روايتان قصيرتان في كتاب

كتاب "رفيف الحنين" للقاص والمصور المصري وائل وجدي يضم روايتين قصيرتين هما "أطياف وظلال" و"سبعة أيام فقط".
الاثنين 2018/06/25
ما بين الطيف والظل رحلة للبحث عن ذلك الشيء المخبوء بداخلنا

القاهرة - وائل وجدي قاص ومصور مصري يمتلك تجربة خصبة مع الإبداع تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، أسفرت عن خمسة عشر كتابا، آخرها “رفيف الحنين”، ويضم روايتين قصيرتين هما “أطياف وظلال” و “سبعة أيام فقط؟”، والكاتب في قصص مجموعاته السبع وفي رواياته الخمس القصيرة، يعتمد في البناء الفني لأعماله على استدعاء دواخل الشخصيات عبر لقطة يتم وصفها من خلال المزاوجة بين الماضي والحاضر، بين الداخل والخارج.

تبدأ رواية ”أطياف وظلال” للقاص والمصور المصري وائل وجدي، بمقولة ساراماغو ”داخل كل منا شيء لا اسم له، هذا الشيء هو نحن أنفسنا”، وما بين الطيف والظل رحلة للبحث عن ذلك الشيء المخبوء بداخلنا.

وما بين الطيف والظل يختبئ الروائي خلف شخصياته وهو يسائل نفسه لحظة اكتشافه للهوة السحيقة بين طيفه القديم وظله الماثل، أو بين صورتيه: صورة الصبي البريء الحالم الذي كان، والذي نسمع صوته في الرواية، وصورة الآخر الذي فقد ملامحه وأجهضت أحلامه وهو واقف عند آخر المسافة بين الصورتين يستعيد ما مضى.

ولعل تلك الرغبة في الاختفاء هي التي دفعته إلى اختيار تقنية تعدد الأصوات لبناء روايته. الأصوات التي تحكي لنا الرواية أربعة أصوات لنائل الصبي، والجد الذي لا تذكر الرواية اسمه، وضياء خال نائل، وأخيرا أماني حبيبته. وتدور أحداث الرواية، وفقا لما ترويه الأصوات الأربعة خلال الإجازة الصيفية بعد انتهاء نائل من امتحاناته وفي قرية الجد، وتتشعب زمانيا.

 في الرواية يلحظ القارئ أن صوت ”نائل” هو الصوت الغالب إذ يمنحه وجدي نصف صفحات روايته. وهو أول صوت نسمعه خلال الفصل الأول الذي يشغل ما يقرب من ربع صفحات العمل، يرسم خلالها صورة للقرية.

 نتعرف أيضا من خلال صوت نائل على الأصوات الأخرى المشاركة له في الرواية، فالجد هو العطوف الذي يوقظه في الصباح بقبلة ويعطيه ثمرة المانجو ويصحبه إلى السوق، أما ضياء الخال فهو يشاركه الولع بالقراءة والآثار، وأماني “اسم أحبه، شغف بصاحبته، بشقاوتها وانطلاقاتها المرحة”.. هكذا قدم نائل الشخصيات الأخرى.. فكيف قدمت نفسها؟رواية

الجد خرج إلى المعاش ليطول به الوقت ويستبد به الملل، وتصبح زيارات نائل كسرا للملل والرتابة. يلحظ الجد قرب نائل من خاله ضياء ويسعد بذلك ونعرف أنهما ورثا منه حب التاريخ. أما ضياء الأستاذ الجامعي المتخصص في الآثار فيغرم بآثار تل بسطة ويشارك في بعثات الحفر فيها. لكنه يقع في ورطة حينما تختفي إحدى القطع من صالة عرض الآثار في متحف الجامعة الذي يشرف عليه.

أما في الرواية الثانية بعنوان “الأيام السبعة” فيرتب الكاتب فصول الرواية التي ترصد وقائع الأيام السبعة الأخيرة قبل رحيل الأب ترتيبا عكسيا، فيبدأ باليوم السابع يليه السادس فالخامس، وهكذا حتى تنتهي الرواية بالأول. ببدايتها الحقيقية، حدث رحيل الأب، يستعيد الابن أحداث الأيام السبعة الأخيرة المؤذنة بالرحيل، ومن خلال ذكريات الابن تنمو الأحداث راسمة صورة الأب المستعادة من تذكر الابن لطفولته وصباه.

يبدأ الفصل الأول “اليوم السابع” بإغلاق الراوي لهاتفه المحمول، وينتهي بتمسيد الابن لجبهة الأب وهو يقرأ آيات من القرآن، وما بين البداية والنهاية الموحيتين بتردي الحالة الصحية للأب تتداعى الذكريات، وتنتهي ببداية الأزمة ”وصل الأمر إلى منتهاه بعد وفاة أمي، لا يطيق الحديث عن الخروج، أقصى شيء يفعله أن يجلس في الصالة يشاهد التلفزيون. مع مرور الأيام لم يعد يترك حجرة نومه، يشاهده وهو نائم على السرير، أو يقرأ الصحف”.

فكأن الأب انسحب تدريجيا من الحياة بعد رحيل الأم، وهكذا تتوالى الفصول مستعيدة عبر تيار وعي الراوي تفاصيل حياة الموشك على الرحيل، وكأن الراوي بذلك يقبض عليه لعله يستبقيه، حتى اليوم الثاني “الفصل قبل الأخير” حيث الراوي لم ينتظر المنبه لكي يوقظه، فهو لم ينم أصلا، وليس ثمة وقت لديه يسمح باستدعاء أحداث ماضية، فالأحداث تتسارع وهو يرصدها بحيادية، لا يتفاعل معها وكأنه لفرط رفضه لها يصورها من الخارج، يقاومها برفض تصوير وقعها عليه، إلا في لحظة تسلم جثة الأب المتوفى، يشعر بالبرودة تغزوه، وبعد انتهاء الدفن يعود الراوي وحيدا، بينما في الفصل الأخير وهو أول أيام ما بعد الرحيل، يقصد الراوي غرفة الأب مستعيدا بعض أثره، “أعود إلى شقتك، ألمح ضوء ‘الأباجورة’ الكئيب، يسقط على سريرك، لا أستطيع أن أخطو عتبات حجرتك. كيف أدلف من بابها ولا أجدك؟“.

ونذكر أن كتاب “رفيف الحنين” لوائل وجدي صدر مؤخرا عن “دار غراب للنشر” بالقاهرة.

15