روحاني.. الإصلاحي المعتدل بين الوفاء للمرشد والالتزام بوعوده

السبت 2013/09/14
رجل يعرف كل صغيرة وكبيرة فيما يخص الملف النووي

التيار الإصلاحي المبعد من الساحة السياسية والابن الضال في عيون المرشد الأعلى، يرى في روحاني المنفذ الوحيد للعودة من خلاله إلى بعض أروقة صنع القرار، وهو ما يفسر تجمهر الإصلاحيين حول رجل غير اصلاحي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

حجة الإسلام حسن روحاني (64 عاما) الرئيس الإيراني الجديد الذي يعلق عليه الشعب الإيراني والمجتمع الدولي آمالا كبيرة لطي صفحة أحمدي نجاد المظلمة، رجل دين من الرتبة المتوسطة يسعى لبداية مرحلة جديدة في إيران شعارها الاعتدال ولا شيء غير الاعتدال، يتميز بانفتاحه على الحوار مع الغرب في جميع القضايا الشائكة وعلى رأسها البرنامج النووي المثير للجدل.

انتخب روحاني رئيسا لإيران منذ الدورة الأولى، مستفيدا من انقسام معسكر المحافظين وتعبئة الناخبين المعتدلين بعد انسحاب المرشحين الإصلاحيين أبرزهم محمد رضا عارف الذي وقف في صفّه ودعّمه، روحاني الذي يعتمر عمامة بيضاء ويطلق لحية اختطها الشيب، معروف بقربه من الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني (معتدل) الذي دعا مثل خلفه محمد خاتمي (إصلاحي) للتصويت له.

يقف روحاني- بنظرته الوسطية- اليوم غداة انتخابه رئيسا لإيران أمام تحدي الوفاء بوعوده والارتقاء إلى مستوى تطلعات الشعب الإيراني والآمال المعلقة عليه في حلحلة الملف النووي المثير للجدل، حيث ينادي هذا الرجل بانتهاج سياسة أكثر مرونة تجاه الغرب مبنية على الحوار المباشر لوضع حد للعقوبات المفروضة على إيران والتي أغرقت البلاد في أزمة اقتصادية خانقة.

لكن هذه المرونة المنتهجة من قبله لا تعني التفريط تماما بحق إيران في برنامجها النووي لأغراض سلمية، حيث قال روحاني في مؤتمره الصحفي بمجرد تأديته اليمين أمام المرشد الأعلى، "إن الاعتدال لا يعني في السياسة الخارجية لا استسلاما ولا نزاعا.. إنه يعني تفاهما بناء مع العالم". لكنه رفض في الوقت نفسه أي تعليق لتخصيب اليورانيوم الذي يعد مصدر قلق للغربيين وإسرائيل الذين يتهمون إيران بالسعي إلى صنع القنبلة الذرية.

كما لم يستبعد روحاني إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، العدو التاريخي للجمهورية الإسلامية، لإيجاد حل للأزمة النووية، -"حتى ولو أن ذلك سيكون صعبا".

وفيما يخص الآمال التي يعلقها الغرب في روحاني لاستئناف المفاوضات بشأن نووي إيران، يقول ريتشارد دالتون، السفير البريطاني الأسبق لدى طهران: "حسن روحاني يدين بالولاء للجمهورية الإسلامية الإيرانية والمرشد الأعلى للنظام بقوة"، ويضيف "لكنه رجل وسطي يتمتع بصلات سياسية مميزة بمختلف الأطياف السياسية في إيران، ولا يستبعد إمكانية التوصل إلى توافق مع طهران خلال فترة ولايته بشأن الملف النووي الإيراني، الذي أصبح مربط الفرس في كل شاردة وواردة تخص علاقات إيران السياسية والاقتصادية والتجارية الدولية".


رجل دين حداثي


تتبلور نظرة الرئيس الإيراني الجديد المرنة والحديثة لتطبيق الشريعة الإسلامية من خلال أطروحته "الشريعة المرنة على ضوء التجربة الإيرانية" التي نال بها شهادة الدكتواره، والتي تؤكد في ديباجتها أنه "لا توجد قوانين في الإسلام لا تقبل التغيير والتحول" الأمر الذي يجعله في صف البراغماتيين والحداثيين من رجال الدين الإيرانيين، لذا لا نستغرب عندما نشاهد ما لقيه من دعم من أب البراغماتية الإيرانية هاشمي رفسنجاني، مما يعتبره البعض الذراع اليمنى للرئيس الإيراني الأسبق.

