روبرتو مانشيني.. الساعي لترميم القلب الإيطالي المكسور

المدرب الجديد يريد تجربة أمر مختلف يشمل التركيز على العنصر الشاب في فلسفة تستوحي من النجاح الذي حققه ديدييه ديشامب مع فرنسا وغاريث ساوثغيت مع إنكلترا.
الأحد 2018/09/09
معه تبدأ حقبة جديدة

يعول الإيطاليون على المدير الفني الجديد روبرتو مانشيني الذي عهدت له مهمة قيادة المنتخب في يناير الماضي، زادهم في ذلك تجربته الواسعة أولا كلاعب خبر التعامل مع كرة القدم في سن مبكرة وثانيا كمدرب له تجربة واسعة في الدوري الإيطالي تشهد بقدرته على إعادة الهيبة للكرة الإيطالية التي تراجعت في السنوات الأخيرة إلى مستويات جعلت الخبراء يصفونها بـ”الكارثية”.

ميلانو (إيطاليا) - الواقف على واقع المنتخبات الأوروبية خلال المرحلة الحالية يلاحظ نزعة واضحة تميل نحو تغيير الوجوه القديمة والاستعاضة عنها بأخرى شابة ولو كان هذا العامل اضطراريا. حيث تقف أغلب الفرق، سواء التي شاركت في كأس العالم الأخيرة بروسيا، أو الساعية إلى دخول معترك المنافسة على بطولة الأمم الأوروبية بنسختها الجديدة، أو التي ترمّم صفوفها استعدادا لخوض منافسات كأس أوروبا وكأس العالم القادمة، على مسافة واحدة خيارها الوحيد في ذلك التعويل على “حواضنها الأم” ومدراس التكوين وفرق الدرجات الثانية لبعث الأمل من جديد في صفوف عناصرها الوطنية.

في هذا الإطار تكشفت العديد من الاستراتيجيات لبعض الفنيين الذين اختبروا جيدا حساسية العناصر التي تقدم بها العمر وعملوا على البحث عن أخرى جديدة ووجوه شابة قادرة على المقاومة وإثبات الذات في قادم الاستحقاقات.

هنا يتركز الحديث بالخصوص حول بطلة العالم فرنسا التي حققت “معجزة” في كأس العالم بفضل عناصر شابة لم يكن أغلب المحللين يتوقعون أن تظفر بالكأس الأغلى في العالم. المثال الأوروبي الثاني، على خيبته، يقدمه العملاق الألماني “ناسيونال مانشافت” الذي ترك انطباعا سيئا في روسيا خلال الفترة القصيرة الماضية. كما يبرز مثال المنتخب الإنكليزي (الأسود الثلاثة) الذي ظهر بوجه مغاير لما خبره عنه متابعوه طيلة فترات وكذب كل التوقعات ببلوغه الدور النصف النهائي.

هذه السياسة دفعت العديد من الفنيين المعيّنين حديثا على غرار لويس إنريكي في إسبانيا  وروبارتو مانشيتي في إيطاليا إلى محاولة استنساخ التجربة وربما أن ذلك لم يكن طوعيا بالموازاة مع معدل أعمار اللاعبين الذين عرفتهم إيطاليا أو إسبانيا في السنوات الأخيرة.

مهمة دقيقة

مانشيني يشدد على رغبته في اعتماد مقاربة جديدة مع منتخب الآتزوري
مانشيني يشدد على رغبته في اعتماد مقاربة جديدة مع منتخب الآتزوري

يجد المدير الفني المعين حديثا روبرتو مانشيني نفسه أمام مهمّة دقيقة في حيث سيدخل مدرب المنتخب الإيطالي “رسميا” حقبة ترميم علاقة الشغف التي تجمع مواطنيه باللعبة، والتي تضررت بفعل الغياب التاريخي للمنتخب عن المونديال.

وشدد الأرجنتيني خافيير زانيتي، نائب رئيس نادي إنتر ميلان، على حاجة إيطاليا للعمل على تحسين المواهب الشابة خلال الفترة المقبلة.

وقال زانيتي، في تصريحات أبرزها موقع فوتبول إيطاليا “بعد الإخفاق في العبور إلى مونديال روسيا من الضروري العمل على تحسين المواهب الإيطالية”.

