رواية يابانية تكشف حياة الهامشيين في مجتمع متطور

السبت 2016/04/23
رواية تتناول عالم الليل في طوكيو بمهازله ومآسيه

القاهرة- تحكي رواية “بعد الظلام” للروائي الياباني هاروكي موراكامي، عن عالم الليل في طوكيو العاصمة بمهازله ومآسيه، ولا يتعدّى زمان الرواية ست ساعات، تبدأ بلقاء امرأة بموسيقيّ عازف ثم بامرأة يتبين بعدها أنها قوادة، تريد منها أن تقوم بترجمة ما تقوله الفتاة الصينية لنكتشف بعد ذلك جريمة.

وفي هذه الرواية التي صدرت في طبعة ثانية، من ترجمة محمد عيد إبراهيم، عن منشورات ألف ليلة، بالقاهرة، نستطلع مصيرا بالغ الأسى للهامشيين هناك، وسط المجتمع المتطور والتكنولوجيا الرهيبة، يفتح فيها موراكامي أمام القارئ عينا غير مرئية على عالم الليل الغرائبيّ في طوكيو.

تجمع الرواية ما بين الواقعية السوريالية والخيال الجموح، لكنها تكشف عن نوازع إنسانية وسط التقدم التقنيّ الجائع إلى هدم القيم واستنباط قيم جديدة بعيدة كلّ البعد عن الجوارح وعوالم الروحانية الطُهرانية.

كما نرى أن شخوصه النسويّة تعيش غالبا في عزلة دائمة، تحكمها لعبة النور والظلال، تحت رحمة أفكار سوداوية تخطّ الملامح في ألق متوتّر، بينما الزمن هو بطل اللوحة، نلمحه في خطوط وتعبيرات وألوان بسيطة تشكّل روح المكان. ومع أنه زمن محدود نسبيا، إلا أنه اعتباريّا طويل، مع تسارع الأحداث وغرابة العالم، ضمن السرد المعرفيّ الذي يميز معمل موراكاميّ الروائيّ على الدوام.

وكعادة موراكامي يقحمنا هذا الكاتب الساحر في عوالم حكاياته التي يقودنا إليها بخيط سحري، هو عبارة عن نسيج صلب من البساطة والسلاسة في السرد. فأعمال الكاتب والمترجم الياباني تتميز بسهولة الوصول إليها ولكنها معقدة وعميقة، يقحم قارئه مباشرة في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى عادية وهادئة إلى أن يدخل به مدى لانهائيا من اللذة التي لا يستطيع الفكاك منها، ويجعله من خلال عناصر – من شخصيات وأماكن وأحداث وأزمنة- بسيطة مشاركا في السرد يتتبع الشخصيات في هدوئها ولهاثها في حركتها وسكونها وأفكارها حتى تلك التي تبدو للوهلة الأولى سوداء، ما هي إلا قرصة لإيقاظ أفكار جديدة مغايرة عن الحياة والماضي والحب والجنس والمجتمع.

لذا لا عجب أن نجد موراكامي في كل سنة من أبرز المرشحين لنيل جائزة نوبل، إذ نجح في نقل تفاصيل كانت في الظلال للحياة اليابانية، والتي تمكن هذا الكاتب الفذ من جعلها حياة لكل إنسان على وجه الأرض.

ومن أجواء هذه الرواية، نقتطف هذا المقطع “عينان تستكشفان المدينة. استوعبنا المشهد، عبر عينيْ طائر يحلّق عاليا في الليل، من وسط الهواء. بنظرتنا العريضة، تبدو المدينة مثل مخلوق وحيد عملاق؛ أو بالحريّ وجود وحيد جمعيّ تخلّق من غفير من الكائنات المضفّرة. تنبسط شرايين لا حصر لها نحو نهايات جسمه المراوغ، فترسل معلومات جديدة وتجمّع القديمة، تُرسل مُستنفدات جديدة وتُجمّع القديمة، تُرسل متناقضات جديدة وتُجمّع القديمة. تخفق أجزاء الجسم، تبعا لإيقاعات نبضها، ثم تتوهّج فجأة فتلتوي. منتصف الليل قريب، وريثما كانت تنقضي ذروة النشاط، تتواصل الحياة، فتُنتج جهيرا متّصلا من عويل المدينة، لكنه مُحمّل بنذير شؤم”.

16