روبي فتاة الكليب التي تتربع الآن على عرش الدراما

حملات الهجوم على روبي، تحولت عند جمهورها مع الزمن إلى أيقونة، فقد اعتبر ملايين المشاهدين الفتاة عادية الجمال وبسيطة الملامح "رمزا حسيًّا"، يقف ضدّ "أيقونات الجنس".
الثلاثاء 2019/06/25
فنانة مصرية تجسّد تحولات المزاج العربي الأخيرة

سترد في هذا المقال تعبيرات تبدو للوهلة الأولى شعبية ونبتت في الشارع، ولكنها في الواقع تعكس ذهنية الجمهور العربي في السنوات الأخيرة حيال الفن وحيال المرأة والجمال والظواهر العديدة.

وذات يوم كتب المفكر الأميركي العربي الراحل إدوارد سعيد عن تحية كاريوكا، مقالته الشهيرة “تحية إلى راقصة”، وقتها قدمت المقالة تحية، كحالة ثقافية استطاع إدوارد من خلالها دراسة الشخصية المصرية وتحولاتها. خاصة بعد ازدياد حالة المدّ الدينيّ التي عمّت في نهاية السبعينات والثمانينات.

وكان تأثيرها واضحا على الراقصة تحية، التي تحوّلت من راقصة “كانت تجسّد ضربا من الإثارة بالغ الخصوصية”، إلى الحاجّة تحية، بملابسها المحتشِمة الطويلة، والمنسدلة على جسدها، الذي أصابه الترهّل والبَدانَة، والأهم هيمنة الأيقونات الدينيّة على منزلها، من صور مكة، وبروز المصحف لمرتادي المنزل بيسرٍ وسهولةٍ.

كيف تغير العالم العربي

 في ذلك الوقت، كانت ثمّة تغيرات جذرية في المجتمع العربي عموما، أحدثتها ثورة الاتصالات و”الستالايت” مع منتصف التسعينات من القرن المُنقضي، وهو ما نتج عنها انتشار موضة الفيديو كليب، التي طغت في الفضائيات اللبنانية ثم دخلت إلى مصر مع قناة “ميلودي”.

استلفتت تلك الظاهرة المفكّر الكبير الراحل عبدالوهاب المسيري، فكتب عنها مقالة بعنوان “الفيديو كليب والجسد والعولمة”.

أكبر ردّ اعتبار لها، هو ظهور صورتها على غلاف مجلة "باري ماتش" الفرنسية، بوصفها "لؤلؤة النيل التي تغني للحرية"، وبعد ذلك حدثت الانفراجة في حياة روبي، خاصة بعد صدور كليب "مشيت ورا إحساسي" وتم فتح الأبواب المغلقة لها في التلفزيون المصري، بعدما كانت موصدة في وجهها

كانت المقالة قدحًا شديدًا في هذه الظاهرة التي انتشرت كما يقول “تأثرًا بالغرب وثقافة الاستهلاك”، وإن كان خصّ الفنانة روبي التي كانت واحدة من نجوم الفيديو كليب، بالإشارة، حيث قال “ولكن الأهم من كل هذا هو ما أسميه عملية تطبيع الرقص والإثارة‏، فالرقص يقدّم في الفيديو كليب، على أنه جزء من صميم حياتنا العادية اليوميّة‏.‏ وبدل أن تذهب إلى الكباريهات جاءت هي إلينا‏.‏

ولعل هذا ما حققه شريف صبري في أغنية روبي الأولى (إنت عارف ليه) حين ظهرت تسير في الشارع بشكل عادي جدًّا ببدلة الرقص‏، ثمّ ظهرت بملابس عادية، واستمرت في نفس الرقص البلدي”.‏
الغريب أن المسيري الذي رفض ما فعلته روبي، أشاد بمنافستها نانسي عجرم التي كانت الفضائيات تمتلئ بـأغنيتها “أخاصمك آه” ووصفها بأنها “الأكثر براءة، والأقل إثارة للغرائز”، بينما تحامل على روبي قائلًا “إنها تتعمد استخدام رموز جنسيّة وجرأة غير مسبوقة”.

أيقونة الطبقة المتوسطة

تحولت إلى أيقونة لدى جمهورها
تحولت إلى أيقونة لدى جمهورها

ومع ظهور أوّل فيديو كليب لروبي أثارت الجدل حولها، ووضعت نفسها هدفًا لسهام النقد. كما أن المخرجين الذين تعاملوا معها دأبوا على تثبيت هذه الصورة في كافة أدوارها، وهو ما أعطى انطباعًا بأن تلك الشخصية هي شخصيتها الحقيقية، وهو ما تمّ تجاوزه، لكن في مرحلة لاحقة من مشوارها الفني.

