رواية نسوية عن فتاة نصفها امرأة ونصفها الآخر رجل

الروائية بدرية البدري تلامس في "ظل هيرمافروديتوس" مناطق محرمة اجتماعيا، ويندر أن تقترب منها الروائيات العربيات وتوضح أن القضية التي تناولتها تحتاج لوقت أطول ليتفهمها المجتمع.
الاثنين 2018/06/18
كاتبة تقتحم المحرمات
 

تعدّ الروائية العُمانية بدرية البدري من الأصوات الاستثنائية في الرواية الخليجية، فهي لا تقدّم عملا إلا بعد أن تتمكّن منه بحثاً وتنقيباً وحفرا، وبالإضافة إلى اشتغالها الروائي تشتغل على الشعر الشعبي والفصيح، وحول روايتها الأخيرة “ظل هيرمافروديتوس” التي جاءت بعد روايتين “ما وراء الفقد” 2015، و”العبور الأخير” 2017، كان لـ”العرب” هذا الحوار مع بدرية البدري، متطرقين فيه إلى قضايا ثقافية أخرى.

على هيئة عتبة نصية تأويلية تستفتح بدرية البدري روايتها “ظل هيرمافروديتوس”، الصادرة مؤخرا عن دار عرب للنشر والترجمة بلندن، بمقطع من كتاب “مسخ الكائنات”، مستحضرةً أسطورة -تصرفت في صياغتها- لهيرمافروديتوس وهو يتّحد بجسده مع الحورية التي أرادت أن يمنحها المتعة.

وبالعودة إلى فيلم The Danish Girl الذي تناول الجنس المتحوّل، حيث يروي حكاية أول رجل في العالم يتحول إلى فتاة عام 1920، وذلك بعد أن شعر وهو يقوم بدور الموديل لزوجته الفنانة التشكيلية جريتا واغنر، بأن جسده الذكوري لا ينتمي إليه، وأن بداخله أنثى ترغب في الخروج منه. وفي الوقت الذي كان يحاول أن ينسجم مع شعوره الجديد كان الأطباء النفسيون يشخصونه بالإصابة بالانفصام، الأمر الذي جعله يهرب من الطب النفسي للعلاج الجراحي. وتدور الأحداث ليجد نفسه أول متحوّل في العالم.

الهوية الجنسية

في الضفة المعاكسة لهذا السيناريو نواجه سعاد، بطلة رواية “ظل هيرمافروديتوس”، تقف في الجانب الآخر مستشعرة رجلاٍ يسكن أنثاها، وأنثى تسكن رجولتها في الآن نفسه، في تفاصيل سردية دقيقة تكشف بشكل عميق عن تقمّص حالتين؛ نصف امرأة، ونصف رجل. ومحاولة البطلة الاصطفاف في الجهة المناسبة ليس لذاتها فحسب، وإنما للوضع النسقي المحيط بها، حيث الاختيار هو من سيحدد الهوية الجنسية بين هويتين.

حين يقرر الروائي الدخول في عمق شخصية معينة، عليه أن يتحمل المسؤولية كاملة، وألا يقدم للقارئ مادة هشة

وفي إشارة ذكية إلى الاضطراب النفسي للشخصية، والرجة الوجودية التي تصاحب البطلة حتى النهاية، تتحدث الرواية عن فتاة مصابة باضطراب الهوية الجنسية، وتحاول الوصول لأنوثتها الكاملة، وحين تصل لمرحلة اليأس التام، تقرر الانحياز لرجولة رافقتها منذ ولادتها.

وفي هذا السياق ترى البدري أن الكاتب ليس مسؤولا عن إقناع الناس، وفرض رؤاه وقناعاته، وكل ما عليه فعله كشف النقاب عما هو مسكوت عنه، والمُدارى خلف الأقنعة، فعليه أن يُبصّرهم بما لا يرونه، أو لا يريدون رؤيته، وتسليط الضوء عليه.

تقول الكاتبة “الموضوع هنا كان شائكا ومقلقا، ولا يُفصحُ عنه في الواقع إلا القليل من المصابين به، وغالباً ما يواجهون تحدياً في مجتمعاتهم، قد توصلهم أحيانا للانتحار، خاصة إذا ما رافق ذلك استمرار الاضطراب النفسي، وعدم الوصول للرضا التام عن الجسد، واستمر المُصاب بالإحساس بالذنب تجاه جسده”.

وتتابع في الشأن نفسه “أعترف أن ‘سعاد‘ تمكّنت من تلبّسي تماما خلال فترة كتابتي للرواية، لدرجة أنني كنت أشعر بكل وجعٍ مر بها، كنت لا أنام وأنا أفكر كيف يمكن لها احتمال ذلك القلق، وذلك الانتظار، كنت أنتظر معها، وأراقب جسدي، وأستشعرها تنظر للمرآة ولا ترى ما تود رؤيته، أحترق معها، وأنطفئ معها. كما أعترف أنها أكثر من تمكن من محاصرتي، لدرجة أن الأحداث كانت تأتي تِباعا، لم تُتعبني في الكتابة، ولكنها أتعبت روحي، ولم أنجح في التخلص من تأثيرها حتى بعد انتهائي من كتابة الرواية”.

