روتيني يقيني

الثلاثاء 2017/05/23

هذا دفاع عن الروتين الحكومي وأساليب تعقب المعاملات وسلوك موظفي الدولة المؤتمنين على مصالح الناس. قبل كل شيء، الياء الملحقة بكلمة روتين في العنوان ليست ياء صفة أو نسب بل هي ضمير متصل بمعنى الروتين الخاص بي، مثل الياء في ثقافتي وحضارتي. فمن طبعي أن أدافع عن ثقافتنا وهويتنا الحضارية، والروتين جزء منها. حب الروتين والتعلق به ومهاجمته أيضا جزء من ثقافتنا. الروتين من إنتاجنا وهو روتيننا ولم يفرضه أحد علينا.

الجميل فيه أنه ينجب أشياء ومطالب مضحكة. أتعرف على مخترعات المصالح الحكومية، ومهما بلغت من العمر فإنهم يعلمونني شيئا جديدا، علومهم لا تنقضي. من بحار المعرفة هذه تعلمت الأسبوع الفائت أن هناك شيئا اسمه “صحة الصدور”. قد يهيّأ لكم أن الموضوع متصل بالسعال والرئة والتنفس. خطأ، “الصدور” هنا ليست جمع صدر بل مصدر من الفعل صدر.

تكون لديك وثيقة رسمية، فيطلب منك الموظف أن تحضر له وثيقة أخرى تؤكد أن الأولى صحيحة. يعني الافتراض المبدئي هي أن ما لديك مزور، وعليك إثبات أنه غير مزور. هذا الكلام ناتج عن ثقافة كاملة.

أذكر مرة أني كنت واصلا مطار دولة عربية برفقة صديق. أموري كانت ماشية مع ضباط الجوازات لكن الصديق فوجئ بطلب عجيب. كان عنده فيزا لكنهم طلبوا منه وثيقة تثبت أنه ليس ممنوعا من الدخول. قالوا له إن الفيزا تعني أنه مسموح لك بالدخول لكننا نريد ما يثبت أنك لست ممنوعا من الدخول.

شخصيا، عقلي تعب وأصابه الإعياء في محاولة فهم هذا المنطق. لكننا شعوب نجد هذا الطلب معقولا رغم أنه يذكّر بجنون إصرار الولايات المتحدة أن يقدم العراق دليلا على أنه لا يملك أسلحة دمار شامل. المفروض أن من يتهمك بحيازة سلاح أن يثبت أن عندك سلاح، لكن أن يطلب منك أن تثبت عدم حيازتك سلاحا، فهذا من قبيل صحة الصدور ووثيقة عدم المنع من الدخول.

كنت في القاهرة ذات ربيع، أثناء تلك الزيارة نشرت الصحف تقريرا يقول إن بلدية العاصمة بصدد افتتاح سلسلة تواليتات نظيفة لكنها تكلف جنيها واحدا لدخولها. ورصدت ردود فعل القاهريين كما وردت في الصحف. بداية قال الناس إن هناك من لديه ظروف صحية تتطلب زيارات متفرقة ومتعددة للتواليت.

فاقترح البعض أن يتقدم من لديه ظروف كتلك بطلب إعفاء من الرسوم موثق من وزارة الصحة. ودار حديث عن استمارات خضراء وحمراء وبطاقات إعفاء متمايزة ولغط كثير. الناس عندنا تلتمس دفء الروتين والمعاملات الرسمية. ففيه العدالة والإنصاف والمراجعات. وأهم شيء فيه أنه يتيح الشكوى من الروتين.

24