 لا ينكر أحد ما تعرضت له روبي بعد هذه الأغاني من حرب ضروس، وصلت إلى حد اتهامها بإثارة الغرائز، والتحريض على الفجور، وهناك من طالب بشطب اسمها من النقابة، كما فعل المحامي نبيه الوحش عام 2004، حيث رفع دعوى قضائية ضدها لشطب اسمها من نقابة المهن الموسيقية، وبالفعل فقد صدر عام 2007 حكم المحكمة بقبول الدعوى وشطب روبي، وهو ما كان له صداه على مستوى الخارج، حيث قرّر نقيب المهن السّورية، منع روبي وإليسا وهيفاء وهبي من الغناء في سوريا، بحجة أنه يهدف إلى الحدّ من “التلوث الأخلاقي” على حد تعبيره.

المثير حقًّا أن مجلة الكواكب المصرية، التي تصدر عن مؤسسة عريقة هي روز اليوسف، التي كانت في وقت من الأوقات حصن الحريات المنيع، هي التي قادت الهجوم على الفتاة الشابة التي لم تتجاوز الثانية والعشرين ربيعًا، فتعاملت معها كأنها فتاة ليل تروّج لبضاعتها. وإن كانت قد نشرت في نفس العدد في صفحتها الوسطى بوستر هدية لموديل إعلانات من سلوفاكيا، كما ذكر كاتب تقرير لجريدة المستقبل. إذن أين المعايير التي راحت تحاكم بها روبي؟

اللافت أنّ روبي على الرغم من حملات الهجوم عليها، تحوّلت عند جمهورها إلى أيقونة، فقد اعتبر الفتاة عادية الجمال وبسيطة الملامح “رمزًا حسيًّا”، يقف ضدّ “أيقونات الجنس”. لكن كان أقصى عقاب تعرضت له، تمثّل في منعها من الظهور في التلفزيون المصري، لفترة طويلة، ثمّ حالة الاستياء التي عبرت عنها بعض الأقلام الصحافيّة، عندما دُعيت للغناء في مهرجان دبي السينمائي عام 2005، فقد اعتبرت مشاركتها في المهرجان “إهانة للفن العربي”.

حالة الرفض عند أهل الفن، قابلها قبول واحتضان لروبي على مستوى الجماهير التي اعتبرتها “أيقونة الجيل” و”المزة المصرية الأخيرة” كما ذهبت ليال حداد في مقال لها.

وهناك من ذهب إلى القول إن الدفاع عن روبي هو “من أجل الصناعة الوطنيّة الحرة التي تحاول أن تصمد، لأجل مصر”، كما قال البراء أشرف في مقالة “ستة أسباب للحنين إلى روبي”.

لا ينكر أحد ما تعرضت له روبي بسبب أغانيها المثيرة للجدل من حرب ضروس، وصلت إلى حد اتهامها بإثارة الغرائز، والتحريض على الفجور، وهناك من طالب بشطب اسمها من النقابة

وكان أكبر ردّ اعتبار لها، هو ظهور صورتها على غلاف مجلة “باري ماتش” الفرنسية، بوصفها “لؤلؤة النيل التي تغني للحرية” وبعدها حدثت الانفراجة خاصة بعد صدور كليب “مشيت ورا إحساسي” وتم فتح الأبواب المغلقة لها في التلفزيون المصري، بعدما كانت موصدة في وجهها.

 طرقت روبي أبواب العمل في الإعلانات مُبكّرًا، منذ أن كانت طالبة في المرحلة الثانوية، فهي تنتمي لطبقة متوسطة، حيث الأم معلمة تربية رياضية، وهو ما اضطرها للعمل كي توفر مصاريف الدراسة. وأثناء بحثها عن فرصة عمل قادتها الظروف لتبدأ حياتها كفتاة إعلانات، وكانت تجربتها الأولى كموديل في أغنية أجنبية، لمارسيل رونالوف عام 1997، ثم عملت كمذيعة برامج في قنوات “دريم” و”المحور”، ثم شاركت في فيلم ثقافي عام 2000. حتى كانت ضربة البداية التي لم تكن موفقة، بظهورها كصناعة من إنتاج شريف صبري الذي قدم الموديل الجديد عبر خلطة صادمة للمجتمع المصري، الذي كان معبّأ بشعارات السينما النظيفة، وبنصائح الدعاة الجدّد الذين بدؤوا يتسللون إلى الصالونات والقصور وغيرها قبل الخروج في برامج تلفزيونية.

صبري نجح عبر فتاته التي ترقص في شوارع براغ، وتنام على الأرض ببدلة رقص، وتردد سبع جمل لا غير، لأغنية “إنت عارف ليه” من كلمات خالد منير وألحان محمد رحيم، في كسر حالة السكون التي كان عليها المجتمع. وفي ذات الوقت كانت الأغنية القصيرة الانطلاقة الحقيقية لروبي، ليعرفها الجميع ويلعنها الكثيرون في نفس الوقت.

