدث المفاجأة بأن كا عاش مخدوعا، فإيبك لم تكن تحبه، بل كانت عشيقة لكحلي مثلها مثل أختها قديفة، ثمّ يتبع هذه الرحلة برحلة إلى ألمانيا، ويلتقي بعشيقات كا ويتعرف على الجانب المجهول من حياته هناك، وكيف عاش هذه الفترة في ألمانيا في شقة قذرة، وعمله في سنواته الأولى كحمّال في سوق الهال، ينقل مفروشات البيوت، ثم مُعلِّم للغة الإنكليزية للأتراك، ودهان، ثمّ صار لاجئا سياسيّا يعيش على راتب لاجئ، وما يتوفر له من قراءاته للشعر في المراكز الثقافيّة والندوات.

أحد جوانب جماليات سرديات باموق بصفة عامة هو كيفية قول الحكاية وليست الحكاية نفسها، فباموق يعي جيدا أن كتابة الرواية عنده هي بمثابة تقديم دراسة إنثربولوجية للمجتمع والثقافة، بل إن الرواية تتجاوز وظيفة “النص الإشاري” الذي هو نص وصفي تسجيلي يشير إلى الأحداث التي تقع في لحظة ظهور النص إلى النص الشرطي الذي هو “نصّ استشرافيّ استكشافي يحاول دوما أن يغيِّر ويكسر حدود اللحظة التاريخيّة التي يوجد فيها” كما عند ريموند وليامز، فحادثة الفتيات المنتحرات على اختلاف الأسباب، يصوغ منها حكاية عن التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي لتركيا في هذه الحقبة التي دارت فيها أحداث الرواية، وعبر الحوارات التي يكون فيها وسيطا يعرض كا للأيديولوجيات المتصارعة حول مسألة الحجاب مثلا.

كما يقدم كا وجهات نظر متعددة حول الهُوية كما هي عند الأكراد الذين يناضلون بالسلاح للاعتراف بهم، وكذلك مفهوم الأتراك للأوروبيين وللعدالة التي يمكن أن تتحقق على أيديهم، وإن كان ثمّة مَن يرى أنَّ الغرب هو سبب البلاء على نحو ما فعل كُحلي عبر رسالته التي وجهها للغرب والتي تنص على أنه “ليس فقرنا سبب ارتباطنا إلى هذا الحد بِإلَهِنَا”. ونلفت هنا إلى تدخلات باموق وظهوره بصفة الراوي والكاتب للحكاية وهو الأمر الذي تكرر في رواية “متحف البراءة”.

كما تظهر براعة باموق في التنقل بين الواقعي والاجتماعي والسيري، فهنا مع مطابقة الكثير من الأحداث للواقع فإن جمالية باموق أنه يعيد “تحبيك التاريخ” وفق مصطلح نادر كاظم بطريقته الخاصة وهو ما يكسب التاريخ معنى آخر، يغاير المعنى المتعارف عليه في الوثائق والأرشيفات. بل إنه في الكثير من الأحيان يستعين بالفتنازيا كنوع من الحلول للخروج من مأزق الواقع. وفي ظني رواية ثلج ليست مدخلا لفهم باموق ولكن لفهم التحولات التي تجرى في تركيا، وصراع الهويات الذي يواجهها.

17