وبهذا الخصوص أكد موقع "انتخاب" المحافظ الوسطي القريب من المرشح الرئاسي، محسن رضائي، أن أطروحة الدكتوراه التي قدمها حسن روحاني إلى جامعة كلدونين تثبت نظرته المرنة والحديثة.

وقال مراقبون إن الواقعية والموضوعية اللتين تتسم بهما شخصية روحاني، دفعتا التيار الإصلاحي المبعد من الساحة السياسية والذي ينظر إليه مرشد النظام كالإبن الضال، إلى أن يرى في روحاني المنفذ الوحيد المتبقي للعودة من خلاله إلى بعض أروقة صنع القرار، وخاصة التنفيذية منها، وهذا ما يفسر تجمهر الإصلاحيين حول رجل غير إصلاحي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.


رفع شعار الانفتاح


اختار الرئيس الإيراني المعتدل «المفتاح» شعارا لحملته الانتخابية، وصرح في أكثر من مناسبة أنه عازم على الانفتاح على دول الجوار، وأن من أولوياته تحسين العلاقة مع بلدان الجوار وخاصة مع السعودية وبقية دول الخليج العربي، إضافة إلى رأب الصدع في العلاقات مع الغرب التي شابها التوتر في مختلف مراحلها على خلفية إصرار طهران على التمسك ببرنامجها النووي الذي يمثل محور الأزمات الداخلية والخارجية التي تعيش على وقعها البلاد.

فعلى المستوى الخارجي، من المتوقع أن يسعى روحاني إلى القيام بزيارة خاطفة إلى الرياض في القريب العاجل للإيحاء بأن تغييرا سياسيا حدث في طهران، وبناء على ذلك تتضح الرؤية والمسار الذي تتجه إليه العلاقات، وقد أبدت دول الخليج استعدادها للتعاون مع روحاني. فقد شهدت العلاقات الخليجية الإيرانية فتورا، وصلت أحيانا إلى درجة التوتر أثناء ولاية الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، بسبب تصريحات وتصرفات له اعتبرتها حكومات الدول الخليجية مستفزة، ومنها زيارات متكررة لكبار المسؤولين الإيرانيين للجزر الإماراتية التي تحتلها إيران.

إضافة إلى ذلك، فقد يسعى روحاني إلى إعادة العلاقات مع بعض الدول الأوروبية، وتأتي المملكة المتحدة على رأس القائمة في محاولة لترميم العلاقة بين البلدين، بعد أن توترت بسبب اقتحام قوات الباسيج السفارة البريطانية في طهران عام 2011 والعبث بممتلكاتها وتخريبها.

فقد أعرب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، عن أمله بأن تستأنف العلاقات بين البلدين بعد انتخاب الرئيس روحاني. وقال كاميرون في رسالة بعث بها إلى الرئيس الإيراني أنه يأمل بأن تستأنف العلاقات بين البلدين بعد قطعها، كما أعرب ديفيد كاميرون عن أمله بأن تتوصل إيران مع المجتمع الدولي إلى حل بنّاء وجاد بشأن ملفها النووي.

ولا تقتصر تحديات روحاني في فك عزلة إيران الإقليمية والدولية فقط، بل يواجه أيضا جملة من المشاكل الداخلية المتراكمة، فهناك انهيار في العملة يقدر بحوالي 30 بالمائة وعقوبات أثقلت كاهل اقتصاد البلاد وحظر على صادرات النفط التي كانت تدر أموالا كثيرة على الخزانة، ناهيك عن تضخم الأسعار وارتفاع معدلات البطالة والفقر والجريمة والمخدرات وخاصة ملف السجناء السياسيين وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات الدينية والعرقية.


مسيرة سياسية حافلة


يحمل روحاني المؤيد المتحمس لمؤسس جمهورية إيران الإسلامية آية الله الخميني حتى ما قبل ثورة 1979، رصيدا طويلا من العمل السياسي. فخلال مسيرته الطويلة تولى روحاني منصب نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني كما كان كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي بين عامي 2003 و2005. وفي تلك الفترة حاز لقب "الشيخ الدبلوماسي".