وأضاف “بالتأكيد روبرتو مانشيني، المدير الفني لمنتخب إيطاليا، هو الشخص المناسب لذلك، كما أنني أرى ضرورة الدفع بالمواهب في الكالتشيو”.

وتابع “المنتخب الإيطالي يحتاج إلى البدء من جديد بأفضل اللاعبين الشباب، جميعنا سيكون سعيدا، عندما نجد لاعبين إيطاليين جيدين في الملعب، هذا الأمر ينعكس على نظام الشباب في الأندية”.

وكان مانشيني قد طالب بإعطاء مساحة أكبر للاعبين الإيطاليين الشباب في ظل صعوبة اختياره لعناصر قائمة الفريق.

وفي مايو الماضي، ألقيت كرة النار في حضن المدرب السابق لإنتر ميلان ومانشستر سيتي الإنكليزي. وعيّن مديرا فنيا للآتزوري خلفا لجانبييرو فنتورا المقال بعد الفشل في بلوغ مونديال روسيا 2018، وغياب أبطال العالم أربع مرات عن النهائيات للمرة الأولى منذ عام 1958.

وقال فينتورا، مدرب إيطاليا السابق، إنه لم يتمكن أبدا من تجاوز “الإخفاق التاريخي” في التأهل إلى المونديال الروسي.

وتجنب المدرب البالغ عمره 70 عاما، الأضواء منذ إقالته في نوفمبر الماضي بعد فترة وجيزة من الخسارة 1-0 أمام السويد في مجموع مباراتي الذهاب والعودة إلى الملحق الأوروبي.

وعن ذلك قال فينتورا “كان صيفا طويلا بالنسبة إلي، مرت سنوات عديدة لم أقض فيها الصيف بشكل كامل، لكن هذا الأمر منحني فرصة للتأمل والتجديد.. هل تجاوزت إحباط التعثر؟ إنها مسألة صعبة، لأن ما جرى كان أمرا تاريخيا”.

وأضاف مازحا “بعد مباراة السويد وإيطاليا توقفت عن التسوق من إيكيا (في إشارة إلى شركة الأثاث السويدية)”.

ويريد فنتورا، الذي أمضى معظم مسيرته، في تدريب فرق بالدرجات الأدنى، العودة إلى التدريب مجددا، وقد حصل على عرض بالفعل من أحد أندية دوري الدرجة الأولى الإيطالي خلال الصيف، لكن الاتفاق لم يتم. وقال “استعدت الحماس مرة أخرى.. أشعر برغبة داخلية قوية،تدفعني إلى إظهار ما يمكنني القيام به”.

ويقر متابعون لكرة القدم الإيطالية بأن مهمة مانشيني تبدو معقـدة لأنها سهلة وصعبة في الوقت ذاته: سهلة لأن بلاده لم تبخل يوما بالمواهب الكروية التي صنعت أمجاد المنتخب أو الأندية التي دافعت عن ألوانها، وصعبة لأن الغياب عن المونديال أدخل إيطاليا في أزمة عميقة، فيها من انعدام الثقة والمخاوف، كما فيها مـن العثرات والمصاعب، على درب العـودة الذي من المفترض أن يعبّد كاملا قبـل كأس أوروبا 2020، وخصوصا قبل مـونديال 2022 في قطـر.

من أجل دماء جديدة

الوجوه الشابة سلاح الإيطالي لاستعادة أمجاد الآتزوري
الوجوه الشابة سلاح الإيطالي لاستعادة أمجاد الآتزوري

يسعى مانشيني (53 عاما) إلى ضخ دماء جديدة في المنتخب الأزرق، لا سيما بعد الاعتزال الدولي لمخضرمين أبرزهم حارس المرمى جانلويجي بوفون.

ومهّد اعتزال بوفون الطريق أمام حارس ميلان الشاب جانلويجي دوناروما (19 عاما) للحلول بدلا منه بين الخشبات الثلاث للمرمى الإيطالي.

وقال دوناروما قبيل مباراة بولندا التي جرت الجمعة في مدينة بولونيا “نحن مجموعة رائعة، شابة جدا (..) نحن مصممون على إعادة كرة القدم الإيطالية إلى المكان الذي تستحق أن تكون فيه. هذا واجبنا”.

