روبرت مالي قيصر داعش وسياساته في الحوار غير التقليدي

السبت 2016/09/17
كبير مستشاري أوباما الذي يقف خلف البنود السرية لاتفاق كيري ولافروف

واشنطن - جوهر القضايا بالنسبة إليه هو القضية الفلسطينية. فهو يرى أننا إذا أردنا السلام في الشرق الأوسط، فإن علينا إبرام اتفاق ينهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وإذا أردنا محاربة الإرهاب والتطرف، فعلينا معالجة القضية الفلسطينية.

رجل يرى في الحوار حلاً لأكبر الأزمات تاريخياً. أدواته بضعة أقلام وأوراق وطاولة مستديرة يناقش حولها الأفكار المطروحة. جلس مع منظمة مدرجة على قائمة الإرهاب حسب تصنيف الولايات المتحدة الأميركية (حماس). وصافح أنظمة دكتاتورية رغم تورطها في جرائم دولية، كل هذا تحت مسمى العمل في “مجموعة الأزمات الدولية”.

روبرت مالي الذي يعدّ واحداً من أعضاء الدائرة المغلقة للرئيس باراك أوباما، يشغل منصب كبير مستشاري الرئيس لشؤون الحرب ضد تنظيم داعش في البيت الأبيض.

رجل له تأثير كبير على قرارات الرئيس أوباما. فالرجلان يتفقان حول نهج سياسة الحوار والطاولات المستديرة لحل أكثر الأزمات تعقيداً، حتى لو كانت مع أنظمة ارتكبت جرائم حرب ضد الإنسانية و تجاوزت كل الخطوط الحمراء واستعملت الأسلحة الكيميائية ضد الشعوب أو نادت بإزالة دول عن الخارطة.

مالي أو “قيصر داعش” كم يعرف في أوساط واشنطن، كان قد ولد في نيويورك في عام 1963 من أم أميركية وأب مصري يهودي. وبالطبع وكسائر الساسة الذين يعنون بشؤون الشرق الأوسط، ترعرع “قيصر داعش” في جو عائلي مشغول بالشأن السياسي العربي، فكانت والدته في وفد جبهة التحرير الجزائرية في الأمم المتحدة وكان والده صحافياً في صحيفة الجمهورية التي عرفت بعلاقتها الوثيقة مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

عاش مالي في فرنسا لفترة، وتخرج في أهم الجامعات الأميركية والبريطانية حيث تنقل في كل من جامعة يال وهارفرد وأوكسفورد.

عمل في مباحثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في عهد الرئيس بيل كلينتون. ولعب حينها دوراً هاماً في تلك المحادثات، حيث كان من المعروف أنه مقرب من الرئيس الراحل ياسر عرفات. يعرف عن مالي مواقفه المنتقدة لسياسة إسرائيل. لكن عدوّ الأمس أصبح صديق اليوم، حيث تربط كبير المستشارين روبرت مالي علاقة جيدة مع السفير الإسرائيلي في واشنطن رون ديرمر وسلفه في البيت الأبيض أليوت أبرامز واللذين كانا من أكثر المنتقدين له.

القيصر والملف السوري

لطالما تحدثت أوساط واشنطن عن مالي وعلاقته الوثيقة بالسفير السوري في واشنطن عماد مصطفى، حيث لم تنقطع زيارته عن 2215 وايومنغ أفينيو وهو مقر السفارة السورية هناك.

التقى مالي مع بشار الأسد عند زيارته إلى دمشق في الفترة ما بين 2008-2007. فترة كان النظام السوري يعيش فيها عزلة كبيرة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واتهامه بالضلوع في عملية الاغتيال، وتمّ على إثرها الضغط على الأسد للانسحاب من لبنان.

وفي أجواء الاتهامات الأميركية لنظام بشار الأسد بتسريب الجهاديين إلى العراق وتنفيذ هجمات ضد القوات الأميركية، قرر مالي مع “مجموعة الأزمات الدولية” فتح مكتب في العاصمة السورية في محاولة لتسويق النظام السوري على أساس أنه شريك يمكن التعويل عليه من أجل السلام في المنطقة، كل هذا تحت شعار”منع الحروب وصنع السلام” على أمل فك ارتباط الأسد مع طهران.

الموقف في البيت الأبيض يبدو الآن أكثر تناقضا ما بين الوصول إلى عملية سياسية ينتج عنها تمهيد طريق لخروج الأسد من السلطة، وخيار شراكة سرية مع نظام المراد من رئيسه الخروج من السلطة وفي الوقت ذاته أن يكون شريكا غير معلن في الحرب ضد داعش

عودة مالي من المنفى السياسي والذي كان سببه اجتماعاته مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتي تبرأت منها حملة أوباما في العام 2008، لم تفاجئ الخبراء و المتابعين للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط في واشنطن.