ولم تكتفِ روبي بالصدمة التي هزت بها مجتمعها، ببدلة الرقص وهي تغني، وإنما تبعتها بأغنيتها الثانية “ليه بيداري كده” والتي كانت فيها أكثر جرأة من سابقتها، إذا استخدمت أحد أعضاء الجسد للإثارة بصورة لافتة، حتى أن العجلة صارت توسم باسمها.

صورة السلعة

روبي تجلس الآن على كرسي الصدارة لدى الجمهور، بعد أن تسابقت المحطات على عرض مسلسلها "هو ده اللي صار"
روبي تجلس الآن على كرسي الصدارة لدى الجمهور، بعد أن تسابقت المحطات على عرض مسلسلها "هو ده اللي صار"

اسمها الحقيقي رانيا حسين محمد توفيق، وهي من مواليد عام 1981 بحي شعبي في القاهرة، خريجة كلية الحقوق بجامعة بني سويف عام 2004.

اختارها المخرج الراحل يوسف شاهين في فيلم “سكوت حنصور” عام 2001، وهو الذي اختار لها اسم روبي. والصُّورة السلعية التي قدمت بها مع أوّل ظهور لها في أولى كليباتها، كانت هي المهيمنة في اختيار أدوارها، فتم ترشيحها لدور “بولا” ابنة المطربة لطيفة في الفيلم، وفيه تحب ابن السائق، وقد جاءت معظم مشاهدها في البحر بلباس البحر، مع قبلات ساخنة مع مصطفى شعبان، وهو ما فاقم من الانطباع السيء عنها. مع أنها في النهاية كانت عجينة في يد المخرجين، جميعهم وجهوها حيث استقطاب شباك التذاكر. وهو نفس ما حدث مع فيلم “7 ورقات كوتشينة” مع شريف صبري مخرج كليبها الأول، الذي لم يفعل سوى أن قدّم فيديو كليب طويل لروبي.

 تكرّر الوضع مع فيلم “الوعد” مع محمد ياسين ووحيد حامد بطولة آسر ياسين، فلم تخرج روبي عن إطار فتاة الجسد، لا فرق من حيث الإغراء وهي تغني ببدلة رقص في الشوارع أو على دراجة، أو حتى بقبلات حارة، فدورها الجديد كان عبارة عن فتاة أشبه بفتاة ليل تتمّ الاستعانة بها من قبل مسؤولين كبار في جهات معينة لتكون عينهم على سياسيين ورجال أعمال، وعن طريقها يتمّ تصوير هذه الشخصيات معها في أوضاع مثيرة بغرف النوم. ومع تكرار الصّورة النمطية التي وضعت فيها إلا أن المكسب الحقيقي، الذي خرجت به تمثل في إظهار قدراتها الفنية، والتي تركت صدى طيبًا.

وفي العام 2008 تمّت الاستعانة بشخصيتها الحقيقية كضيف شرف في فيلم “ليلة البيبي دول” أمام محمود عبدالعزيز ونور الشريف ومحمود حميدة ونخبة كبيرة من النجوم، وقامت بالغناء في آخر الفيلم، أغنية يمكن أن تعتبر بداية لتقديم الوجه الخفي لروبي.

بدلة الإعدام وبدلة الرقص

أيقونة الطبقة المتوسطة
نجمة الطبقة المتوسطة

لم يُدرك أحد في رحلة روبي القصيرة أنّها كانت مشغولة من خلال تجاربها المتعددة في البحث عن ذاتها المفقودة التي غيّر ملامحها صبري. وبعد وقت قصير أدركت صورتها الخاصة ولونها المميز، وهو ما ظهر في مسلسل “بدون ذكر أسماء” في العام 2013، وهو التجربة التلفزيونيّة الأولى، التي استطاعت أن ترسخ نجوميتها، من خلال دور “مبسوطة” وهي فتاة من بنات الشوارع تقوم بصناعة “عناقيد” من الفل ثم تبيعها في الشوارع أمام المارة بالسيارات. وعبر هذه الشخصية البسيطة تعرفت روبي على صورتها الحقيقية، وقد أثبتت أنّها ممثلة واعية بإمكانياتها، لديها خبرة كبيرة في العمل الدرامي. وهي التجربة التي جمعتها بوحيد حامد مرّة ثانية بعد فيلم “الوعد”.

