رواية مصرية عن الإنسان والسلطة في صراع البقاء

تعيش الأجيال العربية منذ عقود تحت وطأة التقلبات والتغيرات التي هزت المجتمعات، والتي أثّرت في طبيعتها وجعلتها تترنح من فرط العواصف التي هبّت عليها في جميع الميادين سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. الحال استوى في أغلب الأقطار العربية التي عرفت ثورات، ومن بينها مصر التي عرفت منذ سنوات ثـورة جعلـت الشبـاب يحـاول افتكـاك مكـان في الضـوء ويتصـدّر الأحـداث، رغـم العـراقيل والمتـاعب والصـراعـات، التي جعلت من هذا الجيل ينظر إلى المستقبل باحتراز في ظل وضع ضبابي غير واضح.
الاثنين 2016/01/18
أجيال بين الضباب والإيمان والخوف والخداع (لوحة للرسام المصري عماد أبو جرين)

سبعون عاما كاملة تقريبا يمرّ عليها قلم الكاتب المصري محمد الجيزاوي برشاقة اللغة وعمقها، وهو الذي يعمد إلى فلسفته في بعض الأحيان وتبسيطها في مواضع عديدة عند تناوله مسارات حيّة تركت آثارها واضحة في بنية ما حدث ويحدث، سبعة عقود يبدأها المؤلف من المشهد السابق للنهاية المفتوحة، ليعود بالكؤوس التي تتنوّع أسماؤها بين الضباب والإيمان والخوف والخداع في بنية أدبية هرمية واضحة، اعتمدت على المقطع العرضي من خلال تكرار ظهور الشخصيات في أجيال مختلفة.

تبدأ لعبة المراوغة في عمل الكاتب المصري محمد الجيزاوي الموسوم بـ”الخمر ما عادت تسكر أحدا”، الصادرة عن دار ليان للنشر والتوزيع، من اختيار العنوان الذي أراده المؤلّف هكذا، حتى يتناسب مع الحالة المترنّحة التي تعيشها الأجيال العربية، متخذا من الحالة المصرية مثالا واضحا يختصر ما يمكن أن يقال في السنوات العجاف.

عبر سبعين عاما تقريبا يناقش العمل عدّة نقاط رئيسية تبدو من خلالها السلطة في المجتمع هي المهيمنة على كل الأفكار، وهي محور الحدث والإرادة، الإرادة التي تتّخذ شكلا ثوريا وتكون على استعداد تام لخلع لباسها العسكري تحت عباءات أخرى، مع يقينها الدائم بقدرتها على الفعل وخلق الحدث، هذه الإرادة التي تفرض شكل الحياة وأهدافها في مجتمع آمن طويلا بأنّه يخوض الحروب نيابة عن الجميع، ولا تلبث أن تدخل في حيثيات تثبيت الحكم وفرض السطوة الأمنية، هنا ينتقل الكاتب إلى مسار جديد يتناول من خلاله الحالة الاجتماعية القائمة في جوهرها على التآخي بين المسلم والقبطي لدى الجيل الأول، والتي تستمر بجذوتها في الجيل الثاني، ثم تخبو وتنقلب إلى عداوة عند الجيلين الثالث والرابع، في هذا المفصل تحديدا يمكن فهم بنية العلاقات الاجتماعية الرخوة التي تبنى على أرضية هشّة وتتدخل فيها الإرادة ومصالحها.

السرد الدائري

المقطع العرضي لحالة المجتمع المصري عند سرد الأحـداث التـاريخية السياسية ليست جديدة، وربّما هي فكرة مكررة حديثا ومطروقة من قبل

أربعة أجيال تدور في فلكها الرواية؛ فتبدأ بالأجداد ثم تنتقل إلى الأبناء، ومنها إلى الأحفاد، ومن ثمّ إلى أبناء الأحفاد الذين يحملون أسماء الجيل الأول ضمن حالة السرد الدائري.