عودته إلى الساحة السياسية وصنع القرار بررت بذرائع براغماتية وبالرغبة في إيجاد أرضية مشتركة مع “الأعداء”، وهو ما يتفق مع نهج الرئيس أوباما.

من هذا المنطلق يرى المستشار مالي أنه ليس من أهداف واشنطن الملحة إزالة بشار الأسد، وإنما على واشنطن أن تكون أكثر ليونة مع هذا النظام، رغم أنه لا يحبذ شراكة صريحة ومعلنا عنها مع النظام السوري في محاربة داعش حسب مقربين له.

ولكن منذ استلام مالي منصبه في مارس العام الماضي، لوحظ أن إدارة أوباما أصبحت أكثر تهاوناً مع نظام الأسد رغم ارتكابه مجازر استعمل فيها أسلحة محرمة دولياً وبراميل متفجرة ودمّر المدن السورية ومنع المساعدات الإنسانية من الدخول لأيّ من المناطق المحاصرة.

ويبدو أن الموقف في البيت الأبيض أصبح أكثر تناقضاً ما بين الوصول إلى عملية سياسية ينتج عنها تمهيد طريق لخروج الأسد من السلطة، وخيار شراكة سرية مع نظام المراد من رئيسه الخروج من السلطة وفي الوقت ذاته أن يكون شريكاً غير معلن في الحرب ضد داعش.

التنسيق مع روسيا

بعد تعثر مباحثات جنيف3 وفشل وقف إطلاق النار، وحرص إدارة أوباما على مصير الاتفاق النووي الإيراني وتوسع داعش في المنطقة، قامت واشنطن بإعادة حساباتها وخاصة في النقطة المتعلقة بمصير الأسد، والتوجه إلى التنسيق مع روسيا وتبني طرح موسكو والذي يضم تشكيل مجلس انتقالي موسع لا وجود لشخصيات معارضة ولا موالية فيه، وتشكيل هيئة رئاسية موسّعة لا تستبعد الأسد.

وعلى إثره عكف مسؤولون في كل من واشنطن وموسكو ومن بينهم مسؤول الشرق الأوسط في البيت الأبيض المستشار مالي ومبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لابرنتييف على إجراء محادثات تتناول نقاطاً هامة ومحددة لخارطة طريق تأمل للوصول إلى حل سياسي ومن ضمنها دستور سوري جديد، حيث تطالب واشنطن من خلاله بضرورة إعطاء صلاحيات واسعة للهيئة الانتقالية على أمل تقليص صلاحيات رئيس النظام (أي الشريك في الحرب على داعش).

مباحثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في عهد الرئيس بيل كلينتون. لعب فيها مالي دوراً هاماً، حيث كان من المعروف أنه مقرب من الرئيس الراحل ياسر عرفات.

ولكن يبدو أن لروسيا وجهة نظر مختلفة، حيث ترى موسكو أن تبقى الصلاحيات بيد الرئيس وخاصة في ما يتعلق بقيادة الجيش والقوات المسلحة والعمل على إنشاء حكومة واسعة بصلاحيات تنفيذية كبيرة تكون تحت مسمى “الحكومة الوطنية”.

أما من وجهة نظر “النزاعات الدولية” فتمكن صياغة حلّ في سوريا على أساس مبادئ دستورية وصفقة سياسية تضم شخصيات معارضة لينة قابلة للحل السياسي، أي لا تمانع من وجود الأسد ضمن “المرحلة الانتقالية”، وجمعها مع وفد النظام السوري في جولة مقبلة على شكل اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة فتح في العام 1993. وهذا ما جعل الكثير من السياسيين والمتابعين للشأن السوري في واشنطن يقول إن إدارة أوباما قامت بتسليم الملف السوري للقيصر الحقيقي روسيا.

انقسام آخر بين الخارجية والبنتاغون

اليوم تتوصل الدبلوماسية الأميركية مع نظيرتها الروسية إلى اتفاق هدنة، ولكن هذا الاتفاق يتهم بأنه ليس واضحاً ويشوبه الكثير من الغموض والسرية، ووصفه الإعلام الغربي بعودة “الدبلوماسية السرية”.

هذا الاتفاق رسّخ الانقسام بين أعضاء إدارة أوباما، وخاصة بين وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع أشتون كارتر، والذي عبّر عن تحفظه حول خطة القوات الأميركية والروسية لاستهداف الجماعات الإرهابية.

وقالت وسائل إعلامية أميركية إن كارتر كان من بين المسؤولين في الإدارة الذين وقفوا ضد هذا الاتفاق في مؤتمر عبر الهاتف مع البيت الأبيض الأسبوع الماضي، ضم كيري من جنيف.