تلامس البدري في الرواية مناطق محرمة اجتماعيا، ويندر أن تقترب منها الروائيات العربيات، لا سيما في الخليج، إلا بالكثير من الحذر والمواربة. نسألها هل كانت شجاعة في التعبير عن قلقها الروائي وعن أسئلتها أم أنها التجأت للمراوغة السردية حتى تفلت من أن تكون لقمة سائغة في فم الرقيب الاجتماعي والسياسي والديني؟

وتجيب “في الحقيقة كنتُ حذرة جدا، ولكنه حذر الشجاع الذي لا يسمح لتهوّره بأن يُلقيه في المهالك، هو حذرٌ ذكي، لم يُخلّ بفكرة الرواية، أو يُربك تناولها، أظنني وفّيت القضية حقها من جميع النواحي، دون أن أخدش حياء القارئ، أو أسمح للمتصيّدين في الماء العكِر بتعكير صفو الرواية ورسالتها. ولكن هذه القناعة لن يُصدّقها إلا القارئ الذي يعيش تفاصيل الرواية ويؤمن ببطلتها، ويساندها، والمساندة هنا قد تكون بقناعة مختلفة، وفق رؤى يراها القارئ، ولكنه أخيرا لا يلومها بينه وبين نفسه على قرارها، وهو ما أود إيصاله “إننا لا نشعر بالآخر إلا إذا وضعنا أنفسنا مكانه، نعيش أدق تفاصيله، نتألم نبكي ونضحك معه”.

وتوضح البدري أن القضية التي تناولتها الرواية تحتاج لوقت أطول ليتفهمها المجتمع، فالمسألة ليست سهلة، خاصة مع الخلط بين الاضطراب النفسي للهوية الجنسية، وأولئك الذي خلقوا بعيب خَلقي من جهة وأولئك الذي اختاروا لأنفسهم الانحياز للطرف الآخر، مع اكتمالهم الجسماني، وعدم معاناتهم من أي نقص أو عيب خَلقي من جهة أخرى، وهو المرفوض مجتمعيا، هذا الخلط بين الاثنين هو الذي يجعل الشخص المصاب باضطراب الهوية الجنسية يتردد كثيرا في اتخاذ القرار، ويظل في صراع نفسي يزيد من معاناته، فكان لا بد من تسليط الضوء على هذه المعاناة، وهذا القلق.

كشف النقاب عما هو مسكوت عنه
كشف النقاب عما هو مسكوت عنه

تقول “في فترة بحثي عن هذا المرض، تعرّفت على شخصيات عديدة، ولدوا بعيب خلقي، لدرجة أنهم كانوا يتعالجون نفسيا من الطفولة، وهنا للوعي دور كبير في علاج الأمر، التستّر ليس حلا أبدا، قد يكون الكارثة التي تقضي على كل أمل بالحياة”.

الدخول في الشخصية

في معرض حديثنا عن البحث والتقصّي والحفر والمتابعة لشخصيتها الروائية المعقّدة والمتداخلة في الهوية الجنسية، تقول “لأن شخصيتي الروائية تعاني من مرض طبي/ نفسي، كان لا بد من البحث عن أدق التفاصيل المتعلقة بالوضع الطبي للبطلة، خاصة أنها كانت تعمل ممرضة في محاولة منها للبحث عن علاج لوضعها الصحي، والحمدلله أنني توفقت في ذلك، لدرجة أن أول سؤال وجهه لي أغلب من قرأوا الرواية: هل أنتِ ممرضة؟”.

وتضيف “حين يقرر الروائي الدخول في عمق شخصية معينة، عليه أن يتحمّل المسؤولية كاملة، وألا يقدم للقارئ مادة هشة، فارغة من الوعي، لأنه سينكشف مباشرة للقارئ، فإما أن يأتي بموضوع سطحي مباشر، وإما فليكن وعيه هو الرهان الرابح بين أسطر الرواية. وحقيقةً لم أكتفِ بالبحث في الإنترنت فقط، تواصلت مع عدد من الأطباء الاختصاصيين في الأمر، كما تواصلت مع أشخاص لهم عاشوا في كل مكان ذكرته في الرواية: فيلادلفيا، ودراسة التمريض بها، والبعثات، دار رعاية الطفولة، دار رعاية المسنين… إلخ. كان لا بد من معرفة أدق التفاصيل للأماكن والشخصيات، وهنا لم يكن الإنترنت كافيا، لذلك منحتُ نفسي وقتا خصصته لتجميع المعلومات
فقط لأكون صادقة ودقيقة في كل كلمة أمنحها للقارئ”.

وعن قراءتها الشخصية للمشهد العماني المعاصر تقول بدرية البدري مختتمة الحوار “واثقة بأنه سيثبت حضوره قريبا على المشهد العربي، نحن في حاجة لمن يوصلنا للآخرين بشكل صحيح، ولذلك تجدنا ننشر خارج دور النشر العمانية لأنها لا تصل لأبعد من حدودنا الخليجية، ورغم ذلك تجد كتاباتنا حبيسة الأرفف والمعارض. الرواية العربية بشكل عام تعاني من أزمة مواصلات -إن جاز لي التعبيرـ فلا توجد دار نشر حاضرة بقوة في المكتبات، وبين الناس، وإن لم يشتغل الكاتب بنفسه على توزيع كتابه يبقى بعيدا عن الناس، وهنا يطرح السؤال نفسه: ألا يكفي الكاتب أنه كتب ونشر؟ أيجب عليه أن يبحث عن قُرّاء أيضاً؟ ولا تقل لي إن القارئ سيبحث عن الكتاب بنفسه، لأن القارئ إن لم يعلم عن الكتاب أو يصل إليه، فكيف سيبحث عنه؟”.

15