وفي العام 2003، أثناء محادثات مع باريس ولندن وبرلين، وافق روحاني على تعليق تخصيب اليورانيوم من قبل بلاده وتطبيق البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية للسماح بعمليات تفتيش غير معلنة مسبقا للمنشآت النووية الإيرانية. وأكسبه ذلك القرار احترام الغربيين، في المقابل اتهمه المحافظون بالوقوع تحت "سحر ربطة عنق جاك سترو وعطره " وزير الخارجية البريطاني آنذاك.

وبعد مسيرة نيابية بين عامي 1980 و2000، انتخب روحاني لعضوية مجلس الخبراء، الهيئة المكلفة بالإشراف على عمل المرشد الأعلى علي خامنئي، وعربونا لعلاقات الوفاء بين الرجلين، اختاره المرشد الأعلى منذ 1989 ليكون أحد ممثليه الإثنين داخل المجلس الأعلى للأمن القومي.

وبفضل هذا الدعم عيّن أمينا لهذا المجلس وقاد المفاوضات النووية بين 2003 و2005، إلا أنه ترك منصبه كأمين عام لهذا المجلس بعد انتخاب أحمدي نجاد في العام 2005. وبعد فترة وجيزة، أعادت إيران إطلاق برنامجها لتخصيب اليورانيوم ما دفع الأمم المتحدة والدول الكبرى إلى فرض عقوبات اقتصادية عليها. كما أنه عضو في مجمع علماء الدين المجاهدين الذي يضم رجال دين محافظين، لكن في السنوات الأخيرة، اقترب من الإصلاحيين أكثر فأكثر.


الكلمة الفصل لخامنئي


على عكس بعض الأطراف إن لم تكن أغلبها التي أبدت تفاؤلها حيال انتخاب الإصلاحي روحاني رئيسا لإيران خلفا لأحمدي نجاد أملا في تغير السياسة الإيرانية، لا ترى أطراف أخرى أي تغيير محتمل في السياسة الإيرانية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فالخطوط العريضة تسطّر بيد المرشد الأعلى آية الله خامنئي، مما يعني أن انتخاب روحاني لن يغير على الأرجح مواقف طهران تغييرا جذريا.

كما أن البرنامج النووي جوهر الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي بيد المرشد الأعلى الذي أكد تشبثه بمواصلة تخصيب اليورانيوم ويرفض الدخول في مباحثات مباشرة مع الجانب الأميركي، ويبدو أن روحاني قد أخذ ذلك بالحسبان، قائلا في أول خطاب متلفز له "إن سياسته الخارجية ستتماشى مع كامل الحقوق الوطنية لبلاده وستأخذ موقف المرشد الأعلى للثورة بعين الاعتبار".

وسبق أن أكد علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الإيراني المنتهية ولايته أن ملف السياسة الخارجية تحت تصرف المرشد الأعلى، قائلا "هل يمكن أن يفعل أو يقول أحد شيئا دون رأي الزعيم الأعلى؟»، مضيفا "لا أعتقد أن روحاني سيفعل مثلما فعل أحمدي نجاد ويتحدث بغلظة.. لكن عندما يصل الأمر إلى الملفات الرئيسية أعتقد أنه سيعمل داخل إطار يرسمه خامنئي».

كما يرى متابعون للشأن الإيراني في مباركة المرشد الأعلى تولّي حسن روحاني سدة الرئاسة في إيران محاولة لبعث رسائل طمأنة للغرب وإضفاء شيء من المرونة فيما يخص السياسة الخارجية الإيرانية التي اتسمت بالتشدد في فترة حكم نجاد من أجل فك الخناق عن إيران.

وأكد هؤلاء المتابعون أن هناك تغييرا في اسم الرئيس الإيراني ومظهره ، ولكن المضمون واحد لدى جميع الرؤساء الذين ينفذون أوامر المرشد الأعلى، وكما صرح خامنئي وقال إن أي رئيس يصل للحكم هو جزء من النظام الإسلامي الذي عليه الالتزام به وتنفيذ سياسته.

15