رواية مربكة عن الهوية والجذور والأمل الخائب

الأحد 2014/12/07
اوربان أبدع ثلاث شخصيات نسائية في رواية تاريخية جميلة

يضم هذا الكتاب حكاية مهاجرة إيطالية في إنكلترا في عمل روائي يختلف عن غيره من النصوص التي روت وقائع من الحرب العالمية الثانية مؤلفها الفرنسي جون- بيير أوربان (Jean-Pierre Orban) والناشر "ميركور دو فرانس" باريس.

"لدى العودة من روما، حين لمحت طيف أوغوستو بالبهو الواسع لمحطة القطار "فيكتوريا" وقد جاء لاستقبالي، خجلت من نفسي. لقد أعادنا القطار، لا يسعني قول ذلك إلا هكذا، بالمعنى الحقيقي. لم نعد نحن الذين كانوا ينقادون، الذين كانوا ينطلقون إلى الأمام كما كان الحال عند الذهاب، الشعر تحمله الريح، قاماتنا تتدلى عبر النافذة، الغبار يلطم وجهي. حين عدت، كأني عدت من أرض جنة عدن.كان القطار يعود بنا. كأننا أجسام تُجتث من الأرض الموهوبة. كانوا يعيدوننا إلى الأرض حيث كنا نعيش في السابق. لكن ماذا كانت الحياة؟ وأين كانت؟ لندن، 1930: فيرا كانت تعيش في "إيطاليا الصغيرة" (Little Italy) مع والديها آدا و"، مهاجران إيطاليان. بشكل سريع، ستنقاد الفتاة الشابة للانضمام إلى منظمة مناصرة لـ "موسوليني".

إنها تظن بسذاجة أن الأيديولوجيا الفاشية سوف تبني هويتها. لكن بقدوم الحرب سوف تتبدد كل أمنياتها. ممزقة بين لغتها الأم وبين لغة بلدها بالتبني، ستستسلم "فيرا" لانحرافات أخرى. ثم ستؤمن في النهاية أنه حان الوقت لبناء قصة حياتها والتاريخ. تصبو لأن تجد حقيقتها، هي التي اسمها (فيرا) يعني "حقيقة"، وتنقلها إلى الآخرين...". مأهولة بشخصيات موصوفة بالحبر الأسود، هذه الرواية المربكة تحدثنا عن الهوية والجذور، وعن الأمل، الذي يخيب أحيانا، بتجاوزهم.


نحو الفاشية


تصدر هذه الرواية في طبعتها الرابعة، وهي من بين الإصدارات الغزيرة التي كتبت عن فترة الحرب العالمية الثانية. لكنه واهم من يظن أن ما كتب عن هذه الفترة العصيبة والمظلمة من التاريخ هو كل شيء، والدليل هو هذه الرواية التي تعرض نسخة مختلفة وأصيلة. أكثر من ذلك، فالتاريخ هنا تخدمه كتابة سلسة وشاعرية تنجح في حبس أنفاس القارئ و إثارة مشاعره وأحاسيسه حتى آخر الصفحات. موضوعات الهوية والجذور تم التعامل معها، هنا، بشكل راق ورقيق، أما الشخصية الرئيسية فهي جد معقدة، شأنها شأن التاريخ.

سيجد المولعون بالتاريخ أنفسهم مأخوذين تماما وهم يطّلعون على الحقائق وسط عالم من الغموض والدسائس

"فيرا"، المهاجرة الإيطالية التي قادتها الأقدار صحبة والديها للعيش في إنكلترا، تبحث عن موقع لها في بلد المهجر، لكن القرارات التي تتخذها والسبل التي تسلكها لتبلغ مبتغاها ليست حكيمة وتنأى بها عن الطريق الصحيح. الاغتراب والعيش بعيدا عن الجذور يؤججان مرارة الإحساس بالعزلة. شخصية ممزقة هشة، عرضة لكل الانفلاتات، ومن السهولة أن تصبح طريدة لجهات منظمة تستغل رعونة الشباب وتعمد إلى أساليب ملتوية وموهمة لخدمة أيديولوجيا معينة. تعطّشها إلى الشعور بالانتماء سيجرفها نحو منظمة فاشية تسير عكس التيار العام للمجتمع وبلد المستقبل. خطوة غير محسوبة، مغامرة محفوفة بالمخاطر وتهور ساذج. ستتلقى في البداية تربية من لدن الراهبات بالكنيسة، ثم شيئا فشيئا ستتيه وسط الفاشية وهي لا تشعر أن الخطوات التي تقدم عليها وخيمة العواقب.

