رواية مسرحها "حي الأميركان" في طرابلس الشام

في روايته الجديدة «حي الأميركان» الصّادرة عن دار الساقي (القائمة الطويلة لجائزة البوكرالعربية 2015) يروم الدويهي البحث عن أسباب العنف الذي استشرى في جميع الأصقاع متّخذا من أحد أحياء مدينة طرابلس في لبنان «حي الأميركان» نسبة إلى «المدرسة الإنكيلية المهجورة التي تمركز في مبانيها المتهالكة طوال سنوات ما يسمّى فرع المخابرات الجويّة مرهوبة الجانب» بؤرة مكانية لأحداث روايته بتركيبتها الطبوغرافية المختلفة، وتعدديتها حتى غدت المدينة في ماضيها، بمثابة مدينة كوسموبوليتية، تجمع هويات مختلفة ومنصهرة في آن واحد، رغم الفوارق الجنسية والطبقية، والدينيّة.
السبت 2015/05/30
الكاتب أتقن لعبة السرد ورسم الشخصيات بعناية رغم بعض الهنات

جبور الدويهي روائي لبناني من مواليد 1949 وأكاديمي حاصل على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة باريس الثالثة (السوربون الجديدة)، يعمل أستاذا للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية، صدر له من قبل العديد من الأعمال منها “اعتدال الخريف” و”ريا النهر” و”مطر حزيران” و”شريد المنازل”، والأخيرة وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في دورة 2014. كما يكتب النقد الأدبي، وكان من قبل يكتب افتتاحية مجلة L’Orient Express والآن يكتب في ملحق L’Orient litteraire.

مدينة الأشباح

يفتتح جبور الدويهي روايته “حي الأميركان” بمشهد استهلالي يقدّم فيه وصفا للمكان الذي تدور فيه الأحداث هكذا «يطل الحي على نهر المدينة حيث لا حيلة للساكنين للوصول إلى بيوتهم سوى صعود الأدراج العديدة التي ترسم في الحارة أخاديد تشبه سواقي الماء التي يحفرها ذوبان الثلج على سفوح الجبال». لا تنفصل جغرافية المكان عن تاريخه، فالمدينة مثلما تطلّ على النهر أيضا تحتفظ في ذاكرتها بواقع عربي يزهو في انتصاراته، فقد حاربت الانتداب الفرنسي، وتضامنت وتظاهرت مع كل القضايا العربية، مع ثورة الجزائر وضد حلف بغداد، ومن بين ظهرانيها قاد رجل جيش الإنقاذ الفلسطيني عام 1948، وتخبو عند انتكاساته وهزائمه المتلاحقة، وصولا إلى احتلال بغداد الذي كان له تأثيره الكبير، حيث فجّر العداء لهذا المحتل الغاصب وخرجت الدعوات المطالبة بالجهاد. لا تختلف مدينة الدويهي عن سائر المدن العربية التي جرفها تيار التغيير، فتبدلّت بعدما كانت مدينة الصّخب والحياة إلى مدينة الموت والأشباح في ظل الاغتيالات والعنف الذي استشرى تارة بفعل سيطرة الجماعات الإسلامية.

ثمة تنقلات بين الماضي والحاضر زمن الرواية دون أن تشعر بهذه التنقلات فالراوي يقوم بها بيسر وسهولة

لا يفصل الرّاوي الأحداث والشخصيات عن سياقاتها التي نتجت فيها، فيقدّم لنا الرّاوي الغائب الذي يسيطر على الأحداث، ويسرد من موقع محايد للشخصيات والأحداث في آن واحد، حكاية إسماعيل بلال محسن وتبدلاته، وكأنها تجسيد لصور المدينة في تبدلاتها التي كانت آخذة في التغريب، وتبدو شخصية إسماعيل بلال محسن، أكبر من كونها شخصية روائية ينسج الراوي خيوطها، ويحرّكها كما يشاء، يمكن أن توصف في أحد أبعادها بأنها شخصية نمطية، إلا أن هذا لا يمنع من أن ملامحها واقعية فكانت شخصية في مجملها سلبية أو تحمل تكوينات “بطل ضدّ” بتعبير لوسيان جولدمان. ينشأ الشّابّ مشتتا، نظرا إلى ظروف اجتماعية مفكّكة واقتصادية سيئة، فعندما يضيق المكان بالعائلة تدفع به الأم وهو ابن السّابعة إلى أمها، التي لم ترحب بزواجها من بلال محسن، وإن كانت هي التي فرضت الزواج عليه بعد أن تحرّش بابنتها، وبعد وفاة الجدة وحاجة الخال إلى من يرعاه ويخدمه عاد إلى منزل المشنوق مرّة ثانية، لكن -مع الأسف- لم يجد مكانا، فطرده من البيت إلى الحارة ليلا وأزقتها، «فدخل عصابة أولاد الأميركان».

