رواية لبنانية ترسم ملحمة الرحيل والجسد ومغامرات الكتابة

الأربعاء 2014/07/02
داغر يتوغل في شخصياته حتى يكشف واقعا تحكمه سطوة التقاليد

دمشق- شهرزاد تروي لتعيش، تنقذ حياتها سردا، تقصّ عذاباتها لتنجو، لكن ماذا لو نفذت حكاياتها وقررت الانتحار استباقاً للقدر، هي ملحمة طويلة يرسمها الروائي اللبناني شربل داغر في رواية "بدل عن ضائع" الصادرة عن دار الساقي (2014)، إذ يروي سيرة كاتب الظل ويسرا وسوزان وغيرهم، في رحلة حول العالم بين ثلاث قارات، لتكتشف فيها كل شخصية تشوهاتها وآلامها، مبرزة عقد الجسد/الجنس جلية في ظل تقاليد وطقوس تستدعي اللذة حتى الأقصى.

تبدأ رواية “بدل عن ضائع” للروائي اللبناني شربل داغر، بالصحفي المهمش الذي يتحول إلى كاتب أبحاث وتقارير صحفية تخفي اسمه، مهمته تقتضي بناء النصوص وتكوينها لتنسب في النهاية إلى غيره أو تنشر دون اسمه، حياته الرتيبة وتركه كل شيء، حوّلاه إلى كائن متلصص، يعيش في الظل، يرتاد مقهى بسيطاً دون أن يلاحظه أحد، قرر التخفي، وانعكس ذلك في هوايته،”المشي”، فهو العابر دائما، لا مكان له، ولا يترك أثرا.


سلطة الغواية


تقتحم يسرا حياة الكاتب فجأة، تغويه، تمارس معه لذاته وتروي له بصورة متقطعة ما حدث معها من عذابات إلى أن تقرر الانتحار، لتسلمه قبلها أوراقها كي يكمل البحث عن هادي.

الهوس يصيب الكاتب للبحث عن ابن يسرا المفقود هادي، تتداخل الحبكات والأصوات في الرواية عبر فصولها الستة، فهو يروي سيرة طفولته، والحرب التي شهدها وتهجيره ودراسته ورحلاته ، ثم يعود صوت يسرا للحضور هذه المرة لكن ليس كشخص فاعلٍ في الرواية، بل كنصوص، أقرب للهلوسة تروي سيرتها مع زوجها.

الجنس "موتيف" أساسي في الرواية، فهو يحكم شخوصها، والعالم الشبقي الذي يرسمه يسير تصرفاتها

الحبكات الجانبية ترسم ملامح الملحمة، مشاكل يسرا الجنسية تعكس مشاكله، فهي لا تحبل، لا تصل إلى اللذة، وحين أسكنها في أفريقا مع زوجها الأشبه بزوج “آنّا كارنينا”، بتزمته تدخل يسرا طقوس أفريقية وثنية، مليئة بالرقص والأجساد البرّاقة تحبل إثرها لتلد ابنها هادي الزنجي الذي ينكره أبوه، ويقوم بمؤامرة لإخفائه بعد اكتشاف أن ما تورطت فيه يسرا هو شبكة للدعارة المنظمة.

هنا يعود سعي الكاتب وهوسه للوصول إلى هادي، وصية يسرا له هي أن يجد ابنها الضائع، يسافر إلى القارة السمراء و يبحث عن ابنها في تحقيق طويل ليصل إلى الحقيقة، أثناء ذلك يتعرف على سوزان السمراء التي تشعله لذة لديه مختلفة عن تلك التي شهدها مع يسرا، تنتهي الرواية بتحقيق صحفي يعود تاريخه إلى حوالي ثمانية عشر عاما، وفضيحة حكومية في سبيل إعادة هادي إلى الشخص الوحيد -الكاتب- الذي يعرف حقيقة أمه يسرا.


منبع اللذة


الجنس موتيف أساسي في الرواية، فهو يحكم شخوصها، والعالم الشبقي الذي يرسمه يسيّر تصرفاتها، يسرا ترقص عارية و تجرب كل شيء للوصول إلى لذتها حتى مع الكاتب.

