رواية مغربية بالفرنسية عن أطفال يكبرون بسرعة ويموتون أسرع

الأحد 2013/10/27
نجوم يراها الولي المغربي.. وخيول الله تركض في السينما

"ماذا؟ أُصبت بالهذيان! و ماذا بعد؟ ماذا عساني أن أفعل غير ذلك الآن، والوحدة تنخرني وأنا أحوم مثل شبح غريب حول مملكة ذكريات طفولتي. لست أخجل أن أقول لكم إنه حدث لي أن كنت سعيدا وسط هذه الأنقاض البشعة، فوق نفايات هذه المجاري العفنة الملعونة، نعم كنت سعيدا في سيدي مومن، في وطني". بهذا المقطع الروائي يحدّد الكاتب المغربي حيرة "ياشين" بطل روايته، ويحفزه لخوض مغامرته الحياتية.

يحكي "ياشين" كيف كبر بسرعة وكيف مات بسرعة أكبر، في "سيدي مومن"، أحد الأحياء الهامشية بمدينة الدار البيضاء، بين إخوته العشرة، أمّ تصارع الفقر والهوام، و أب كان من قبل أجيرا، يعتكف في صمته وصلواته. إنه جحيم على الأرض، تفوح منه رائحة مطارح النفايات العمومية، التي أصبحت فضاء لكرة القدم، للحشيش والصمغ الذي يُشتمّ، والغطس الممنوع في النهر الذي نضب، لمرائب الدراجات المهترئة. فإذن حين نعِدهم أن الجنة توجد بالباب المقابل، هل لديهم ما يخسرون! هو وشرذمة أصدقائه الجياع؟

بؤس أغبر

رواية مأساوية ومذهلة، مفعمة بالمقالب السيئة والدراما الصامتة، بالتشرد والغبار، بالعلاقات الأخوية والخيانة. ماحي بينبين فنان تشكيلي، نحات وروائي يعيش بمراكش. روايته أسالت دموع القلوب الرقيقة كما أسالت الكثير من الحبر بالصحافة الأدبية عامة والفرنسية خاصة.

فقد نشرت مجلة "Hécate" الفرنسية أنه بعد 11 سبتمبر 2001، حاول بعض الأميركيين تكليم "الإرهابيين"، وفهم نفسية أولئك الناس الذين قدموا من بلاد، غالبا ما يصعب تحديدها على الخريطة، لكن يبدو أنهم يكرهون أميركا لدرجة ارتكاب أفعال غير مفهومة. فعلى الرغم من كونهم روائيين مرموقين، ينتمون في غالبيتهم إلى اليسار الأميركي، فإنهم لم يتمكنوا ولم يعرفوا كيف يتخلصون من عقدة عدم الفهم التي تكبلهم أمام "فظاعة" أفعال من ذلك القبيل، فـ"أي ذريعة تستحق لأجلها بأن نضحي بعدد من الأبرياء؟". دأب فاضل و كاذب، لأننا نعرف جميعا أن غايتنا "في التقدم" تؤدي ثمنها كل يوم دماء عدد من الأبرياء.. لكنهم أبرياء بأماكن بعيدة.. نادرا ما ترصدهم وسائل الإعلام، نادرا ما يبدون لطفاء. بهذه الرواية القصيرة، ماحي بينبين ينجح حيث فشلوا. إنه يُظهر البؤس الأغبر لحي صفيحي، الحياة والبهجة رغم كل شيء، السعادة أحيانا، رغم مطرح النفايات، الضرب، العنف، الضجيج، المماحكة. إنهم يُظهرون كيف يمكن للصدفة الرهيبة وخداع ذوي النفوذ، انتزاع أبسط احتمالات حياة سعيدة، وتحويل أطفال إلى قنابل بشرية. إلى أبعد تقدير، يُظهر الكاتب ما يمنعوننا من التفكير فيه، إن أولئك الشبان كانت لهم أحلام وآمال، وكانت لهم شكوك، لأن البشرية تقاوم، حتى في آخر إيماءة. رواية رائعة تقدمها كتابة رقيقة وطريفة.

