رواية يسردها حنا الفلسطيني أبطالها قديسون وشياطين

كثيرة هي الأعمال الأدبية التي تهتم بالتحقيقات الميدانية، وتنبش في حياة المهمشين، وما يغفل الناس عنه، وهي أعمال تحاول أن تنصف من ظلمهم التاريخ، ومن فاتهم التوثيق، لتكشف بين سطورها عن كنوز بشرية ومكانية ووطنية. ولعل ما تمرّ به فلسطين منذ عقود خلت تحت وطأة الاحتلال أطلق للكتّاب العنان لسرد تفاصيل صغيرة ربما نسيها التاريخ أو مرّ عليها الناس مرور الكرام دون الانتباه إلى ما تخفيه من رمزية وبطولة حقيقية.
الأربعاء 2016/01/20
الرواية مزيج من بيت لحم عاليها وسافلها وتاريخها وحاراتها

في روايته "قبلة بيت لحم الأخيرة"، والتي أعيد إصدارها عام 2015 عن دار السنابل، بغلاف يحمل مشهدا لكنيسة المهد أثناء حصارها عام 2002 على يد جيش الاحتلال، ويمارس فيها الروائي أسامة العيسة أسلوبه الذي يتميز به في تقديم عمل إبداعي بطله العادي حنا الحردان، الذي يمثل المستقلين وغير المتحزبين في العمل السياسي الفلسطيني، حنا الذي يحب سميرة الثورية اليسارية، وعبر علاقتهما معا يستجمع العيسة المشاهد الروائية لينسج القبلة الأخيرة التي يتوحد بها البطل مع مدينته وعاصمة روايته، بيت لحم. كما حمل عبء البطولة عدد من الرواة الداخليين ليساندوا حنا في حكايته بالمعتقل وخارجه، يستعين بهم ليتمكن من التغلغل عميقا في الحكايات.

المكان البطل

تجعل طريقة العيسة في السرد من المكان بطلا رئيسيا، فيما تتحول الشخصيات إلى أبطال ثانويين وبذلك تغيب البطولة التقليدية في منحى ما بعد حداثي، ويعبّر الروائي عن ذلك بلغة بصرية تعكس علاقة المكان بالإنسان، ومدى طبيعة العلاقة المتبادلة بينهما إيجابا وسلبا.

مع غياب البناء التقليدي للرواية في "قبلة بيت لحم الأخيرة"، يلتقط العيسة المشاهد والتفاصيل التي ينساها الجميع، بموضوعية بحثية، ويستند إلى ذاكرة المكان لاستنطاقها كي تبوح بذاكرة الزمان، فيتحدث عن الكنيسة وما تحتها، وسوق الرابش، والسينما وما تعنيه، وعن التغيير الذي طرأ على مجتمعنا، ونحن نحسبه إلى الأفضل، بينما كنا نتخلص من أثقالنا إلى أن تخلصنا من كل ما كان يدفئنا من برد الاحتلال.

طريقة العيسة في السرد تجعل من المكان بطلا رئيسيا، فيما تتحول الشخصيات إلى أبطال ثانويين

وكان الروائي في مغامرته السردية يغزل الرواية بأدوات دقيقة، وصبر طويل، ويصنع خيطا رفيعا متماسكا يمكن نسله، من العنوان إلى الخاتمة، وبذلك يتحول السرد إلى حيلة روائية لإدارة العلاقة مع التفاصيل؛ بهدف تكوين المنجز الروائي الذي يقبّلُ فيه الروائي مدينته بدلا من حبيبته سميرة، التي صارت تركب الباجيرو في صعودها نحو طبقة كانت تسميها بالبرجوازية العفنة، كعادة اليسار في وصم الطبقات الثرية، ثم صارت سميرة الثائرة جزءا من البرجوازية الجديدة في رام الله؛ عندما التحقت بالمنظمات الشعبية وفازت بجوائز أميركية، وتزوجت من الطرف النقيض.

ومع أن المكان هو العمود الفقري للرواية، وهو بيت لحم بأزقتها وأقواسها وحاراتها وكنيستها وأسواقها ودور السينما، لكن بقي الإنسان هو الهاجس الروائي عند العيسة، فهو في الأساس مؤثر ومتأثر، ويعرض الإنسان الذي كان فلسطينيا فصار مزدوج الانتماءات، ثم يتغير كل شيء؛ أصبح الثوري براغماتيا، وصار المستقل ثائرا، وحلت قضية الجندر محل القضية الفلسطينية وتوطنت المنظمات الأهلية محل التكتل الحزبي، وأصبحت القضية الأم، والصراع الأب، صراع حقوق إنسان بدلا من صراع أصحاب الأرض مع الغزاة، وصارت المرجعية للمموّلين بدل المراجع الفكرية، فمضى البنك الدولي يصنع الثوابت، وتزوّج الثوار أصحاب الرصاص بمشاريع مربحة، فتحوّلت القواسم إلى قواصم، وحدثت انزياحات في الخطوط الحمراء، حتى الباجيرو صارت طموحا في الزمن الرديء.