ثم جاء دورها في مسلسل “سجن النساء”، مع كاملة أبوذكري، لتنطلق الموهبة المكبوتة في داخلها. وكان الدور نقلة فنيّة مهمّة، في حياتها العمليّة. لعبت فيه دور الخادمة “رضا” التي جاءت من أقاصي الدلتا، لتعمل في مجتمع القاهرة المنفتح والكبير، وانتهى بها الأمر إلى إشعال النيران في مخدومتها بعد أن شعرت تجاهها بحقد طبقي، وانتهى بها الأمر إلى الإعدام وجاء مشهد الإعدام في الحلقة الـ29 مربكا، لكنّه أثار موجة من التعاطف الشديد معها. مع أن الحكم كان مستحقًّا، إلا أنّ الجميع تعاطفوا مع أيقونتهم، وجالت المقارنات بين صورتها القديمة وصورتها الآن، بل راح البعض يلوم صبري على ما فعله بروبي وحصرها في أدوار الإغراء فقط.

الفرق بين بدلة الرقص التي رقصت بها في أولى أغنياتها وبدلة الإعدام التي ارتدتها في مسلسل سجن النساء، يكاد ينمحي في درجة اللون المتقاربة، إلا أنه لا يختصر العمر الذي قطعته روبي ابنة الـ17 إلى الفتاة الناضجة فقط، وإنما يختصر محو تاريخ كامل من الصورة الذهنية التي لصقت بعرابة الفيديو كليب.

قدمت روبي الكثير من  الأعمال مثل “الشوق” و”رمضان كريم”، وتسابقت المحطات مؤخراً على عرض مسلسلها “هو ده اللي صار”، من تأليف السيناريست عبدالرحيم كمال، وإخراج المخرج السوري حاتم علي، الذي تدور أحداثه حول قصة حب تحكي تاريخ مصر والإسكندرية خلال 100 عام من خلال شخصيات “علي بحر، وأصداف، ونادرة، وخديجة هانم، ويوسف نوّار”. ويشارك في البطولة إلى جانب روبي التي تصدرت أفيشات المسلسل وإعلاناته، محمد فرّاج، وأحمد داود، وسوسن بدر، وهبة عبدالغني، وهشام إسماعيل، وأروى جودة، وألفت عمر.

الظاهرة تبدو اليوم في ذروتها. لكنها استوقفت المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري، حين كتب عنها مقاله "الفيديو كليب والجسد والعولمة" الذي انتقد فيه ما سماها "عملية تطبيع الرقص والإثارة"

 لكن روبي التي استحوذت على اهتمام الكثيرين، مع كل حلقة من حلقات المسلسل، يزداد تألقها، وهي تؤدي شخصيتين؛ واحدة تنتمي إلى عصر مضى حيث شخصية نادرة تلك الفتاة التي قدم بها أبوها عازف الربابة بعد وفاته أمها، من الصعيد؛ ليعمل حارسًا لأحد القصور، وتتبنى سيدة القصر الطفلة، وتربيها تربية هوانم، وهو ما كان له نتائجه الإيجابيّة والسلبية خاصة بعد عودة ابنها الطبيب الذي حالت الحرب دون قدومه فجاء فجأة، ومال ناحية الفتاة الصعيدية التي ما زالت بلهجتها، إلا أنّ معارفها أكثر بكثير. وشخصية سلمى في العصر الحالي الصحافية المهتمة بالقصر الذي صدر قرار بإزالته، وتقع في حبّ حارس القصر.

لم يثر المسلسل جدلاً على مستوى المعلومات الواردة فيه، أو حتى التناقضات التي تظهر بها الشخصيات، وإنما كان ثمة إثارة أخرى خاصة بأداء روبي والسؤال عن أسباب اختفاء موهبة بحجم موهبتها. وعلى الفور أثار المخرج مجدي الهواري الأمر عبر تويتر قائلاً “سؤال محيرنى، هي ليه حد بحجم موهبة روبي في التمثيل مش واخدة حقها عندنا؟ يمكن علشان ما بدأتش بالأعمال العظيمة زي فاتن حمامة ولا زي السّاحرة سعاد حسنى وكتير كتير هنا وبره جاتلهم الفرصة من أول يوم”.

بالطبع سؤال الهواري مهمٌّ، خاصّة وأنّ معظم الأعمال التي اشتركت فيها روبي في الفترة الأخيرة، كانت تنحاز فيها لموهبتها فتضيف إلى رصيدها الفني، الذي تراكم منذ بدايتها التي مع الأسف قدمتها بصورة فتاة لاهية عابثة أو فتاة ليل. لكن الشيء المهم أن روبي عادت، واستطاعت أن تلتفت لصوتها الخاص، الذي يجعل منها بحق “المزة المصرية الأخيرة” كما وصفت من قبل. أو “البنت الشقيّة” كما كانت تناديها إسعاد يونس عندما استضافتها في برنامجها “صاحبة السعادة”.

13