روبوتس شاهد على تطور الذكاء الاصطناعي منذ 500 سنة

يعد معرض روبوتس الذي فتح أبوابه منذ أيام أمام الجمهور بمتحف العلوم ساينز ميوزم في لندن وسيستمر على امتداد 7 أشهر، فرصة هامة للاطلاع على تاريخ الروبوتات الذي تعود انطلاقته إلى 500 سنة، والإلمام بمدى التقدم الذي أحدثه صانعوها. ويرى البعض أنه بوجود نماذج لا تزال تعمل رغم مرور الزمن ما يكشف عما أحرزه التقدم التقني وهو ما يثير جدلا جديدا حول إمكانية سيطرة الذكاء الاصطناعي على الإنسان، لا سيما مع الطفرة التقنية التي تحضّر لثورة تكنولوجية رابعة.
الأحد 2017/02/12
خبرات السلف في خدمة البشر

لندن - ضم معرض جديد للروبوتات افتتح بمتحف العلوم ساينز ميوزم في لندن بداية من الـ8 من فبراير الجاري وسيستمر حتى الـ3 من سبتمبر القادم، أكثر من 100 نموذج فيما تعتبر أهم مجموعة على الإطلاق من أجهزة الروبوت البشرية التي تم صنعها على امتداد 500 سنة.

وذهب البعض إلى اعتبار الروبوتات المعروضة بمعرض روبوتس بمثابة مرآة للمجتمع البشري على امتداد 500 سنة.

ويرى القائمون على المعرض أن تشكيلة الروبوتات المعروضة تعد بمثابة الكنز، إذ توجد بينها قطع لافتة للنظر، وكانت مصدرا للانبهار في أيام صناعتها، وهي ربوت في شكل طفل صغير يحرك مفاصله، والبجعة الفضية التي فتنت الكاتب الأميركي الساخر مارك توين، إلى جانب المرأة المعدنية الصغيرة التي تحمل كوب الرهان وتخبئه تحت تنّورتها.

ووفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، أفاد بن راسل، وهو المفوض الرئيسي للمعرض، أن "الناس سيكتشفون أشياء لم يشهدوها طوال حياتهم عندما تقع أعينهم لأول مرة على القطع المعروضة في المتحف، مثل الراهب الآلي الذي يعود إلى القرن 16، والذي يتدحرج إلى الأمام، ويحرك شفتيه، وكأنه يؤدي الصلاة. ولا شك أنه كان آلة فتنت الجماهير في العام 1560”.

وأضاف "في السابق قال آرثر سي كلارك إن أيّ تكنولوجيا متقدمة بما يكفي لا يمكن تمييزها عن السحر. حسنا، من هنا بدأ كل شيء".

وشد روبوت البجعة الفضية الذي يتم عرضه عاريا في إحدى الورشات بالمتحف الذي يقع غرب لندن، أنظار الرواد لأنه لا يزال يعمل على الرغم من أن الأدوات التي صنع منها تعود إلى ما يناهز الـ250 سنة.

نماذج حية لم تؤثر فيها السنون

تحظى البجعة، التي تمت استعارتها من متحف باوز في مقاطعة دورهام، بحب كبير جعلها لا تغادر المقر إلا لأسباب تتعلق بالصيانة، وقد تمت إعارتها إلى متحف العلوم لمدة ستة أسابيع فقط في حين أن المعرض يمتد لسبعة أشهر.

وقال بن راسل “إنها ليست الروبوت الأكثر تعقيدا على الإطلاق، ولكن إذا كان هدف المخترع إنشاء آلة لتقليد الحياة الحقيقية، فإن البجعة هي الأقرب إلى الكمال”.

تمت صناعة البجعة في لندن في العام 1773 على يد جون جوزيف ميرلين، وهو مخترع العجائب الميكانيكية، والآلات الموسيقية وأحذية التزحلق. لقد شكلت كنزا ومصدرا للعذاب بالنسبة إلى المتحف، حيث أنها وصلت إلى مقاطعة دورهام مقسمة إلى الآلاف من القطع، ولم تكن مصحوبة بكتاب التعليمات.