موت مألوف


"سيدي مومن"، حي صفيحي على أبواب الدار البيضاء. بهذه الأحياء، مئات البشر يقاومون من أجل البقاء على قيد الحياة. أشغال بسيطة، تنقيب في القمامة، دعارة.. كل ما يصنع الحياة اليومية للطبقة الأسفل من العاملة الحضرية. في هذا المكان الفريد والجماعي في نفس الوقت، في مشهد الدول الفقيرة والسائرة في طريق النمو، يلعب الأطفال كرة القدم، يتعاركون، يتحابون، يتكارهون، يستقبلون الضربات، يشاهدون آباءهم يقاومون، يتيهون، يصمدون، يتآكلون شيئا فشيئا كل يوم. بهذه الأماكن، الموت حاضر ومألوف، المخدرات والعنف أيضا. لكن هناك، كما بأماكن أخرى، يلعب الأطفال كرة القدم. إنهم يحلمون بأن يصبحوا الحارس الأفضل لكل الأزمنة، المهاجم الجديد اللامع، المدافع المنيع. لا يحاول المؤلف أن يُبكي الغربي المتوسط المتكئ على الأريكة الأنيقة، إنه فقط يروي حياة أخرى، ليس أكثر.

هؤلاء الأطفال، يكونون عائلة مختارة بقلب التشتت العائلي الواقعي. يساعدون بعضهم بعضا، يتدربون أحيانا بالمسالك. يجربون المخدرات، والعنف، وعمليات نشل صغيرة، لكنهم يكوّنون مجموعة متينة. ثم من حين إلى آخر، تهُب الفاجعة لتضرب بشدة أكثر من المعتاد على أرض اليأس تلك: يموت طفل، غرقا، سحقا، خنقا، تعنيفا، مخدرا. غالبا ما تتفتت الأسر، لكن أصدقاء الطفولة يواصلون الركب في هذه العاصفة المستمرة. ثم بعد ذلك، يكبر الأطفال، وفي ذلك العالم المشرف على بوابات غرب دسم وفياض، يشاهدون برغبة، باندهاش، تلكم النسوة المفرطات في التحرر، عشقهن الكثير للعبث، ذلك الاستهلاك بلا حدود. هنالك يظهر "الآباء" و"الإخوان" و"الحكماء" بهيئاتهم المداهنة، بمواعظهم، بـ"خبرتهم" في الانحراف، و بـ"عودتهم إلى الله"، يحدثون أولئك الأطفال المندهشين والطريي العظم، بأن كل ذلك ليس مستحبا، بأن ذلك الغرب يغوي و يصدم. و أنه يَسمن مستغلا عوز عائلاتهم ويأسها. الاشتغال ممتد، متواصل، ذكي: سَلاّت وجبات، فرص عمل، مساعدة: الأسلوب نفسه الذي تنهجه المافيا، الأسلوب المتجذّر للعصابات. أنت مقرب، مفضل، وفي النهاية، عائلتك الجديدة لا تطالبك سوى بالطاعة العمياء. حقوق الموت.

هذه الرواية تفسر بكل دقة ما يتصنع نسيانه الرئيس الأميركي والغرب: جذور الإرهاب، كجذور أي من المجتمعات-المضادة تترسخ عميقا في الوحل المقزز للفقر وأحياء الصفيح، في غياب التعليم وفي انسحاب تام للدولة.