وتراجعت إيطاليا إلى المركز الحادي والعشرين في تصنيف الاتحاد الدولي للعبة “فيفا”، وهو أسوأ ترتيب في تاريخها.

وتوج الفشل في بلوغ النهائيات الروسية، مسارا انحداريا للمنتخب منذ تتويجه بلقبه الرابع في مونديال ألمانيا 2006. وخرج من الدور الأول في مونديالي جنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014. وعلى صعيد كأس أوروبا، بلغ النهائي في 2012، وأقصي من ربع النهائي في 2008 و2016.

وبعد سلسلة الخيبات في البطولات الكبرى، شدد مانشيني الذي قاد مانشستر سيتي عام 2012 إلى لقبه الأول في الدوري الإنكليزي الممتاز بعد انتظار 44 عاما، على رغبته في اعتماد مقـاربة جديـدة مع الآتزوري.

وقال “أريد تجربة أمر مختلف” يشمل بالدرجة الأولى التركيز على العنصر الشاب، في فلسفة تستوحي من النجاح الذي حققه ديدييه ديشامب مع منتخب فرنسا، وغاريث ساوثغيت مع إنكلترا، إذ أحرز الأول لقب مونديال روسيا، وبلغ الثاني الدور نصف النهائي للمرة الأولى منذ 1990، بتشكيلتين كانتا من الأصغر لجهة معدل الأعمار في نهائيات كأس العالم 2018.

واستدعى مانشيني إلى تشكيلته أربعة لاعبين لم يسبق لهم خوض مباراة دولية، منهم لاعب روما نيكولو تسانيولو الذي لم يشارك بعد في أي مباراة في دوري الدرجة الإيطالية الأولى.

وقال تسانيولو البالغ من العمر 19 عاما “عندما شاهدت التلفزيون ورأيت اسمي ضمن اللاعبين الذين تم استدعاؤهم، غمرني الفرح. لم أكن أتوقع ذلك. اتصلت بأبي وبدأت بالبكاء”، مضيفا “سألعب بتواضع، بالتزام، من خلال مشاهدة الأفضل ومحاولة سرق بعض أسرارهم”.

إلا أن مانشيني تلقى نبأ سيئا مع اضطرار لاعب موناكو الفرنسي الشاب بيترو بيليغري (17 عاما) للغياب عن معسكر المنتخب بسبب إصابة.

ويمنح الناشئون والشبان مانشيني بعض الأمل. فالمنتخب الإيطالي لما دون 21 عاما بلغ الدور نصف النهائي لكأس أوروبا 2017 لهذه الفئة العمرية، ومنتخب ما دون 20 عاما حل ثالثا في كأس العالم لهذه الفئة العام ذاته.

وشكا مانشيني هذا الأسبوع من تراجع عدد اللاعبين الإيطاليين الذين يمنحون الفرصة للمشاركة مع أنديتهم، معتبرا أن ذلك يؤثر سلبا على مسعاه لإعادة بناء المنتخب. كما دعا مدربي أندية “سيري أ” في إيطاليا إلى منح اللاعبين الشبان فرصتهم على أرض الملعب لتطوير موهبتهم.

وقال “نحاول بعث رسالة قوية. نحن مقتنعون بأن الأقوياء من الشباب بإمكانهم أن يكونوا كذلك على مستوى أعلى. لم يبق أمامنا إلا أن ننتظر وأن نأمل بأن نـرى شبابنا في الملاعب باستمرار وعلى أعلى مستوى”.

وأضاف “في هذه اللحظة التاريخية لا يتواجد عدد كبير من اللاعبين الإيطاليين بشكل دائم. لهذا السبب، استدعينا عددا إضافيا من اللاعبين الشبان (..) لنتمكن من معرفتهم بشكل أفضل”.

وكانت من أولى الخطوات التي أقدم عليها مانشيني هي إعادة استدعاء اللاعب المثير للجدل ماريو بالوتيلي إلى المنتخب للمرة الأولى منذ كأس العالم 2014. وسجل مهاجم نادي نيس الفرنسي هدفا في المباراة الودية الأولى بقيادة مانشيني (2-1 على السعودية).