وقالت متعهدة الآثار، كارين باركر “عندما وصلت إلينا، استغرق الأمر سنوات لنتمكن من تجميعها، ولم يكن لدينا على الإطلاق سجلات تبرز كيف تمت صناعتها”.

في الستينات من القرن العشرين، كانت بحاجة إلى إصلاحات، وتم إرسالها إلى اثنين من صانعي الساعات اللذين رفضا الاشتغال عليها، وفي النهاية أُرسلت إلى أحد المهندسين من جامعة دورهام، والذي أمضى سنوات في العمل على ذلك، لتبسيط الآلية وبناء إطار قوي، ولكن مرة أخرى لم يملك المتحف سجلات توّثق ما فعله بالضبط.

وفي العام 2008، قامت باركر وماثيو ريد، وهو ساعاتي يدرس في ويست دين كوليدج، بتفكيك البجعة، وتسجيل وتنظيف كل جزء منها، وإعادة تجميعها، وعرفا لأول مرة أنها تتكون من أكثر من 2000 جزء متحرك، بما في ذلك 139 قضيبا من الكريستال و113 حلقة في الرقبة وحدها.

تشكيلة الروبوتات المعروضة تعد بمثابة الكنز

ومن بين أكثر المعروضات جذبا للانتباه روبوت ثيسبيان المصنوع في بريطانيا، وهو روبوت بحجم الإنسان العادي يتنقل في أرجاء المعرض ويقوم بالغناء والتمثيل أمام الزوار كل 20 دقيقة.

كما أبهر الروبوت إريك الجماهير، حيث كان واقفا ثم انحنى وأجاب على أسئلة الصحافيين وكان وميض أزرق يلمع من أسنانه المعدنية. وقيل إن هذا الروبوت البريطاني الصنع طاف في جولة حول العالم. وعند وصوله إلى نيويورك، في عام 1929، كان الحارس الليلي للمعرض قلقا حتى أنه أخرج مسدسا وأطلق عليه النار.

ومن بين القطع الأخرى التي تعرض حاليا بالمعرض الهيكل الأصلي للروبوت “تي-800” الذي استخدم في فيلم ترمنيتور سالفيشين، والروبوت “آسيمو” لشركة هوندا وإينخا، وهو روبوت على شكل رأس يتفاعل مع الناس ويقدم للجمهور نصائح بشأن الموضة. وستتاح لزوار القسم الذي يعرض أجهزة الروبوت الحديثة فرصة تذكر فيلم “آي. روبوت” الذي تهدد فيه الروبوتات والذكاء الاصطناعي بقاء الجنس البشري، وهو من بطولة النجم الأميركي ويل سميث. وتعتبر بعض القطع من أقدم الأجهزة، ويمثل أحد النماذج المسيح حاملا الصليب فوق رأسه، ويخرج منه الدم الزكي.

وكشف المعرض عن رؤية القدامى للكون، حيث بحث صانعو الروبوتات من خلال صور الحيوانات والتماثيل البشرية عمّا إذا كان البشر يمثلون آلات واعية.

وقاموا بتنظيم الكون من خلال المجرات خلال عصور الأنوار في القرن 18، بحيث أصبحت الآلات أكثر طرافة حيث ظهر الإنسان الآلي في شكل عازف ناي، أو كاتب.

وبعد قرن، أصبح أسلوب الآلات أكثر غوغائية، حيث أصبحت الآلات تجسد الأرستقراطيين في حالة سكر، والحياة المزعجة للنقانق منذ خروجها من المزرعة حتى وصولها إلى المستهلك، كل ذلك تمت إعادة صياغته بأسلوب آلي.