للشخصيات في رواية العيسة بطولة جماعية مشتركة رغم محورية ودور رائد الحردان الراوي الداخلي الذي ينافس العيسة باعتباره راويا خارجيا، إلا أننا لا نجد فارقا كبيرا بينهما، لا من حيث الثقافة، ولا من حيث التكوين.

شخصية حنا/ رائد الحردان المحورية تتمتع ببطولة باردة، وهي بطولة الإنسان العادي فلا دونكيشوتية، ولا تمجيد ولا لعن، بل تتعامل مع إنسان له نقاط ضعف وقوة وفشل وحب، ويمتلك الحق في أن ينكسر، وأن يكون ضحية مع بقائه إنسانا يمتلك طاقة الحياة في مواجهة عملية المحو أو الإنشاء التي يمارسها الظلم الاجتماعي أولا، والجهل ثانيا، والاحتلال دائما.

الرواية قد تسبب وجعا لكنها لا توجع بذاتها

رواية موجعة

يروي العيسة روايته في جلباب حنا الحردان، بل ويمارس بذاته اكتشاف نفسه العاشقة للمدينة، بالإضافة إلى الزمان والمكان والجغرافيا، فيتجوّل في سرد متدفق وتغذيات جانبية، وارتدادات إلى الخلف “الفلاش باك” ونحسب أن أسلوب العيسة كما قالت سحر خليفة: الأسلوب يتقاطع مع طريقة إميل حبيبي؛ وهو يفتح المجال لمعرفة ما خسرناه إنسانيا ونضاليا، وهو أيضا يكشف عن كثير من الأبطال الذين ينطوون، أو يقعون تحت وطأة الروتين العادي واليومي، لكنهم عبر السرديات الصغرى التي يجمعها الراويان، الداخلي والخارجي، يتحولون إلى كنوز سردية تفصح عن الكثير ممّا لا نعرفه، ولا نحسب أننا سنعرفه إلا في حكاية يتقمصها أبطال الرواية من القديسين إلى الشياطين.

إن السرديات الصغرى التي تكوّن الرواية ترفد بعضها في طريق إنجاز السردية الكبرى (رواية مدينة بيت لحم) وتلفت انتباهنا إلى ما نحن مقبلون عليه، ذلك يدعو بصوت عال إلى ضرورة بقائنا متماسكين في صراعنا الطويل أمام الأساليب غير الإنسانية، ويدعو إلى فهم مكانتنا الحضارية أمام القشرة المهذبة للوحش الاستعماري، الذي يمحونا شيئا فشيئا، في مشروعه الطويل والتراكمي وصولا إلى كيانه الخالي منا، ومما يدل علينا.

يدير أسامة العيسة علاقة ملتبسة مع المحيط الإنساني والسياسي والمكاني. إنه لا يدين من حيث يعرّي ويفضح الفساد والظلم والخيانة والتواطؤ، ولا يشتم من حيث يقول الحقيقة المرّة بصوت مرتفع، قد يثقب بعض الآذان، أو يقض مضاجع الغافين عن الناس.

أختلف قليلا مع من كتبوا عن الرواية، فالكاتب المقدسي إبراهيم جوهر قال إنها رواية موجعة، تعرّي وتفضح وتشخص. أعتقد أن الرواية قد تسبب وجعا، لكنها لا توجع بذاتها، ذلك أنها وسيلة للتعبير الحضاري، وهي في دورها الجمالي تنقض بؤرة الألم، وبذلك توجع كالجرّاح الذي ينبش الجرح المتعفن، إنها لا تعرّي بقدر ما تكشف عن أننا عراة برفقة الإمبراطور العاري.

وتخبرنا منذ البداية أننا لبسنا ثوبا ليس بمقاسنا الوطني والإنساني، وليس محصنا ضد نكباتنا، لقد سقط عنا الثوب في فترة لاحقة، فبقينا وحدنا دونه. لم نقف مرة أمام المرآة بصدق لنسمعها تقول لنا إننا نحتاج ما يلائمنا، وأن ما ينفعنا في مشروعنا النضالي هو ما نبتكره، وعلينا أن نختار الأدوات والأساليب بناء على ما يناسب أهدافنا، ويتوافق مع حجم مسؤوليتنا وأطموحاتنا.

14