رواية يوسف زيدان الأخيرة: غوص في عالم المرأة

الأربعاء 2016/10/12
رواية من النوع المونودرامي

القاهرة- حار كتاب كثيرون في الكتابة عن المرأة أو لها، لكن الروائي والباحث والأكاديمي المصري يوسف زيدان، أصر على أن يسبر أغوار الأنثى في أحدث رواياته “نور”. والرواية الواردة في 262 صفحة من القطع المتوسط، هي متممة لثلاثية كان قد بدأها زيدان قبل أربع سنوات برواية “محال” ثم “غوانتانامو”، وربما تكون هي الأكثر استنزافا لوقت المؤلف إذ بلغ الفاصل الزمني بينها وبين الجزء السابق عامين ونصف العام.

الرواية، الصادرة عن دار الشروق في القاهرة، من النوع المونودرامي إذ تدور أحداثها في فلك شخص واحد يسرد للقارئ الأحداث من خلال وجهة نظره وتفاعله مع باقي الشخصيات المحيطة، فلا قصص موازية تتقاطع أو تتشابك مع الخط الرئيسي وإنما هي جميعها خيوط تتفرع من البطل وتعود إليه.

والراوي هنا “نورا” بطلة الرواية التي عرفها القارئ في الجزأين السابقين تلك الفتاة الجامعية “السكندرية” المرحة المنطلقة، والتي يعود المؤلف ليقدمها للقارئ وقد صارت أمّا لطفلة صغيرة تحمل الرواية اسمها نور. تسير المئة صفحة الأولى من الرواية وسط أطلال الماضي، حيث تسترجع نورا قصتها مع الفتى النوبي محمد، الذي وهبته أغلى ما تملك وتعمّدت أن تغرس بذرته في رحمها قبل أن تتزوج مقهورة من رجل ليبي الجنسية بسبب ظروفها العائلية والمالية ويغادر هو مصر.

وعلى امتداد صفحات الرواية تدور الفكرة الرئيسية حول معاناة المرأة في المجتمعات العربية أو المجتمع المصري على وجه التحديد، فهي أسيرة محيطها الاجتماعي الذي يشكلها كما يريد، وفريسة لنظرات وأطماع الرجال ورهينة إرادة عائلها المالي الذي ينفق عليها. ومع بلوغ منتصف الرواية تبدأ الأحداث في التحرك رويدا رويدا مع انتقال نورا مع ابنتها وجارتهما العجوز توحة إلى شقة جديدة وظهور شخصيات جديدة أبرزها المهندس المعماري أشرف الذي تقع البطلة في هواه لاحقا.

وفي الصفحات التالية يأخذنا المؤلف في رحلة عشق بين نورا وأشرف، قد تصعب على القارئ استساغتها لأنها تشبع رغبات الاثنين في الأمان والدفء والطمأنينة لكنها لا تفضي في النهاية إلى شكل محدد للعلاقة بينهما أو تسفر عن ارتباط رسمي. ومع اقتراب النهاية تتعقد الأمور ويظهر فجأة محمد الحبيب القديم وهو الأب الحقيقي للطفلة نور الذي تبدلت أحواله وتغيرت كثيرا بعد سبع سنوات قضاها داخل معتقل غوانتانامو الأميركي، وتقتحم السياسة سطور الرواية بشكل كاسح قد يشكل القليل من الإزعاج للقارئ الذي اطمأن إلى أنه يتابع عملا اجتماعيا بالدرجة الأولى.

وتتصاعد الأحداث وتدخل البطلة في صراع داخلي بين رغبتها في الحفاظ على استقلالها المادي وسعيها للحصول على درجة الدكتوراه، وبين الانصياع لنداء القلب وترك كل ما حققته في سنواتها القليلة الماضية من أجل حياة جديدة مجهولة المعالم، حيث يلخّص المؤلف هذه الحيرة في الجملة الأخيرة بالرواية “الحياة التي نحلم بها محال”. ولا تخلو رواية “نور” بين الحين والآخر من تساؤلات فلسفية للكاتب أستاذ الفلسفة وتاريخ العلوم بجامعة الإسكندرية عن حكمة الله في خلقه، وطبيعة التكوين النفسي والبيولوجي للمرأة والتي تجعلها متقلبة المزاج وحادة الطباع في أوقات متكررة كل شهر.

إلا أن مقارنة الرواية مع سابقاتها مثل “محال” و”غوانتانامو” من حيث ثراء الشخصيات وتعدد مواقع الأحداث والقضايا الفكرية المطروحة، قد لا تعطيها الأفضلية عليها. وبقدر ما اقترب المؤلف من مشاعر المرأة وهواجسها وآلامها وأحلامها، فإنه يؤكد وعلى لسان البطلة أن بلوغ هذا الموقع عصي إلا القليل منهم، حيث يقول “للأنوثة جوهر واحد ووجوه لا حصر لها.. المرأة واحدة أما أحوال النساء فهي على عدد أنفاس البشر. وهذا سرّ لا يدركه من الرجال إلا من كان راقيا”.

15