روبير لوباج يغوص في تجاويف الذاكرة عبر مسرحية "887"

كيف تشتغل الذاكرة؟ وما الفائدة في تذكر أحداث ولت وأشياء زالت ووجوه بادت؟ وهل للمسرح المؤسس على الذاكرة جدوى في هذا العصر الرقمي بالغ التطور دائم التحول؟ أسئلة يطرحها الكيبكي روبير لوباج من خلال مسرحية بعنوان “887”، مسرحية تسائل الذكريات، حميمة أو مشتركة، تعرض الآن بمسرح المدينة بباريس في نطاق الدورة 44 لمهرجان الخريف.
الاثنين 2015/10/12
ممثل ساحر يغوص في أعماق النفس البشرية

مسرحية “887” للكيبكي روبير لوباج غوص في تجاويف الذاكرة، حيث يعود بنا لوباج إلى ستينات القرن الماضي من خلال عمل ينهض وحده بكل مكوناته من جهة التأليف والإخراج والسينوغرافيا والأضواء والأداء.

والعنوان “887” هو رقم العمارة التي كان الطفل روبير يسكنها مع أهله في مونريال. فلا ديكور غير ماكيت ضخمة تمثل تلك العمارة التي تبدو مثل صندوق عجيب، يظهر من نوافذها المضاءة بعض السكان، كلما أتى لوباج على ذكرهم، وهو ماض في سرد ذكرياته، فتنفتح هذه النافذة أو تلك على ديكور مصغّر يعرض مشاهد قديمة من حياة البطل والأهل والجيران.

ندخل العمارة من نوافذها، كما ندخل خلسة عقل إنسان، فالطوبوغرافيا الركحية ذهنية أيضا بقدر ما هي جغرافية، ذلك أن لوباج يمارس مسرحا لا يقيم وزنا للحدود الفضائية والزمانية، فلا مسافة لديه غير النظر إلى تلك الأعوام في نوع من لطيف السخرية وليّن النقد.

يبدأ العرض كما تبدأ عروض الـ”وان مان شو”، ولكنه يخضع في الواقع إلى منطق شعري حالم. يتجلى الفنان في بدلة أنيقة على ركح شاغر، ويشرع في التوجه إلى القاعة المضاءة، ليشرح مصدر ابتكاره: طُلب منه مرة أن يلقي قصيدة الشاعرة الأميركية ميشيل لالوند “سبيك وايت” (وهو قصيد ملتزم يجد مرجعيته في شتيمة عنصرية كان الكنديون الإنكلوفونيون يستعملونها للتعبير عن احتقارهم للأقلية الفرنكفونية، وقد تحول إلى مانيفستو كيبكي يدعو إلى التضامن مع كل الشعوب المضطهدة، وعُدّ رافعوه وقتها انفصاليين).

لوباج يمارس مسرحا لا يقيم وزنا للحدود الزمانية، فلا مسافة لديه غير النظر إلى تلك الأعوام في نوع من لطيف السخرية

كان ذلك بمناسبة الذكرى الأربعين لليلة الشعر، فخانته الذاكرة، دون أن يدري أكان القصيد هو السبب أم عامل السن. عندئذ قرر أن يسعى في البحث عن الزمن الضائع، أي الفترة الواقعة بين 1960 و1970، وهي فترة حاسمة في تاريخ كيبك على أكثر من صعيد، يعقب ذلك إظلام وظهور عنوان سكن الفتى روبير على شاشة بيضاء معلنا عن بداية العرض الحقيقية.

تتناول المسرحية بطريقة ذكية حكاية رجل وعائلته في مرحلة “الثورة الهادئة” (1960-1966)، تلك المرحلة التي شهدت إصلاحات ساهمت في تحسين مستوى العيش، ولكن دون أن يستفيد منها الناس بالتساوي، فقد ازدهرت مونريال، ولكن كثيرا من سكان كيبك، مثل آل لوباج، لم ينعموا برغد العيش.

يتابع الجمهور مراوحة الراوي بين الماضي والحاضر، ويصغي لحكاية تنبني على توارد الخواطر، حيث توحي صورة ما باسم معين يتحول بدوره إلى موتيف أو مشخّصة تحيل على حدث ما، كسيارة التاكسي التي كان يستعملها أبوه، بطل الحرب السابق، لكسب قوته وقوت عياله، أو كخطاب الجنرال ديغول عن “كيبك حرّ”. ولوباج لا يكتفي بسرد وقائع خلت، بل ينهل من ذاكرته عبقرية الآلية المسرحية ليستخرج منها صورا وأشياء وأنغاما ساحرة، فعلاوة على السرد الممتع، تقوم الصور والأشياء بدور هام في إمتاع المتفرج، كالعمارة المصغرة التي تتبدّى كبيت دمية، حيث تتحرك كل شقة فيها بفضل شاشات فيديو بالغة الصغر أو بفضل التكبير الذي يُسلَّط على المشخّصات، حتى العمارة تدور حول نفسها فجأة لتتحول إلى مكتبة كرمز لذاكرة المبدع.

المسرحية لا تمجد الأرض الأم وشعارها بقدر ما تمجد سكوت الأب وصبره على مهنة تحرمه من الحضور الدائم جنب أبنائه

المسرحية لا تمجد الأرض الأم وشعارها بقدر ما تمجد سكوت الأب وصبره على مهنة تحرمه من الحضور الدائم جنب أبنائه الذين كبروا في غفلة منه، وذلك عن طريق تكرار عبارة “أذكر”، فعلى غرار الفرنسي جورج بيريك في كتاب “ما زلت أذكر” يمزج لوباج التاريخ الخاص، أي سيرته وسيرة أهله، بالتاريخ العام.

وعندما يسترجع أشياء عادية أو تنتأ من الماضي عن طريق الصدفة فتثير في نفسه نوعا من الحنين، فإنما يفعل ذلك ليسدّ ثغرات الذاكرة الجمعية للكيبكيين. لأنهم نسوا المعنى التاريخي لشعار “أذكر” البارز على اللوحات المعدنية لسياراتهم (ولد تحت الزنبقة، وكبر تحت الوردة)، وهو شعار مأخوذ من قصيدة تقول “أذكر أني ولدت تحت الزنبقة (أي الفرنسيين) وكبرت تحت الوردة (أي في ظل النظام الإنكليزي). وهو، إذ يستحضر ذكريات خاصة، لا يقدم سيرة ذاتية خالصة، بل يدمجها بأحداث تاريخية أشمل، فالعمارة هي مرآة مجتمع في فجر التقلبات الكبرى وظهور التفجيرات الأولى لجبهة تحرير كيبك.

“887” ليست أول تجربة يبني فيها روبير لوباج عرضا حول الذاكرة، إذ سبق أن تناول هذه الثيمة في مسرحية “ثلاثية التنانين” وهي عبارة عن عملية حفر عميقة لاستخراج سرديات أصيلة. عرض مذهل، وفنان متميز قالت عنه الناقدة أرميل هيليو “هذا الرجل ليس فقط واحدا من الفنانين الأكثر مغامرة والأخصب خيالا في عصرنا، بل هو يحوي بداخله ساحرا يفتح لنا أبواب الحلم، ويجعلنا نبصر أعمق أعماقنا”.

16