شخصيات شريدة وضائعة

مرّت شخصية إسماعيل بتبدلات أوصلته ليكون عضوا في جمعية الهداية الإسلامية، بدأت مبكرا منذ تركه المدرسة، ثمّ حلاقته لشعره ودقه لوشم على ظهره، ومنه إلى توسيع نشاطه في الحبوب المخدرة على الطرقات العامة، حتى يسمع خطاب الشيوخ العائدين من باكستان عن تحريم صور المرشحين، فيقوم ليلا بتمزيق الصور وتشويه هيئتها بالأصباغ. تبدأ التغيّرات الحقيقية بعلاقته مع ياسين الشامي رجل الدين المتشدّد وصاحب الفرن التي عمل بها، وهو ما ظهر في صيغة ثورة وتمرد على عاداته القديمة مرورا بتمرده على والده وهجومه عليه وهو ما كان تجهيزا لمرحلة أكبر ودور أخطر، وبالفعل يدفع به إلى العراق مع ثلاثة من جنسيات مختلفة (جزائري وصومالي ولبناني من أصول فلسطينية) على ظهر شاحنة خضار، للجهاد، إلا أنه استطاع أن يهرب ويعود بعدما رفض أن يفجّر نفسه بالحزام الناسف في الحافلة، كما كلّف، وفعل أصدقاؤه. ويعود مع أسرة مسيحية ليكتشف أنه صار في زمام الأموات بعدما رأوا مشهد التفجيرات وذكر اسمه كمنفّذ لها، فصار شهيدا، وفي ذات الوقت مطلوبا للشرطة، وهو ما اضطرّه إلى أن يعود إلى بيت آل العزام، ليكون ملاذا له.

الدويهي يبحث في أسباب العنف الذي استشرى في أحد أحياء طرابلس وينقلها من موقع محايد

تتوازى حكاية إسماعيل وفشله في تحقيق هدف معين، مع شخصية عبدالكريم الذي استطاع والده الحاج عبدالله عزّام، أن يهربه إلى باريس أثناء استشراء العنف والاغتيالات في لبنان، فقد هاجرت أسر كثيرة إلى بلاد الخليج وأخرى إلى قبرص أوروبا عبر السّفن الرّاسيّة في ميناء طرابلس، ليعكس في مشهد تراجيدي ما تكرّر مع الأسرة المسيحية التي عاد معها إسماعيل من العراق متخفيا في صورة حفيد العائلة الذي سبقهم إلى الأردن، ومنها إلى السويد أو النرويج. يذهب إلى الدراسة إلا أنه في الحقيقة يقع في غرام راقصة الأوبرا فاليريا دوبمروفسكا التي التقاها في أتوبيس للنقل العام على الخط 21، وعشقه لها حتى رحيلها، وهو ما أثّر عليه بالسّلب بعد تراكم الديون عليه فعاد بعد أن حمل كلّ ذكرياته معها إلى بيته، ليعيش في وهم الماضي على أمل أن يدق الهاتف وتسمعه صوت ابنه الذي احتفظت به. كلاهما عاشا الوهم والخيال، لا فرق بينه وبين إسماعيل رغم أن الفارق الاجتماعي بينهما كبير، لكن كليهما كان ضحية لأحداث سياسية.

يربط الكاتب بين التغيّرات التي حلّت بالمكان، والتغيّرات التي حلّت بإسماعيل، كما يعدّد الأسباب التي أدّت إلى العنف، ويحصرها في الرأسمالية وفي عودة المتشددين بعد حرب أفغانستان، ولا ينسى أن يوجّه أصابع الاتّهام لأجهزة الدولة الأيديولوجية في إفراز هذا العفريت وعدم القدرة على صرفه، بسبب سياسة التعذيب كما في شخصية ياسين الشامي.

يوزّع الراوي سرده عبر خمسة مقاطع منجّمة هي أشبه بالوحدات السّردية لا الفصول، يقدّم في الوحدة الأولى التي تعدّ أصغر الوحدات ترسيمة سردية لروايته وأحداثها، وأيضا نهايتها حيث انتصار تسرع إلى عبدالكريم الذي عاد من فرنسا مهزوما لتستغيث به، بعد أن اتصل ابنها بها من العراق، ثم اختفى الصوت ولم تسمع إلا القرآن، لينتقل في باقي الفصول ويفصل هذه الأحداث حتى يعود في زمن بعيد إلى ماضي هذه الأسرة الذي يذهب إلى زمن تولّي أحد أفراد العائلة رئاسة الحكومة ولم يتبق من مجدها الغابر إلا النّصب التذكاريّ في ميدان السّاعة، والدار المبنية على طراز السّريات العثمانية، ثم يمضي موزّعا سرده بين شخصياته الرئيسية. ثمة تنقلات بين الماضي والحاضر زمن الرواية دون أن تشعر بهذه التنقلات فالراوي يقوم بها بيسر وسهولة، كما هو في الفصل الأول. فالرّواية في مجملها رغم ما بها من هنات فنيّة، شهادة عن واقع صار الدمار يحيط به من كلّ جهة.

17