رواية مصرية عن بطل يتحول إلى طائر هربا من الوحدة

محاولة الإنسان للتمرد على القيود تبدو لا نهائية ومستمرة منذ فجر الوعي إلى آخر رمق للإنسانية، تمرد ليس على قيود صنعها بنفسه فقط مثل القيود الاجتماعية والسياسية وغيرها، بل حتى على جسده وعالمه. أبرز حالات التمرد هي محاولة الإنسان للطيران، وقد نجح في أن تكون له أجنحة من فولاذ ويطير، لكن ماذا لو استنبت له أجنحة من ريش وطار فعلا متحررا من شتى أنواع القيود.
الجمعة 2017/05/12
محاولة للطيران والتحرر (لوحة للفنان عمر دلوار)

القاهرة – مع توالي أعماله الروائية يظل الهاجس الرئيسي الذي يطارد الكاتب المصري عادل عصمت في أعماله الإبداعية هو الحرية وكسر قيود المجتمع على الإنسان، فلما استبد به الخيال حلق عاليا في السماء متخذا هيئة "غراب".

رواية "صوت الغراب" هي أحدث أعمال الروائي المصري بعد روايته "حكايات يوسف تادرس" التي فاز عنها عصمت بجائزة نجيب محفوظ للأدب في 2016.

وبينما اتخذ بطل "حكايات يوسف تادرس" الفن سبيلا للحرية فإن بطل "صوت الغراب" سكنته فكرة التحرر حتى بدأ عقله وجسده معا يستجيبان لها، فطالت أظفاره وتحدب أنفه واحتدت ملامح وجهه وتهيأ للتحليق عاليا.

محاولة الطيران

تبدأ الأحداث الرواية، الصادرة عن الكتب خان للنشر والتوزيع بالقاهرة في 196 صفحة من القطع المتوسط، في مدينة طنطا بدلتا مصر حيث ولد بطل الرواية وراويها الذي لا يمنحه المؤلف اسما ربما إمعانا في التحرر من كل شيء حتى الأسماء.

يولد البطل لعائلة تعمل بالعطارة وتتوارثها أبا عن جد ويجد نفسه في وسط أسرة تتكون من أمه وأبيه وشقيقيه حسن ومحسن وشقيقتهم الصغرى مريم، لكنه يبقى منعزلا عن الجميع في غربته الداخلية لا ينتمي إلى أحد سوى نفسه.

راودت فكرة الطيران بطل الرواية منذ الطفولة فبدأ الحلم مع أول دراجة حصل عليها. كان يقودها ويذهب بعيدا إلى حدود مدينته ويشعر معها بالتحرر من قيود أمه وأبيه. يقول "كانت الدراجة أداة الطيران الذي جربته في ذلك اليوم. في الضوء الباهر لميدان الساعة أدركت مرة أخرى فضلها. يمكنني أن أطير بها حتى يتلاشى كل شيء، هاربا من البيت الذي بدا لي في ذلك اليوم كجزمة ضيقة علي أن أضع نفسي فيها مهما تقرح جسدي".

بطل الرواية يضيق بمحيطه ويتعزز شعوره بالغربة والانفصال فتبدأ مظاهر التمرد في الانتقال من الشعور والخيال إلى الجسد

ومن الدراجة ينتقل بطل الرواية إلى وسيلة جديدة تساعده على التحرر والتحليق فوق همومه، فيسرق بعض الأموال من شقيقه الأكبر، ويشتري منظارا يراقب به السماء والنجوم، لكن تدريجيا يجد نفسه بدلا من ذلك يراقب الناس والمنازل والنوافذ والطرقات من فوق سطح بيته. كما كان يردد البطل "عشت أفكاري على نحو سري، منتبها لما فيها من خيال، حتى وصلت إلى اللحظة التي بدأ الحنين فيها إلى الطيران. لم أحك لأحد عن المنظار. قصتي التي لن يعرفها غيري، سوف أعيدها في ذهني طول حبسي حتى يأتي اليوم الذي أحلق فيه فوق المدينة وفوق حياتي طائرا إلى بعيد".

مع انتقال بطل الرواية إلى مرحلة التعليم الثانوي ثم الجامعة تتغير الوسيلة إلى السينما ويغرق في عالم الأفلام والصور وما وراءها من تفاصيل، ويعزز ذلك التحاق أحد زملاء دراسته بمعهد الفنون المسرحية، فقد قاده المنظار إلى التعلق بالسينما. وقد "كان الأمر مربكا" كما يقول، فالمتعة التي كان يعيشها عندما يحمل المنظار ويقف في ظلمة السطوح، متحققة في السينما بشكل حي كأنه في حياة طبيعية، حتى أن "ظلمة السينما تشبه ظلمة السطوح" وكما يقول البطل "أجلس ساكنا في لحظة سر. ينسال الناس في مناخ فضي كأنهم في حلم".

يكبر بطل الرواية وتكبر معه وحدته وأفكاره في التمرد والتحرر. يؤدي الخدمة العسكرية وبعد الانتهاء منها ينضم إلى العمل بتجارة العائلة في العطارة لكنه يبقى بلا هدف وبلا طريق، فقط خيال.

صرخة الانطلاق نحو الحرية

تعزيز التمرد

تدخل المرأة على خط الأحداث فيقيم بطل الرواية علاقة حميمة مع ابتسام التي هجرها زوجها وسافر إلى العراق ثم طلقها غيابيا بعد أن أصبحت أما لطفلة.

ابتسام امرأة مقهورة تركها زوجها لتتعذب وحيدة في تدبير احتياجاتها واحتياجات طفلتها، لكنها ليست النموذج المقهور الوحيد الذي يحيط بالبطل ويعزز تمرده. الشقيقة مريم كبرت وحددت هدفها بالعمل في الصحافة، لكن مدينة طنطا لا تلبي هذا الطموح فكان انتقالها إلى القاهرة هو الملاذ.

وهنا تعرضت مريم لبطش أخيها الكبير حسن الذي رفض فكرة ترك شقيقته تعيش وحدها بالعاصمة حتى ولو كان السبب العمل.

هذان النموذجان استدعيا من مخيلة البطل حكاية عمته سعاد التي ماتت مقهورة أمام عينيه وهو طفل، بعد أن أحبت شابا رفضته أسرتها، فما كان منها إلا أن تمردت على العادات والتقاليد وتبعت حبيبها في كل مكان. حبستها الأسرة في غرفة وتركتها تموت ببطء عقابا لها على "خطيئة الاختيار".

يضيق بطل الرواية بمحيطه ويتعزز شعوره بالغربة والانفصال فتبدأ مظاهر التمرد في الانتقال من الشعور والخيال إلى الجسد. يقول “كانت أظفار قدمي محدبة، أطرافها ملتصقة باللحم وسطح الظفر أسود كأن الدماء قد حبست تحته. ربما كانت أول علامة على أن التحور لم يعد يحدث في الداخل بل انتقل ليحدث في الجسد".

رغم سعيه للجوء إلى طبيب نفسي لمحاولة فهم ما يحدث له وإيداعه مصحة نفسية لفترة، إلا أن هذا لم يحل دون اكتمال الحلم أو يقلل من مأساوية النهاية. "في تلك اللحظة سمعت الطلقة، سمعتها واضحة شقت الطريق وحركت كل ما في جسدي من حيوية، وجدت نفسي أندفع إلى الشرفة بسرعة شديدة وأقف للحظات فوق السياج وأفرد أجنحتي وأطير مطلقا ذلك الصوت الخشن الذي طالما أطلقته من بلكونة بيت خالتي".

14