السرد الدائري الذي ارتكز فيه الجيزاوي على نقطة خارج كل هذه المسارات، فكان لا بدّ من شخصية منيرة، قادرة على معرفة ما سيكون من خلال إيمانها المطلق، حيث اصطفاها الله لتكون إرادته الواضحة في خلخلة الاشتباكات الدرامية وتقديم مبرر لها من حيث الحدوث والوقوع، شخصية منيرة مثّلت في حالة الطرح مركز جاذبية العمل لتنطلق منها أنصاف الأقطار في السرد الدائري من خلال عوالم عديدة اختارها الجيزاوي عن سبق إصرار، فكانت مدرسة السعيدية الثانوية التي ضمّت نماذج عديدة؛ أنتقي منها هنا نور الدين مدرس الفلسفة وشقيق منيرة وحسام، وأحمد مدرّس اللغة العربية الذي يتمّ اعتقاله مع نور الدين بعد وشاية المدرس حسين بهما، حيث يعود حسين للظهور في نهاية الرواية كمدير لمدرسة كبيرة بعد أن أمضى عمره يقدّم الخدمات للإدارة الحاكمة وإرادتها، فلسفة الأدوار الانتهازية تظهر عند الضابط حسام شقيق نور الدين الذي يتمّ نقله إلى السجن العسكري للإشراف على تعذيب شقيقه حتى الموت، وينتهي به المطاف في نهاية العمل منتحرا بعد خروجه من الخدمة، ورؤيته للإرادة تنهار تحت صرخات ما حدث في ميدان التحرير يوم الخامس والعشرين من يناير 2011.

علاقات اجتماعية متشابكة

على مسار آخر تظهر حالة المصالح التي تفرض على العلاقات الاجتماعية والسياسية، فنرى تقاربا بين الإخوان والسلطة في زمن ما، وانقلابهم عليها في زمن لاحق. والرواية تحفل بين صفحاتها بضرورة الثورة وصيرورتها الحتمية نحو التغيير، التغيير الذي لا يكون إلا كما رسمت له الإرادة التي قدّمها الجيزاوي كالموسيقى التصويرية للفيلم السينمائي، فكانت حاضرة في أدق تفاصيل العمل.

سرد تاريخي بقالب درامي

إلى جانب الشخصيات الرئيسية في العمل تظهر شخصيات هامشية تسير إلى جانب الحدث تماما دون أن تتدخّل فيه أو في صيرورته واتجاهاته، دورها يكمن فقط في رغبة الكاتب في تمرير بعض الأفكار التي تبدو ضرورية لفهم العمل ضمن منظوره العام، كفكرة الحرية في مفهومها العام والحريات الشخصية والسياسية والاجتماعية وآليات التعليم وطرق التحقيق في السجون، تظهر تلك الشخصيات وتختفي فجأة دون أن تترك أثرا دراميا، سوى إثارة الأسئلة الملحّة والتي يتركها الكاتب دون إجابات إطلاقا، بالطبع ليس دور المؤلف تقديم إجابات وهذا ما ينسجم مع نهاية العمل من خلال مشهد الدفن حين تنتقل منيرة إلى العالم الآخر، هذا المشهد تحديدا هو الذي يمثّل مفتاح العمل وخاتمته، كي يكون الأحفاد في ذات اللحظة ضمن متنه وعلى هامشه في صورة فنية بديعة قدّمها الجيزاوي انتصارا للحياة.

التوثيق والأدب

ليس خفيا بعد الولوج إلى الصفحات الأولى من الرواية أن الكاتب يحاول تقديم سرد تاريخي في قالب درامي بعيد عن التنظير ومقومات علم التاريـخ، وهـذا ما نجـح فيه إلى حدّ بعيد، لكن لا يمكن اعتبار هذه الرواية وثيقة تاريخية تتناول تلك العقود الخالية من تاريخ الدولة المصرية الحديثة لعدة أسباب، ربما أبـرزهـا وضوح تنامي شخصيات على حساب أخـرى وتقـديم مبرّرات لكل تصرفاتها، وكأن المؤلـف يريـد أن يسيطر على العقل الباطن للمتلقي من خلال جذبه نحو شخصيـات بعينها حتى يخلـق حالـة مـن التعاطف المبطّن معها، فيمـا تغيـب الـرواية الأخرى للأحداث، الروايـة الأخـرى هنـا هـي التي تقبـع على الضفـة الأخـرى لتكـون الوجـه الآخر للحقيقـة، الحقيقـة التي تحمـل وجهين أحدهمـا اجتمـاعي والآخـر سيـاسي في روايـة “الخمـر مـا عـادت تسكر أحـدا”.

المقطع العرضي لحالة المجتمع المصري عند سرد الأحـداث التـاريخية السياسية ليست جديدة، وربّما هي فكرة مكررة حديثا ومطروقة من قبل، إلا أن محمد الجيزاوي استطاع من خلال لغة محكمة وسيطرة بالغة التعقيد على شجرة العائلة التي قدّمها بشكل إيحائي على غلاف الرواية، أن يقدّم محتوى هذه الفكرة بطريقة رشيقة، تقوم على ثـلاثـة أعمدة تتوزّع بيـن الإنسـان والسلطة والأحزاب.

14