حدث مغربي

جريدة (Le Temps) ذكرت أن رواية "نجوم سيدي مومن" هي الحدث الأدبي المغربي لموسم 2010! فضلا عن كونه فنانا تشكيليا معترفا به عالميا، ماحي بينبين يبقى كاتبا موهوبا، بأسلوب بسيط ومنسق. فمنذ 1992، وهو يُنتج قطعة نادرة كل ثلاث سنوات. بما في ذلك وصلته الشاردة في 2003، بـ"أرض الظل المحروقة"، وهي سرد لفنان تشكيلي بائس يموت وحيدا على مقعد عمومي بباريس (في إشارة لـ"جيلالي غرباوي"). بينبين كان دائما يستنبط إلهامه من تربة مغرب ولادته. والنتيجة غالبا ما تصيب الهدف، يسلّي بعض الشيء، ويؤثّر كثيرا. سواء في روايته "نوم المستعبد"، المستوحاة من طفولته بالمدينة القديمة لمراكش، أو في "جنازة الحليب"، و"ظل الشاعر"، و"لقاحات"، أو أيضا "آكلو لحوم البشر" التي تنكبّ بطريقة مأساوية على أهوال الهجرة غير الشرعية، اعتاد المؤلف أن يلقي نظرة استبطانية على المجتمع الذي يحيط به وأحيانا يُطوقه.

رواية معقدة

روايته الجديدة لم تخرج عن القاعدة. "نجوم سيدي مومن" رؤية أزيز عالم أهوج، بائس، عديم المستقبل، ينفث أبشع صفحات التاريخ المعاصر للمغرب، إنها اعتداءات 16 مايو 2003.

في هذا الكتاب، يتبنى الكاتب نبرة الصوت المكتوم، ذلك الانتحاري الذي مباشرة بعد انتحاره، سيعود من العالم الآخر ليروي الحكاية من وجهة نظره. دون رياء أو محاولة رد الاعتبار، لكن أيضا دون ملامة مفرطة أو تجريم، يحاول الكاتب أن يفهم كيف أمكن لمجتمع كان يعيش في سلام، أن ينقلب فجأة بين عشية وضحاها إلى ذلك المأتم المروع. "لقد أُصبنا جميعا بهول الصدمة من جراء هذه التراجيديا التي لا تمتّ إلينا بصلة. أردت أن أفهم كيف أمكن لذلك أن يحدث لنا. فالمغربي ليس عنيفا بطبعه"، هكذا يبرر الكاتب مُقرا أنه فكّر على التو أن يجعل من ذلك كتابا. لكن بين أعماله التشكيلية الجذابة وضرورة أخذ المسافة الكافية تجاه موضوع من ذلك القبيل، لن يتم نشر الرواية إلا ابتداء من يناير 2010، أي ست سنوات من الاشتغال الدقيق. بالإضافة إلى أن الأمر تطلب منه تشكيل مادة مترابطة من الأبحاث والتحقيقات والمعلومات الصرفة، ثم المرور عبر واحة التأمل ليغذي إنتاجه المستقبلي. "ذهبت إلى عين المكان، فوجدت نفسي في كوكب آخر. عدت هناك عدة مرات، في 2004، في 2006، ومؤخرا في 2009. أمضيت خمس سنوات في كتابة هذه الرواية القصيرة. إنه كتاب معقد: من جهة، لم يكن باستطاعتي إيجاد تبرير للإرهاب، ومن ناحية أخرى، كنت مضطرا لأفهم أنه حين نولد في البؤس، مطوقين بمطرح للقمامة من 100 هكتار كأفق وحيد، نكون فريسة سهلة لأول بائع للأحلام".

لربما شكل ذلك أهم التحديات لدى ذلك الفنان- الكاتب المتشبع بروح الدعابة، الذي لا يبخل بالكلمات الجميلة، والذي لا يتوانى عن النحت الدؤوب والنقش في أي مادة تفتي له قريحته أنها ستصير قطعة قيمة.

لقد تطلب منه الأمر مجهودا كي يلبث في دروب الخيال وألا يسقط في مطبات إعادة تشكيل الوقائع. "لم أصنع وثيقة. إنه خيال استلهمته من مأساة. تكمن وظيفتي ككاتب في رسم المشهد. أحاول وصف زمني على القدر المستطاع من الموضوعية. العالم الذي أصفه سيكون بالتأكيد منمقا شيئا ما، مبالغا فيه شيئا ما، و كتحصيل حاصل، إنه يندرج في واقع الخيال".

13