وخاض المنتخب مباراتين أخريين انتهتا بخسارة أمام فرنسا 1-3 والتعادل 1-1 مع هولندا. وتضم الخيارات الهجومية لمانشيني لاعب لاتسيو تشيرو إيموبيلي، وفيديريكو كييزا من فيورنتينا (20 عاما)، وفيديريكو بيرنارديسكي من يوفنتوس. أما الدفاع، فسيشهد عودة لاعب يوفنتوس جورجو كييليني للمـرة الأولى منذ تصفيات المونديال.

وعنه قال مواطنه جورجينيو لاعب تشيلسي الإنكليزي “كييليني عاد وهو القائد، وهو نقطة الارتكاز والخبرة، لا سيما بالنسبة إلى الشبان”. وشدد على أن “إيطاليا لا تستحق أن تبقى حيث نحن الآن”.

الأجانب مصدر إزعاج

أصبحت وفرة اللاعبين الأجانب في الكالشيـو مصـدر قلق وإزعـاج بالنسبـة إلى المدرب الإيطـالي المخضـرم. ويبـدو روبرتو مانشينـي منزعجا للغاية بسبب ندرة لاعبي المنتخب الإيطالي الذين ينشطون في الدوري المحلي.

واستدعى مانشيني خمسة وجوه جديدة من بينها لاعبين شابين ضمن قائمة الفريق التي ضمت 31 لاعبا، كما أعرب عن شكواه من قلة عدد اللاعبين الذين يمكنه تقييمهم من خلال المراحل الثلاث الأولى بالدوري الإيطالي.

وقال في هذا الخصوص “لا أتذكر آخر مرة كان فيها هذا العدد القليل من اللاعبين الإيطاليين ينشطون في الدوري المحلي”.

وأضاف “بعض اللاعبين الشباب على مقاعد البدلاء في الأندية الإيطالية، أفضل من بعض اللاعبين الأجانب الذين يشاركون في التشكيلة الأساسية”.

وأوضح “المنتخبات الإيطالية للشباب فيها العديد من اللاعبين المتميزين، ويتعين الاعتماد على لاعب في التاسعة عشر من عمره في الدوري الإيطالي، طالما كان لاعبا جيدا”.

ومن بين الوجوه الجديدة التي استدعاها مانشيني في قائمة الآزوري، يبرز أليسيو كرانيو حارس مرمى كالياري، ومانويل لازاري وكريستيانو بيراجي، مدافعا سبال وفيورنتينا على الترتيب. ولكن الخطط طويلة المدى لمانشيني بدت واضحة، حيث استدعى أيضا ضمن قائمة الفريق نيكولو زانيولو (19 عاما)، نجم خط وسط روما، والمهاجم بييترو بيليغري (17 عاما) الذي سجل هذا الموسم هدفا واحدا في مباراتين فقط خاضهما مع فريقه موناكو الفرنسي.

وبدأ بيليغري مسيرته في الدوري الإيطالي مع فريق جنوى في 2016، ليصبح مع أماديو أمادي أصغر لاعبين يشاركان في الدوري الإيطالي على مدار تاريخه.

كما حقق بيليغري رقما قياسيا آخر، حيث أصبح أول لاعب يسجل هدفين في مباراة بالدوري الإيطالي، وهو لا يزال في السادسة عشر من عمره، مما ساعده على الانتقال لموناكو الفرنسي.

أما زانيولو، الذي لم يشارك حتى الآن في مباريات الدوري الإيطالي، فقد ساهم في بلوغ المنتخب الإيطالي نهائي بطولة أمم أوروبا للشباب (تحت 19 عاما)، لكن الفريق خسر 3-4 أمـام نظيـره البرتغالي في النهائي.

وينتظر أن يعتمد مانشيني في الدفاع على المخضرمين جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي، علما وأن كيليني غاب عن آخر ثلاث مباريات للفريق.

وقال مانشيني إن دانييلي دي روسي وحارس المرمى جانلويجي بوفون يعلمان أنه “من الممكن استدعاؤهما في أي لحظة لخوض مباراة حاسمة”.

22