"روبيرتو زوكو" يصور حال المثقف في مجتمعات القاع

وقع اختيار المخرج الفرنسي ريتشارد برونيل على نص “روبيرتو زوكو”، والذي تم عرضه مؤخرا على خشبة مسرح جيرارد فيليب في ضاحية سان دوني الفرنسية، والمسرحية من تأليف الكاتب المسرحي الفرنسي الراحل بيرنارد ماري كولتيس، والتي هي اقتباس عن قصة حقيقية للمجرم الإيطالي روبيرتو زوكو، الفارّ من مستشفى الأمراض العقلية، والمتورّط في عدة جرائم.
الجمعة 2016/03/04
ضحية شبقية

شهدت خشبة مسرح جيرارد فيليب في سان دوني الفرنسية مؤخرا عرض “روبيرتو زوكو” لمؤلفه الكاتب المسرحي الفرنسي الراحل بيرنارد ماري كولتيس بتوقيع المخرج الفرنسي ريتشارد برونيل، الذي منحته نقابة النقاد عام 2013 عن عرض “المجرمون” جائزة جورج ليرمينا لأفضل عرض.

“أنا قاتل أبي وأمي وضابط وطفل…”، هكذا يجيب روبيرتو زوكو حين تسأله الشرطة عن هويته قبل اعتقاله الأخير، فزوكو الذي فرّ من مستشفى الأمراض العقليّة التابع للسجن يرى نفسه شفافا، يتخطى الجدران، بل يتجاوزها حدّ بلوغ السماء، فوراء الجدران جدران أخرى، أما السماء، فلا يمكن أن يحجبها أحد.

زوكو طالب اللسانيات في السوربون، يفرّ من الجميع ويدهس كل من يقف في طريقه؛ يفتض بكارة فتاة في الخامسة عشرة من عمرها دون أن يهتم حتى باسمها، يقتل شابا أمام والدته دون أيّ اعتبار، زوكو قرر الانعتاق ليعصف بكل ما يقوم أمامه.

في عرض برونيل نرى زوكو بداية على حافة الانهيار، يسقط تدريجيا نحو خلاصه أي موته، فبرونيل جعل من فضاء العرض كتلة واحدة مكشوفة، اللعبة واضحة للجميع يتداخل فيها الزمن والمكان، ليعبر زوكو شفافا بين فضاءات السجن والمترو، والحديقة العامة وبيت البغاء، وزوكو ينسلّ بين هذه الفضاءات كـ“عميل سري يحلم بالثلج على قمم جبال أفريقيا”، جاعلا اسمه لعنة تنصبّ على كلّ من يلفظه.

فضاء العرض قليل الأغراض والديكور نوعا ما، تكفي إشارات بسيطة حتى يتبدّل، والممثلون تتبدل أدوارهم وتتداخل، إلّا زوكو، الذي يلعبه ممثل واحد ينهار عقليا على طول العرض، بالرغم من أن الأداء متفاوت للممثلين، ويتخلله صراخ غير مبرر، إلى جانب موسيقى ليست مناسبة، إلّا أن النص يتفوق على العرض، لتتبدّد العيوب أمام شعرية النص، فاللغة التي صاغها كولتيس للشخصيات تتفوق على الأداء الذي لم يكن متماسكا دائما.

النص يتفوق على العرض، فاللغة التي صاغ بها كولتيس الشخصيات تتفوق على الأداء الذي لم يكن متماسكا دائما

الممثلون أحيانا يتحركون دون هدى على الخشبة، وهذا ما ينسحب على العرض، وخصوصا الإخراج وعلاقته بالنص، إذ أن المخرج التزم حرفيا بتعليمات كولتيس الإخراجية، لتحضر سطوة المؤلف بشدّة، إلّا في المشهد الأخير، حيث استبدل الأصوات بوسائل الإعلام بما هو أشبه بالحشد الذي شاهد زوكو الحقيقي، وحضر سقوط زوكو الأخير أي انتحاره، حيث تشرق الشمس لتعمي أبصار الممثلين والجمهور، إلّا زوكو.

برونيل جعل من زوكو شابا مجنونا، خليعا، شبقا أقرب إلى المعتوه، علما أنه درس اللسانيات في السوربون، وهو ذو خطاب يدل على ثقافة واسعة، مركزا على الجانب الشبقي والجسدي من شخصية زوكو، لا بوصفه شديد العقلانية وضحية مؤسسات تعليمية واجتماعية وثقافيّة كما قدمته عروض أخرى، بل بوصفه رومانسيا يمشي بغير هدى نحو سقوطه.

يحلم زوكو بأن يكون شفافا، بأن لا يراه أحد، مجرد نظرة منه، تجعل العقبات التي قد تواجهه تختفي، هذا ما يحضر في مشهد واحد في المسرحية، إذ نرى أسرة الفتاة التي اغتصبها زوكو تجلس للعشاء، ليقف بطل العرض والفتاة عاريين، دون أن يراهما أحد، حيث تعترف الأخيرة لزوكو بأنه جرحها جرحا لن تنساه، عريه في تلك اللحظة جعله شفافا، وغير مرئي، وكأن الثياب امتداد لعنف ولتصنيفات المجتمع ومؤسساته.

يرتبط كل ما سبق بالمشهد الثاني في بداية المسرحية، حين يقابل أمه، والتي تقول إنها تعرف جسده وتكوينه، لكنها لا تصدق أنه ابنها، فقد شاهدتـه بثيـابه، ثيـاب السجن، ولو كان زوكو عاريا تماما، لربما عرفت وعرفنا جميعا الجواب عن سؤال “من أنت يا زوكو؟”.

17