ومنذ ذلك الوقت إلى الآن جعل ازدهار الروبوتات الناس يشعرون بعدم الارتياح، حيث أن الآلات أصبحت تلوّح بإمكانية الاضطلاع بوظائف الحرفيين المهرة والنساء، عندما كانت ماريا وهي أول روبوت تم ترويجه في فيلم فريتز لانغ عام 1927، شككت في مكانة البشر في عالم تغمره الآلات.

يقول راسل “إذا قمت بإنشاء اقتصاد ميكانيكي، ما هي مكانة العمال في ذلك؟ سوف تصبح عبدا للآلات. أنت تعمل على مدار الساعة ومهمتك الوحيدة هي الحفاظ على استمرار عمل الآلات”.

وفي الثلاثينات من القرن الماضي، ساعد أول روبوت في شكل لعبة من القصدير في تشكيل توقّعات الناس حول مستقبل العالم. في حين روّج له الكثيرون على أنه مساعد أو مسافر ودود إلى الفضاء، وحمل آخرون البنادق في وجهه تعبيرا عن رفضهم له.

الإنسان الآلي بكل حالاته

وعلى الرغم من أن رجال القصدير الأصليين يشبهون البشر من الخارج، فإنّهم يختلفون عنهم من الداخل، لأنهم يتحركون بفضل الكابلات والتروس والأوزان والبكرات. إلا أنه بداية من تسعينات القرن العشرين، بدأ المهندسون العمل على الروبوتات ذات القياسات البشرية، والتي لها هياكل عظمية بلاستيكية وأوتار وعضلات من الحبال المطاطية.

وكانت حركاتها خارقة للطبيعة البشرية، وبها جوانب سلبية. ومع مرور الوقت، أصبحت للروبوتات هياكل عظمية مستوحاة من الإنسان ومعرضة لأمراض مألوفة، مثل هشاشة العظام والتواء العمود الفقري.

أجسام الربوتات ليست فقط هي ما يشبه البشر، بل الانتقال السريع إلى مجال الحوسبة بمعنى أن الروبوتات الحديثة يمكنها التحدث مع الناس بطريقة ذات مغزى، بالإضافة إلى ما توفره من معلومات، إلى جانب ما تقدمه من تسلية أكثر مما كانت تفعله في السابق.

ويرجح القائمون على المعرض أن تثير القطع المعروضة المزيد من التساؤلات الملحّة، من بينها هل نحن سعداء بحال بيبر، الروبوت الذي يرد على مشاعر الإنسان، من أجل رعاية كبار السن؟ أو ناو، روبوت التحبيب عمدا، الذي يستخدم في تعليم الأطفال؟ وتيلينويد الشاحب، وهو الروبوت ذو الحضور التلفزي المتعثر، الذي يسمح للآباء الغائبين بدعوة أبنائهم؟ جميع هذه الروبوتات تحرك أفواهها عندما تتحدث وتقلد حركات الرأس لدى البشر.

والسؤال المطروح هو: هل ستقرّب التكنولوجيا بين الروبوتات والبشر أم أنها سوف توسع الهوة بينهما؟ هل هي مخادعة في بنائها لروبوتات شبيهة بالبشر وهل هي تحاول مطابقة ذكاءنا؟

وأضاف راسل "نريد دفع الناس إلى التفكير. وإذا تمكنّا من ذلك، فقد أنجزنا مهمتنا”. ويعتبر القائمون على المعرض أنه يضم "أعظم مجموعة من الروبوتات التي لها مواصفات البشر، والتي لم يستطع أيّ شخص أن يجمعها من قبل".

ويقول راسل أنه في حال خاضت الروبوتات ثورة ضدّ الإنسان وحاولت التحكم فيه "أنا لست قلقا جدا بشأن ذلك. إذا اختارت الروبوتات التقدم في ذلك الاتجاه، فإن بطارياتها سوف تنفد قريبا". وتظل الإجابة عن هذا السؤال رهينة التقدم التكنولوجي.

18