المديرة المسؤولة عن الكاتب تصارحه بتجاربها الجنسية ورغبتها في الوصول إلى أقصى النشوة، أمّا سوزان السمراء، فتأسر الكاتب، بضراوتها وحسها البدائي بالجسد، الجسد هو مفتاح للحقيقة، الحقيقة التي يخشى الجميع الاعتراف بها، نحن كائنات غرائزية تدفعنا هذه الغرائز نحو المجهول ولا تقتصر اللذة على الفعل الجنسي، بل تتجاوزه للرقص، الذي يدفع بالجسد لاستنزاف طاقاته، هو احتفال بكرنفالات الخلايا التي تتّقد داخل الجسد وهذا ما كان يحدث في كل مرة كانت إحداهن ترقص أمام الكاتب، طقس احتفالي يفعّل ثنايا اللذة المخبأة.


جيل الحرب

ترسم الرواية ملامح المدن والبلدان بصورة شعرية


الكتابة في الظل هي نعمة ونقمة في آن واحد، فهي تتيح الحرية التامة للكاتب في أن يعبّر عما يريد دون خشية، لكنها تفقده الاعتراف المصحوب بالنتاج المكتوب، هي عالم مظلم، يقتصر فيه الأمر على الكلمات وملاعبتها ومحاولة تفعيل خواصها السحريّة، هنا تكمن مشكلة الكاتب التي تمتد إلى حياته الشخصية، فهو يقتصر على وصف الأشخاص دون أسمائهم، يرسم ملامح دقيقة للأماكن لكن دون التورط فيها كليا، إلى أن جاءت يسرا وغيرت كل شيء، وأعادت له الإحساس بالجسد.

ترسم الرواية ملامح جيل الحرب في لبنان، وتدخّل قوى السياسة، فالزيجة مدبّرة بين يسرا وزوجها، أما الكاتب فقد تعرض إلى عنف الحرب ومقتل أبيه بدم بارد، بالإضافة على سوزان التي تشهد تفتت تاريخ بلادها بالتزوير الفني، بالرغم من النجاحات التي حققها هذا الجيل، إلا أننا نشهد فراغه من محتواه، بعيدا عن إنسانيته، ينحرف عن رغباته ليضيع في تناقضات قد تسبب الذهان كحالة يسرا، أو إدمان التلصص كحالة الكاتب.

إذ أن الحرب تغتال أثمن ما في نفوسنا كبشر، حسّنا الإنساني بالقيمة التي نحملها جسدا ونصا، لذلك نرى استغناء يسرا عن جسدها وجهل الكاتب بجسده بالإضافة على رغبته في إتمام رواية عن يسرا بفضل أوراقها، لا نعلم إذا كانت ستتم أم لا، الكتابة نوع من المهرب، ملاذ آمن، بعيدا عن الآخر المجهول.


فضاء مفتوح


ترسم الرواية ملامح المدن والبلدان بصورة شعرية، إذ تعايش الشخصيات تفاصيلها، وترتكب معها أفعالها بصورة دائمة، فنحن أمام فضاءات تتداعى أحيانا، وأحيانا تتكون علاقات شبكية بينها بعيدة عن علاقات التتالي، فالأماكن ترتبط بالبشر، بذاكرتهم، تفقد قيمها الوظيفية وتكتسب معاني شعرية من التجارب التي تمر بها الشخصيات، فالشجرة التي يصنع عندها الكاتب ذكرياته والأقنعة التي تدرسها سوزان، معادلات مجازية عما يمكن للمكان اختزاله من تاريخ، تاريخ يحمل هموم البشر والأجيال، مع ذلك لا يتغير بتغير مصائر الشخوص، فهو الثابت، هو التاريخ الذي لا يمحى، لكن لا بد من أن يجيد أحدهم قراءته، كحالة يسرا مع الكاتب، الذي قرأ تاريخها ثم شارك في صناعته حتى بعد انتحارها، فهي ستحيا في أوراقها وفي روايته. كذلك الأماكن التي مرت بها يتتبعها الكاتب لمسا وحفظا بين أوروبا وأفريقيا، كان لوجودها سحر يغير تفاصيل المكان ويرسم ملامح جديدة، بحاجة فقط لمن يكتشف هذا السحر.

14