روبير شيتهالار يطلب من فرويد إنقاذه من جنون الحب

الاثنين 2014/12/29
شيتهالار: أن أكون تحت الأضواء يشعرني أنني عار أمام الناس

في رواية روبير شيتهالار الجديدة التي توّجته نجما للأدب الألماني، والتي حملت عنوان “المهرّب” نقرأ ما يلي: «وضع الرجل بعض القطع النقديّة على الكونتوار، ثمّ ثبّت العلبة المربوطة جيّدا، واستدار خارجا.

بقفزة واحدة، وصل فرانز إلى الباب، وفتحه له. حيّاه الرجل العجوز بحركة من رأسه وخرج إلى الشارع حيث شعّثت الريح لحيته. لهذا السيد العجوز رائحة غريبة، فكّر فرانز، رائحة هي مزيج من الصابون، ومن الثوم، والسيجار، تنضاف إلى هذه الروائح بشكل مثير للاستغراب، رائحة قشور اللّوح».

من هو هذا السيّد العجوز؟ تساءل فرانز بعد أن أغلق الباب. وكان عليه أن يجهد نفسه بطريقة مؤلمة لكي يعيد فقار الظهر إلى وضعه الطبيعيّ، ويستعيد الوضع المحترم لجسده الذي ثناه إلى قسمين من دون أن يشعر. “إنه الأستاذ سيغموند فرويد!” أجاب أوتّو تريشنيك وهو ينهار على الفوتاي متوّها».

ويقول روبير شيتهالار إن فرويد أثار اهتمامه مبكرا ليس كطبيب وعالم نفس فقط، وإنما كرجل أدب وخيال. وكان في السادسة عشرة من عمره لمّا قرأ كتابه “تفسير الأحلام”. من هنا بدا اهتمامه بعلم النفس في جميع ما كتب من روايات إلى حدّ الآن.


غزو وهجرة


في رواية “المهرّب” تتراكم الأحداث التي تعكس فصولا من تاريخ النمسا، موطن روبير شيتهالار. والحدث البارز هو غزو النازيين لفيينا، والذي أجبر عددا وفيرا من سكّانها على الهجرة.

أما فرانز، الشخصيّة الرئيسيّة في الرواية فيغادر قريته في الجبال العالية ليصل إليها في ذلك الوقت العصيب وهي تستعدّ لتوديع أفضل مثقفيها وفنانيها من اليهود بالخصوص.
القاسم المشترك بين كل ما كتبت إلى حد هذه الساعة هو أن الشخصية الرئيسية عادة ما تكون شخصية مهمشة

ويعثر فرانز على عمل في محلّ التبغ الذي يمتلكه السيد تريشنيك. ومن خلال الصحف التي كان يواظب على قراءتها يوميّا، يكتشف “طبيب المجانين” الذي هو سيغموند فرويد، والذي يكثر من التردّد على محلّ بيع التبغ لاقتناء السيجار. ومع مرور الأيام، يقع فرانز في حبّ “أناسكا” الجميلة التي تعمل في إحدى الكاباريهات.

وعندما يشعر أن الحبّ قد يرمي به في هاوية الجنون، يشرع في التردّد على فرويد بهدف مساعدته على تخطي المخاطر التي بدأت تتهدّده. وفي نهاية الرواية، يركب فرويد القطار ليغادر نهائيّا فيينا. أما فرانز فتحمله سيّارة سوداء إلى وجهة غير محدّدة.

ولد روبير شيتهالار في فيينا عام 1966. وهو يقول بأن العالم الخارجي كان يخيفه في طفولته لذا لجأ مبكرا إلى القراءة التي وجد فيها ما يساعده على السفر بعيدا بخياله، مُرْضيا أحاسيسه ومشاعره.

بعد حصوله على شهادة الباكالوريا، دَرَس الفنّ المسرحيّ في أكاديميّة فيينا بهدف أن يكون ممثلا. وعقب تخرجه، لعب أدوارا مختلفة في العديد من المسرحيّات والأفلام.

ومؤخرا كان له دور صغير لكنه مهم في فيلم المخرج الإيطالي باولو سورانتينو “شباب” الذي سيعرض على الجمهور في السنة القادمة (2015).
القلق أصبح النواة الصلبة في جميع ما يكتبه روبير شيتهالار

غير أن روبير شيتهالار يقول: «لم أعد مهتمّا لا بالمسرح ولا بالسينما. أن أكون تحت الأضواء يشعرني أنني عار أمام الناس. وأن يشاهدني الآخرون وأنا أقوم بهذا الدور أو ذلك يجعلني أخجل من نفسي. فقط الكتابة باتت عالمي المفضلّ. لذا أظنّ أنني لن أنقطع عن الكتابة حتى النهاية».

ويضيف روبير شيتهالار قائلا: «مثل كلّ طفل نمساويّ عشت طفولة يحضر فيها بقوة الجبل، والثلج، ورياضة التزحلق. وذات يوم، كنت في مصعد للتزلّج، وإذا بهدوء عجيب يغمرني. الغابة، وحفيف أشجار التنّوب، وصريف الثلج، كل هذا أشعرني أنني أمام شيء رائع، ومثير للقلق في نفس الوقت. وهذا المزيج من الصمت، ومن الجمال، ومن القلق، أصبح النواة الصلبة في جميع ما سأكتب في ما بعد».


شخصية المهمش


منذ أن انتقل للعيش في برلين وذلك عام 1966، واظب روبير شيتهالار على إصدار الرواية تلو الأخرى. وهو يقول: «القاسم المشترك بين كلّ ما كتبت من روايات إلى حدّ هذه الساعة هو أن الشخصية الرئيسيّة عادة ما تكون شخصيّة مهمّشة، تميل إلى العزلة، ولا تحبّ أن تعيش حياتها وسط الجلبة والضوضاء».

ويضيف: «في روايتي الأولى مثلا، الشخصيّة الرئيسيّة فتاة في السادسة عشرة من عمرها بنظارات كبيرة. وهي لا تتكلم إلاّ نادرا. لكن ذات يوم تتمكن من أن تُظهر للجميع أنها قادرة على تحمّل مصيرها بنفسها، ومن دون أن تحتاج إلى أيّة مساعدة من أهلها، أو من الآخرين».

غير أن الرواية التي حملت عنوان “حياة بكاملها” هي التي حقّقت الشهرة لروبير شيتهالار. بطل هذه الرواية يدعى أندرياس. وهو رجل عجوز يعيش وحيدا بين الجبال العالية المكسوة بالثلوج.

إنه يشرع في رواية سيرته من دون أن يميّز بين الأحداث العادية والبسيطة والأحداث الكبيرة. عنده يتساوى موت شقيقه مع أيّ حدث تافه يعيشه في حياته اليوميّة الخالية من الإثارة.

كما أنه يتجنب إصدار الأحكام الأخلاقيّة على جميع الأحداث التي يرويها، وهو يكتفي بالملاحظة والقبول بكلّ ما يحدث من دون أيّ اعتراض أو رفض.
14