اجتماع شابه الكثير من التوتر والامتعاض، ثم جاءت موافقة الرئيس أوباما بعد ساعات من النقاش. ولكن لا يزال المسؤولون في البنتاغون غير مقتنعين حسب مصادر مقربة من وزارة الدفاع الأميركية. وعبر الجنرال جيفري هاريجين، وهو قائد القوات الجوية القيادة المركزية للولايات المتحدة للصحافيين في مؤتمر عبر هاتف متلفز، عن تحفظه. مضيفاً أن التأني ضرورة في هذه الحالة. وفي أجواء هذا الانقسام والتخبط، يخرج تصريح من البيت الأبيض على لسان الناطق الرسمي قال فيه جوش أرنست إن لدى واشنطن أسبابا كثيرة للشك بنوايا روسيا في ما إذا كانت ملتزمة بتنفيذ بنود الاتفاق، ولكن لا خيار أمام إدارة أوباما إلا الانتظار.

مهمة مالي

يتولى كبير المستشارين مالي حالياً ملف الحرب ضد الإرهاب وملف الرئيس لشؤون تنسيق الحرب على تنظيم داعش. يقوم مالي من خلال تلك المهمة بوضع استراتيجية للبيت الأبيض للقضاء على هذا التنظيم الذي يسيطر على مساحات واسعة في كل من العراق وسوريا، وبدأ وجوده في ليبيا يصبح أمراً واقعاً.

يرى مالي أنه في حال تمت الإطاحة بالرئيس الأسد فإن ذلك سيكون تعزيزاً لنفوذ داعش في سوريا. وأنه من الضروري الحفاظ على ما يسمّى بسوريا المفيدة لمنع امتداد هذا التنظيم وسيطرته على العاصمة دمشق.

مالي يردد ما هو متفق عليه في إدارة أوباما، من أنه لو لم يتم إبرام الاتفاق النووي الإيراني لاستطاعت إيران التعجيل في تطوير برنامجها دون مراقبة.

ومع دخول الضربات الجوية لقوات التحالف الدولية، والتي تقودها أميركا ضد تنظيم داعش، سنتها الثانية، لا يزال التنظيم مسيطراً على مساحات من سوريا متخذاً من الرقة عاصمة له. وبدأ ببسط سيطرته على البعض من المناطق الليبية، مما يعني أن داعش ما زال يتمتع بحرية التنقل والحركة والتمويل في ظل وجود الأسد، علماً أن النظام السوري لم يحلق سلاحه الجوي فوق مقر التنظيم في الرقة ولو لمرة واحدة.

ويظل النقاش مفتوحاً حول كيفية القضاء على التنظيم وأيديولوجيته، والتساؤلات مطروحة في غرف هندسة السياسة الأميركية عن المستفيد في حال تم دحر تنظيم داعش وتحرير الرقة.

فلسفة الصفقات

مالي الذي كان أحد أعضاء فريق التفاوض بين واشنطن وطهران في مسارات الاتفاق النووي يؤكد أنه لا يمكن تغيير سلوك إيران لمجرد إبرام اتفاق أولي، ولكنه يردد ما هو متفق عليه في إدارة أوباما، من أنه لو لم يتم إبرام هذا الاتفاق لاستطاعت إيران التعجيل في تطوير برنامجها دون مراقبة، وأنها فرصة لانخراط طهران ودول الخليج بحوار إقليمي. الانخراط الذي يتحدث عنه مالي هو عبر دفع واشنطن لمبلغ قدره 400 مليون دولار، دفعت بشكل نقدي لحكومة طهران، وبالمزيد من التدخل العسكري في سوريا والعراق واليمن.

واليوم تخرج الدبلوماسية الأميركية عن صمتها، وبتصريح للمتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر عندما سئل في مقابلة صحافية قبل أيام عن إيران، قال تونر إن سلوك إيران العدائي ازداد خاصة بعد إبرام الاتفاق. وأنه من المزعج أن نرى هذا التصعيد في المواجهة العسكرية غير المباشرة لسلاح البحرية الأميركي في الخليج العربي. وأوضح تونر أنه ورغم أن هذا التصعيد مقلق في ظل الاتفاق النووي، إلا أننا علينا التحلي بالصبر، لأن الأمر سيكون كارثياً فيما إذا استطاعات إيران أن تحصل على سلاح نووي.

سياسات المستشار مالي تجاه الحوار وإبرام الصفقات تعتقد أن الشرق الأوسط ليس منقسما بين متشدد ومعتدل، وأن حلفاء واشنطن في المنطقة يمكن أن تكون لهم أهداف لا تتماشى مع أهداف الولايات المتحدة، وأنه من الممكن كسر الجليد مع الأعداء للوصول إلى أهداف تتوافق مع أهداف واشنطن. إلا أن كثيرين يرون بأن هذه النظرية غير واقعية وخاصة بالنظر إلى سلوك إيران وسياساتها العدائية ليس فقط تجاه الدول العربية بل حتى تجاه الولايات المتحدة الأميركية نفسها، غير آبهة لسياسة “حل الأزمات الدولية” عبر الطاولات المستديرة.

12