تعانق منظمة فاشية وقد تملكتها حماسة وشغف لإبراز الوضعية الاعتبارية لعظمة بلدها الأصلي. لكن حين تشب الحرب تتبدد كل المُثل وتتناثر شظاياها. تحوّل الاتجاه، فتشتغل في حانة حيث تصادف العديد من الفرنسيين، وتنأى مسافات عن أصولها. تتساءل عما إذا كان تعلم لغة أخرى، هو انغماس في هوية جديدة؟ مسألة اللغة والهوية تمت إثارتها بشكل جيد على مدار الصفحات والأحداث.

توثق الرواية أيضا لأحداث تاريخية لم تدرجها المناهج ولم يسرد تفاصيلها أي كتاب آخر. الوصف دقيق والشخصيات جد مُوَطنة، وتحدونا رغبة بأن نضم "فيرا" تحت جناحنا ونفسر لها أن السلوك الذي تنهجه ليس محمودا والمسالك التي اختارتها ليست صائبة، إنها تتعرض للاستغلال وسلب الإرادة، وهي بالتالي لن تنال ثأرها الاجتماعي الذي عقدت عليه كل آمالها.

رواية مأهولة بشخصيات موصوفة بالحبر


ثلاث شخصيات


الشخصيات الثلاثة: فيرا، والدتها وابنها سيختارون مسارات مختلفة: فيرا بدأت تتعلم لغة جديدة، ربما لتتجنب الاختيار بين لغتها الأم ولغة البلد المضيف. بالمقابل، والدتها لا تتكلم إلا باللغة التي ولدت بها، أما الابن فينضج في صمت. خاصية أخرى تميز الرواية وهي الدقة، الجمالية والسمو في اختيار الألفاظ والكلمات مما يجعل النص يتضوع أدبا وحشمة، يسرد كل التفاصيل المشينة دون أن يخدش الحياء أو يتجاوز الأخلاقيات.

رواية تاريخية جميلة تفي بكل الوعود، اكتشاف مثير للعواطف. سيجد المولعون بالتاريخ أنفسهم مأخوذين تماما وهم يطّلعون على الحقائق وسط عالم من الغموض والدسائس.

"ألقي القبض على أوغوستو يوم الخميس 13 يونيو. كانت آدا تقول إن التاريخ أخطأ في اليوم وأن 13 كان ينبغي أن يكون يوم جمعة، أو أن الخميس ما كان ينبغي أن يكون 13 لأن الفواجع لا تقع إلا أيام الجمعة 13. الفواجع الحقيقية. هذا وحده كان يكفي ليجعل تشرشل يخمن أن شيئا ما ليس على ما يرام منذ البداية وأن الحكاية ستنتهي بمأساة. لكن وينستون، الذي ولد واقفا، بشفاه سميكة، في قصر بلينهايم، ما كان ليأبه بالخرافات. فقط أولئك الذين ولدوا مستلقين واللواتي وضعن في تلك الوضعية هم الذين يبحثون عن العلامات في المكان حيث لا توجد.

هل كان تشرشل يتحدث الإيطالية؟ هل كان يعرف كلمة واحدة من تلك اللغة؟ أكان سيصدر أمره لو فعل ذلك بلغة أوغوستو؟ هل بإمكاننا أن نجرؤ، حين نكون قد بذلنا المجهود لترجمة أفكارنا إلى كلمات الآخر، بالحكم عليه بالمنفى، وإرساله إلى الموت".

قد يجد مرهفو الإحساس الكثير من المتاعب للوصول إلى آخر هذه الرواية الأولى التي كتبها جون- بيير أوربان. قصة هذه المرأة التي ضلت طريقها إلى أجل غير مسمى تكتسي طابعا قاسيا وحزينا قد يؤدي إلى الشعور باليأس. فقد كتبت إحدى الشابات الشغوفة بالموسيقى والفنون الجميلة: "إذا كان المؤلف، الذي ولد من أبوين من جنسيات مختلفة، يريد أن ينقل لنا امتعاضه وعدم ارتياحه، فقد نجح في ذلك!".

ولد جون- بيير أوربان ببلجيكا من أب بلجيكي وأم إيطالية. درس الفلسفة، والمسرح والصحافة، هو الآن مستقر بباريس ويعيش في تنقل دائم بينها وبين بروكسيل. إنه كاتب نصوص مسرحية يتم إخراجها بانتظام، وهو أيضا كاتب للشباب. بعد مجموعتين من القصص القصيرة، "فيرا" هي أول رواية له.

13