رواية لبنانية تحاكم التاريخ على إجحافه بحق شاعر عظيم

الاثنين 2014/06/30
خوري يعود إلى التاريخ ليروي قصة شاعر تناساه الجميع

دمشق- عن دار “الساقي” البيروتية، وبمقدمة جديدة بقلم ملكة خوري خياط، صدرت رواية بعنوان “ديك الجن - الحب المفترس”، وفيه يستعيد الشاعر والروائي اللبناني الراحل رئيف خوري (1913 /1967) سيرة الشاعر السوري ديك الجن في حنين لزمن كان للبليغ فيه حظوته، وكان للشاعر فيه منزلة نديم الملوك وجليس الوجهاء.

رقق الشعر، وجعل للمدينة صوتها بعيدا عن الصحراء وجلافتها، ديك الجن، الشاعر الذي تغنى بالخمر ونُسب لقبه إليه، ظُلم تاريخيا وغُيب ذكره لاعتبارات سياسية ومذهبية.

لديك الجن شهرة واسعة بالرغم من الظلم التاريخي الذي لحق به، فهو من محدثي الشعر وجالبيه إلى المدينة -الشام- وقد جعلت ميوله لآل البيت منه موضع عداء، بالإضافة إلى ميوله الجنسية غير السوية حتى أن البعض رأى فيه شعوبيا ينتقص من قيمة العرب ومكانتهم، إلا أن هذا لا ينفي شعريته، وكلماته التي حُفظت على ألسنة الرواة مما دفع رئيف خوري للغوص في التاريخ ليقدم صيغة روائية عن حياة هذا الشاعر يستذكر فيها مأساته وأخباره.

يبدأ خوري بصوته في الرواية وهو يحاكم التاريخ على تقصيره تجاه الشاعر، ليجعل من التاريخ شيخا ينسى ويظلم أحيانا مسبغا عليه صفات إنسانية، ثم يقف محاكما إياه على ما فعله مستغربا سيرته هذه.


حياة المجون


تبدأ فصول الرواية بديك الجن وهو يدون مذكراته وانطباعاته عن الدين والفكر والزندقة والشعر، ثم يستعيد حكايات جدته التي كانت تحذره من النساء وكيدهن لتصرفه عنهن كي لا يبدد ثروة أبيه ويضيع حاله، بالإضافة إلى محاولة وعظه لترك الخمر والشعر الذي يقرضه، إلا أن ثروة ديك الجن التي ورثها جعلته ميسور الحال، ودفعته إلى ملازمة مجالس الهوى والخمر والمياميس فذاع صيت مجونه وهفواته، مما دفع ابن عمه أبا الطيب يسعى إلى انتزاع هذه الثروة منه وكسبها لفائدته، إلا أن الأمر يتطور، فديك الجن واقع في حب ورد جاريته وغلامه بكر، الذي كانت له حظوة في قلب ياسر أحد ندماء ديك الجن، إلا أن ياسر كان دائم الاستفزاز لديك الجن، ويسعى إلى تعكير صفو مجلسه باستفزازه من خلال ذكر علاقته مع بكر.


الاعتراف بالآخر


شاعر يتلذذ بما هو قائم، والخمر لديه أكبر من مجرد شراب، بل هو لذة ورؤية للكون وكشف جديد

كان لخبر مجيء أبي نواس إلى حمص أثر كبير في حياة ديك الجن، ففي البداية خاف أن يقابله، هذا الشاعر الكبير الذي فاق ذكره أهل عصره، مما دفع ديك الجن لتجنبه، إلا أن أبا نواس أصرّ على لقاء ديك الجن فزار داره وردّد شعر ديك الجن وأبدى إعجابه به، مما زرع الطمأنينة في نفس ديك الجن وأقام مجلس خمر يليق بهذا الشاعر الكبير المعروف بحبه للخمر والغلمان.

كان هذا المجلس هو سبب بلية ديك الجن، حيث كشف فيه عن حبه لبكر ولجاريته ورد بتحريض من أبي نواس، فما كان من ياسر إلا أن حاول التقرب من بكر، فاهتاج المجلس وضربت الجارية دلال الواقعة في حب بكر ياسرا و طُرد من مجلس ديك الجن، وما زاد الطين بِلة، هو ظهور أبي بكر ليشهد الجلبة وما حدث من فضيحة. اشتعل الغيظ في نفس ياسر وتقرّب من أبي الطيب لحياكة مؤامرة للتخلص من ديك الجن، إذ أشاع خبر علاقة حب بين كل من بكرٍ وورد، إلا أن مؤامرتهما هذه شاءت الأقدار أن تسهلها عبر دلال، التي بفعل أخرق لأجل من تحب -بكر-، جعلت ديك الجن يقتل كلا من بكر وورد، ثم يكتشف فعلتها وفعلة المتآمرين عليه، ليضيع بعدها هائما في ذكراهما، نادما لفعلته التي ستؤرق حياته وتدخله في دوامة من الحزن والضياع والسعي إلى تبديد ثروته انتقاما من المتآمرين عليه.


حساسية مفرطة

مأساة لا يمكن المرور دون التورط عاطفيا فيها


بالرغم ممّا فعله ديك الجن إلا أنه لم يتوقف عن قرض الشعر، فكان سلواه في وحدته وحزنه، فهام وحيدا ضائعا، إلا أن حساسيته لم تقف حدّ الشعر، فنراه يعود لقبري بكر وورد، ويخرج رفاتهما ويحرقهما، ثم يذهب بالرماد إلى خزّاف ليصنع له مُدامين (بكر وورد)، أصبحا خليليه في ما تبقى من حياته، فلا يعب الخمر إلا منهما.

مأساة ديك الجن لا يمكن المرور دون التورط عاطفيا فيها، فهي تستدعي أطياف العشاق وأخبارهم ، لتنتهي بتراجيديا تليق بالملاحم القديمة، ورؤية رئيف خوري لحياة الشاعر تعيد إنصافه والاعتراف به ، كشاعر وفنان، بعيدا عن التعقيدات التاريخية والمقولات التي حاولت تهميشه، فقد اعتزل السياسة والحديث بها وبالرغم من وصول بعض الآراء التي وصلتنا عن حياته إلا أنها كانت كافية للتعتيم على حياته.

تعكس سيرة ديك الجن حب الملذات المادية، فهو بعيد عن الروحانيات، غارق في عشق كل ما هو مادي من خمر وجوارٍ وغلمان، فالحقيقة لديه لا توجد إلا إذا ما لمسها وعاينها وأدركها بحواسه، وهذا ما أدّى إلى اتهامه بالإلحاد إلا أن الكثيرين برّؤوه من هذا، فعاطفة العاشق أكبر من أن تحدّد بدين أو وصف، وعلى غرار أبي نواس، ديك الجن شاعر يتلذذ بما هو قائم، والخمر لديه أكبر من مجرد شراب، بل هو لذة ورؤية للكون وكشف جديد يستدعي تقييمات جديدة لما هو قائم، ما جعل شعره وحديثه عن الخمر يفوق الوصف ليصل إلى حدّ التجلي والانعتاق للتأسيس لحرية جديدة تختلف عن تلك المألوفة.

14