روبن موم يقلب الأدوار في "الخادم" ويعلن ولادة مسرح التهديد

يواصل مسرح الجيب بمونبرناس تقديم عروض متميزة، فبعد “الشر يستطير” لأوديبرتي و”الكركدن” ليونسكو و”الغرفة المغلقة” لسارتر، يقدم الآن “الخادم”، أكثر مسرحيات الإنكليزي روبن موم أهمية، وهي التي حققت نجاحا واسعا منذ عرضها أول مرة في لندن، وخاصة بعد تحويلها إلى شريط سينمائي ناجح.
الاثنين 2015/11/09
جو شبيه بأجواء فيلم بوليسي ذي منحى سيكولوجي على المسرح

تعرض حاليا بمسرح الجيب بمونبرناس الباريسية مسرحية “الخادم” للكاتب الإنكليزي روبن موم (1916/1981) ابن الفيكونت هربرت موم دي رومر. درس في كمبريدج ثم جنّد خلال الحرب العالمية الثانية كضابط مخابرات، حيث أصيب بجروح بليغة أعيد إثرها إلى موطنه دون أن يتخلى عن خدمة المخابرات البريطانية حتى وفاته.

بعد رحلات في الشرق الأوسط وأفريقيا دوّنها في كتب منشورة، إلى جانب تجربته في الجبهة، نشر “الخادم” أول مرة عام 1948 في شكل رواية، أثارت غضب والده فقطع صلته به، ولم يورثه عند وفاته، عندئذ احتضنه عمه سومرست موم (1874/1965) الذي برز اسمه ككاتب قصص وروايات ومسرحيات، وأثنى على روايته رغم نقده لأجوائها الحامية.

بعد عشر سنوات، صاغ روبن موم من تلك الرواية عملا مسرحيا بالعنوان نفسه، قابله النقاد بالثناء، قبل أن يحوّله الأميركي جوزيف لوزلي عام 1963 إلى فيلم وضع له السيناريو هارولد بينتر وقام ببطولته آنذاك ديرك بوغارد وجيمس فوكس.

تدور أحداث المسرحية في لندن إبان خمسينات القرن الماضي، وتحوم حول الصراع الطبقي. وتروي فصلا من حياة شاب أرستقراطي خامل يدعى توني، اختار الإقامة في أحد الأحياء اللندنية الراقية، بعد عودته من رحلات في القارة الأفريقية، مثلما اختار خادما يدعى هوغو باريت للقيام بشؤون البيت.

وباريت هذا هو رجل قصير في ثياب سوداء كلها، يبدو لمن يراه جامعا بين الصعلكة والأناقة. له خصال الخادم المثالي من حيث الفطنة والتفاني في العمل، وهو ما سرّ توني سرورا بلغ به مبلغ اتخاذه خلا وفيا يصارحه بكل شيء، ويلبي له كل مطلب، ويسمع منه كل نصح، رغم تحذير خطيبته سالّي وصديقه رتشارد، لما لاحظاه من قوة شخصية لدى هذا الخادم غريب الأطوار، وقدرة على إقناع توني بسهولة، وهو الذي صار يشرب كلامه شربا.

ولم يمض وقت طويل حتى تجسم ما كانا يخشيانه، إذ أسفر الخادم عن نفس شيطانية، وانقلبت الأدوار فأصبح السيد عبدا مطيعا لخادمه، خصوصا بعد أن فتح باريت الباب لفيرا التي زعم أنها ابنة أخته، وأنها جاءت لمساعدته متعللا بكثرة مشاغل البيت، فإذا هي حيّة في ثوب حسناء، لها من الوقاحة والخبث ما لخادمة أخرى تدعى كيلي، اجتمعتا لتكوّنا مع باريت ثالوثا رهيبا.

لم يعتمد المخرج تييري هاركور على سيناريو فيلم موزلي، بل فضل العودة إلى النص الأصلي في ترجمته الفرنسية، ليصوّر عالما مشحونا بالتوتر في فضاء مغلق، تسكنه رغبة الهيمنة والصراع من أجل السيطرة على الآخر.

أحداث مسرحية "الخادم" تدور في لندن إبان خمسينات القرن الماضي، وتحوم حول الصراع الطبقي

فالجوّ الذي يبدو دافئا مرحا في البداية يسودّ شيئا فشيئا بتنامي أحداث المسرحية، والعلاقات بين توني وسالّي ورتشارد وباريت تتحوّل إلى مشادات ملؤها الكذب والسفالة أو الانطواء، وتؤول الغلبة إلى من تميل به نفسه إلى الشرّ والتحيّل، وإذا السيدُ مَسودٌ، وإذا الثري الأرستقراطي يفقد زمام السيطرة، ويصبح خاضعا لمن كان خادما له.

تبادل الأدوار وضياع الهوية هذان يضعان موضع تساؤل مساوئ البشر وحدود الانصياع للغير والانخداع بمظاهره البادية. فالمالك هنا رهن مصيره بين يدي شخص كان يضمر سوء طويته في إهاب الخادم المطيع، قبل أن يجعله كالخاتم في الإصبع يوجهه كيفما يشاء.

هذه الرغبة في الهيمنة لا تأتي دفعة واحدة، بل تتبدّى في نسق بطيء عرف الكاتب كيف يشحنه بالتوتر والقلق والتشويق وبعض المواقف الهزلية الساخرة، حيث تتشابك الطُّرَف والمؤامرات لخلق جوّ شبيه بأجـواء فيلم بوليسي ذي منحى سيكولوجي.

ستّ شخصيات ذات ملامح ملتبسة (تقمصها خمسة ممثلين)، تدور في دوامة عنيفة، لم يسلم منها غير رتشارد، فهو الصديق الوفي، والرجل البراغماتي الذي يحسب حسابا لكل عمل يأتيه، أراده روبن موم رمزا للاستقامة والكياسة واللباقة في مقابل انحراف خماسي مهووس بالصراع لم تفلح حتى موسيقى الجاز في إنقاذه من السقوط. وقد ساهمت نبرات الصوت والإلقاء الرصين الذي يحرص خلاله أبطال المسرحية على العناية بمخارج الحروف في نقل حالة الارتباك والتهديد والخوف والجنون، كما وُفّق المخرج في توجيه الممثلين على نحو بدوا معه مقتصدين في التعبير الجسدي، لا يأتون من الحركات إلاّ ما يساهم في خلق جوّ يخيّم عليه الالتباس والتوتر، ولا يعتريه الانفراج إلاّ لماما.

هذه المسرحية تعلن عن ولادة مسرح التهديد كما سنراه من بعد عند هارولد بنتير، تهديدٌ ماكرٌ مخاتل في البداية ثمّ خَطِرٌ ثقيلٌ بعد أن كشّر باريت عن أنيابه وبدا من طبعه ما خفي.

وقد أبدع مكسيم دابوفيل في تقمص شخصية الخادم، ونال عن دوره هذا جائزة موليير لعام 2015، لقدرته على شحن الشخصية بطاقة عجيبة من الالتباس والازدواجية، وشحن الخطاب بعنف يتبدّى في نظراته وحركاته وقسماته النطق به.

16